القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

ماجد ايليا
ماجد ايليا

من نحن

about us

قصة قصيرة/قرار نهائي

مرضي زنباع
مرضي زنباع
  مرضي زنباع  

 

قرار نهائي

 

في الأسبوع الماضي من الشهر الحالي دق جرس الهاتف المحمول ثلاث مرات متتالية ولكن بلا جدوى حيث ظل يهتف وحده دون إجابة. وبعد مرور نصف ساعة تخرج فريدة من التواليت ترتدي روباً فضفاضًا أزرق اللون وشعرها مبلل من أثار الاستحمام، تتجه فريدة لحجرة نومها لتجفف جسمها وتجلس أمام المرأة كعادتها تمشط شعرها. ولم تكد تصل أسنان المشط لتشق شعرها حتى دق جرس الهاتف مرة آخرى ورمت المشط على عجل غير مكترثة أن تضعه في مكانه المخصص واندفعت نحو الكوميدينو الذي يجاور حافة السرير وعليه يستقر الهاتف الذي أحدث ضجيجًا مزعجًا نتيجة الذبذبات التي تتتصارع مع اللوح الزجاجي أعلى الكوميدينو. وتمد يدها لتجيب الهاتف ولكن قبل أن تحسم ذلك فإذا بها ترى رقمًا غريبًا علي شاشة الهاتف. ولبرهة ظلت صامتة تغمغم بكلام غير مفهوم وأخيرًا قررت أن تجيب. تنهي فريدة المكالمة وترمي الهاتف علي السرير وتشعر بالانتشاء وتلقي جسدها الممتلئ على السرير بخفة ومرونة وتمدد ساقيها وتحملق بعينيها في أرجاء الحجرة حتى تستقر على لوحة شلالات مياه ، لوحة أهداها زميل الدراسة عمر هدية في عيد ميلادها ولا تذكر في أى عام ولكنها احتفظت بها ضمن الأشياء التي حرصت على لملمتها من الماضي. ظلت تفكر في صمت وتتدفق الأفكار في رأسها إلي حد يشبه جريان الماء في اللوحة . إنها تفكر في مضمون المكالمة الهاتفية التي جلبت لها الفرصة الثمينة حيث قبلتها شركة أوليمبك للخطوط الجوية فرع مطار القاهرة الدولي لتصبح واحدة ضمن فريق العمل لدى الشركة في وظيفة محاسبة. وفجأة تقفز فريدة بعدما اكتسي وجهها بفرحة غامرة وتتجه نحو باب الشرفة، إنها أول مرة منذ خمس سنوات تطل من شرفة شقتها في الدور الثالث في العمارة رقم 35 شارع الريحاني المتفرع من شارع مصر والسودان بحدائق القبة، ولكن سرعان ما تذكرت أنها منتقبة ولا يجوز أن تنظر من الشرفة عارية الرأس وبملابس البيت. وفي لمح البصر تهرول إلي الداخل وتغلق الباب وتسحب الستار.

تتجول فريدة في الشقة ذهاباً وإياباً وترى كل شئ ينطق بالسعادة. لقد جاء الوقت لترى الدنيا كما كانت تراها من قبل خمس سنوات قبل طلاقها وارتدائها النقاب. ولكن كيف تذهب فريدة إلي عملها الجديد بدون النقاب وحتى وإن خلعت هذه القطعة السوداء من القماش التى تخفي معالمها وتحجب كيانها ولا يُرى منها سوى ثقبين ترى بهما الوجود، هل يا تُرى تستطيع أن تقاوم نظرات الجيران التى كانت تقتلها كل يوم قبل ارتدائها تلك القطعة القماشية السوداء التى تمنع عنها النظرات القاسية وتسكت الألسنة التى تغازلها وتنهش جسدها كالذئاب الضالة التى تنقض على فريستها دون سابق انذار. وتصمت فريدة فجأة ويصبح صمتها هو الحضور القوى في الشقة ثم تفيق من صمتها بعد دقائق وتؤكد لنفسها أنها تعيش حياة مستقرة. وظلت تكرر هذه العبارة أكثر من مرة بنغمة تعزفها ألحان الأسى والحزن كالذى يحاول أن يتظاهر بعكس ما يضمر. وظلت تستعيد شريط حياتها البائسة وكيف اغتالت شبابها واطفأت بهجة وجهها إرضاءاً لعادات مجتمعية وقيود وهمية ظلت حبيسة خلفها لسنوات تحجب عنها شعاع الأمل وبريق الحياة، حياتها المفعمة بالطموح والاصرار.

ظل هذا الشريط يتحرك في رأسها وتتضارب أحداثه كالأمواج المتلاطمة في بحر هائج. تحاول فريدة أن توقف عقلها أو حتى على الأقل تطرد هذه الوساوس ولكن بلا جدوى. تدخل حجرة النوم وقد بدا عليها ملامح الحيرة وصعد الدم إلي وجنتيها وفجأة تمزق الورقة من دفتر الملاحظات التى سجلت فيها عنوان الشركة وموعد المقابلة قطعاً صغيرة رغبة في عدم الدخول إلي حياة جديدة تزج بها في متاعب لا تنتهى، تتجدد معها آلامها الدفينة. تشعر فريدة بدوار في رأسها يفقدها توازنها وتسترخي على سريرها. تحاول فريدة أن تنام علها توقف هذا السيل الجارف من الأفكار، تغمض عينيها وتدفن رأسها أسفل الوسادة، تتقلب يمنة ويساراً ولكن لا سبيل إلي النوم.

تنهض من سريرها وتتجه نحو الصالة حيث تستند الكتب علي الرف المجاور لباب الشقة وتمر بعينها علي الكتب المرصوصة بعناية فائقة. حيث يسهل اجتذابها وقراءة عناوينها. إن القراءة هي القرص المنوم الفعال الذي يقطع حبل التفكير ويجعلها تركز في اللحظة الحالية- لحظة القراءة- رواية "جين إير" كم من مرة قرأتها إنها الآن أصبحت تمل حياتها الروتينية المكرورة وديوان " مقتل القمر" لأمل دنقل، تقف صامتة أمام هذا العنوان وتشعر بوخزة في صدرها وطعنة حادة تنفذ إلي القلب فتقطع شريان الحياة بلا هوادة ولكنها تنهض من جديد فهى لا تزال في بداية عقدها الرابع، وتدب في أوصالها حياة ملؤها التحدي عندما تمر عينيها وتستقر علي رواية" الباقي من الزمن لحظة" فهى تنمحها القوة في محاولة لانقاذ حياتها ورواية المرأة الضائعة توقظ عقلها وتصرخ من أعماقها بأعلي صوت " لن أضيع بعد اليوم". حتى العلاج الوحيد الذي يخرجها من وحدتها ويجفف دموع سكبتها بكاءاً علي حالها وما آلت إليه حياتها لم يعد يجدي نفعاً وانتهت صلاحيته وتحول إلي داء يدب في أوصالها ويصيبها بالشلل حيث كل عنوان يذكرها بمشهد من مشاهد حياتها الماضية التى أهدرتها خوفاً من كسر الحواجز التقليدية التى قيدت حريتها وحبستها في سجن لم يعد لها قدرة علي تحمله. فهى الآن تقرر بلا رجعة أن تهدم الأوهام التي تمسكت بفرضياتها الحتمية وتشعر برغبة جامحة لتكسر كل الحواجز وتخرج من سجنها لتشتم عبير الحرية الذي ملأ أنفها. وبعد لحظات تهرول فريدة إلي حجرة نومها وتجمع أشلاء الورقة – التي سجلت فيها موعد المقابلة- التى تناثرت هنا وهناك لتعيد نظمها من جديد.


 

مرضي زنباع


 

2014-07-29 - عدد القراءات #13192 - تعليق #0 - القصة القصيرة

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي