القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

نبيل الجبوري
نبيل الجبوري

من نحن

about us

قضايا وآراء/وثبة كانون الثاني 1948

الدكتور كاظم الموسوي
الدكتور كاظم الموسوي
  الدكتور كاظم الموسوي  

 

وثبة كانون الثاني 1948*

  مع اشتداد سياسة الارهاب والقمع، كانت السنة الزراعية 1946- 1947 اسوأ سنة عرفها تاريخ العراق الزراعي، حيث قل المطر وكثر الجراد ونهب التجار ما توفر من المحاصيل للتصدير، فاشتدت «أزمة الخبز» وتضاعفت الاسعار وتأزم الوضع الاقتصادي والمعاشي. «وكان الرجال والنساء والاطفال يتجمهرون على المخابز والافران، ويتدافعون بالمناكب والسكاكين ليحصلوا على القليل من الخبز» (1). وكان الوصي على العرش ورئيس الوزراء صالح جبر يجريان مفاوضات تمهيدية من 8 -17 ايار/ مايو 1947 لعقد معاهدة جديدة تكرس الهيمنة الامبريالية على العراق. استمرت من 22 تشرين الثاني/ نوفمبر الى 4 كانون الاول/ ديسمبر 1947 في لندن، واتفق الطرفان على ان تكون سرية، وقدم الطرف البريطاني مسودات متعددة للمعاهدة الجديدة على ضوء ملاحظات الطرف العراقي ومقترحاته الى ان تم الاتفاق على كثير من المباديء والنصوص (2).

  ادرك الوطنيون خطر المؤامرة المحبكة ضد استقلال البلاد وسيادتها الوطنية، بعد ان تسربت الى الجماهير والقوى الوطنية نصوص من المعاهدة الجديدة، التي كشفت بانها اشد وطأة من معاهدة 1930 واكثر امتهاناً، وخاصة ملحقها. فجرى العمل والتحضير للتحشيد الجماهيري وتعبئة الرأي العام لرفض جميع المشاريع والمعاهدات المخلة بالسيادة والاستقلال الوطني.

تشكلت بمبادرة الشيوعيين لجنة طلاب الكليات والمعاهد لتنسيق نشاط الطلبة. وكانت اللجنة ممثلة للاحزاب العلنية والسرية، كما تشكلت لجنة التعاون الوطني من الحزب الشيوعي وحزب الشعب والجناح اليساري للحزب الوطني الديمقراطي والحزب الوطني الكردستاني، والتي قادت الجماهير الواسعة لاسقاط المعاهدة. واصدرت الاحزاب العلنية بيانا عبر عن عدم «جدارة الحكومة القائمة بالاضطلاع بمثل هذه المهمة لانها لا تتمتع بثقة الشعب ولاتستطيع تحقيق اماني الامة في انجاز مثل هذه المهمة الخطيرة التي يتوقف عليها استقلال العراق وسيادته ومصيره».

  وعلى اثر اعلان فاضل الجمالي، وزير الخارجية، بدء المفاوضات قررت لجنة طلاب الكليات والمعاهد التظاهر احتجاجاً. فتظاهر الطلبة من صباح الخامس من كانون الثاني/ يناير خارجين في مسيرة الى مجلس الوزراء والسفارتين البريطانية والامريكية والبلاط للاحتجاج على تقسيم فلسطين وضد المعاهدة التي نويَّ عقدها. قابلت الحكومة المظاهرة بالعنف وقررت تعطيل الدراسة في كلية الحقوق التي انطلقت منها التظاهرة واعتقلت عشرات الطلاب.

  اثارت الاجراءات ضد الطلبة وكلية الحقوق الرأي العام الوطني، فاستنكرت الاحزاب السياسية هذه الاجراءات واحتجت عليها، بينما هبت اضرابات جديدة من طلبة كلية الصيدلة ودار المعلمين والهندسة والطب تضامنا مع المعتقلين ومطالبهم، اجبرت السلطات على فتح الكلية واطلاق سراح المعتقلين.

  في 15 كانون الثاني/ يناير تم التوقيع على المعاهدة في ميناء بورتسموث البريطاني، وسميت المعاهدة باسمه، وفي اليوم الثاني نشرت الصحافة اخبار التوقيع والكلمات المتبادلة حوله. فهاجمت الاحزاب السياسية المعاهدة ودعت الى رفضها، في الصحافة العلنية والبيانات السياسية والمنشورات السرية. دعا الحزب الشيوعي الى عقد اجتماعات عامة لشرح بنود المعاهدة ومخاطرها وتحديد اساليب الكفاح ضدها، محددا اهداف العمل السياسي والجماهيري في :

 ـ رفض المعاهدة الجديدة والغاء القديمة .

 ـ اسقاط حكومة صالح جبر وحل مجلس النواب.

 ـ جلاء القوات البريطانية من العراق فورا.

 ـ توفير الخبز والكساء باسعار معتدلة.

 ـ تحقيق الحريات السياسية واجازة الاحزاب والنقابات (3).

  فتم فعلا عقد اجتماعات عمالية وشعبية. وقررت لجنة طلاب المعاهد والكليات اعلان الاضراب عن الدراسة اعتبارا من يوم 19 كانون الثاني. وفي اليوم التالي 20/1 اطلقت الشرطة الرصاص على المتظاهرين فاستشهد اربعة متظاهرين. وفي اليوم الثالث تجددت التظاهرات مشيعة شهداء الامس وتصدت الشرطة لهم ايضا بالرصاص، استشهد طالب وجرح آخر. فاستقالت الهيئة التدريسية لكلية الطب واعضاء الجمعية الطبية احتجاجا على اطلاق النار على المتظاهرين داخل المستشفى.

  امتدت التظاهرات من مستشفى كلية الطب الى جانبي الكرخ والرصافة، وساهمت النساء في تظاهرة الكرخ، وفي مناطق اخرى من العراق، حيث اشتعل فتيل الغضب الشعبي، وهربت الشرطة من الشوارع، وخافت الحكومة من انزال الجيش، فلجأت الى اساليب المراوغة والخداع وتفريق وحدة الصف الوطني.

  مظاهرة 22/1  خرجت سلمية، رافعة جنازة رمزية للشهداء، وفي ساحة باب المعظم تناوب الخطباء ممثلوا الاحزاب السياسية والشخصيات الوطنية في رفض المعاهدة واساليب القمع، وطالب ممثل لجنة التعاون الوطني كامل قزانجي التجمع لاستمرار التظاهر في الايام القادمة. لبى طلبه جمهور غفير، اغلبه من العمال والطلبة صباح اليوم التالي في ساحة باب المعظم، منطلقاً بتظاهرة في شارع الرشيد بقيادة قزانجي، حملت لافتات كتب عليها: «يسقط الاستعمار وعميلته الصهيونية» «المعاهدة كبتت مصالح البلاد» «يعيش نضال العرب والاكراد» وكان الهتاف «نريد اسقاط الوزارة. نريد حكومة جمهورية، نريد فهد ليكون لينين العراق»! (4). وانضم الى المظاهرة عدد كبير من العمال والنساء ايضاً. القيت فيها القصائد الثورية والخطب السياسية، كما تصاعدت الهتافات بحياة حزب التحرر الوطني والحزب الشيوعي، والمطالبة باطلاق سراح الزعيم فهد وأسود الكوت من رفاقه الذين اودعوا سجن الكوت و«فلتسقط الرجعية، فلتحيا الجمهورية».

  تواصلت التظاهرات حتى مساء 26 كانون الثاني بشكل هاديء مع هدير الهتافات المدوية، وفي ذلك المساء اعلن صالح جبر بيانه عن مراحل المفاوضات ومزايا المعاهدة ودعا الى الهدوء والسكينة، فكان هذا البيان بمثابة الشرارة التي فجرت اوسع انتفاضة شعبية في العراق، كعاصفة ثورية، انطلقت بدايتها بمظاهرات فورية في مناطق بغداد المختلفة حال اذاعة البيان.

  اعلن عمال سكك الحديد في بغداد اضرابا سياسياً، كان الحد الفاصل في سير الوثبة، فقد نزل العمال الى الشارع، وقررت لجنة طلاب الكليات والمعاهد ولجنة التعاون الوطني التظاهر حتى تحقيق الاهداف الشعبية، صباح 27 كانون الثاني، يوم الوثبة الشعبية.

  فلم تهدأ السلطات وحسبت للامر حسابه، وصفه المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني: «بان بغداد تحولت وكأنها ساحة حرب. فقد احتلت الشرطة مداخل الطرق الفرعية وسياراتها المصفحة تجوب الشوارع والميادين ونصبت الرشاشات فوق البنايات الشامخة ومآذن بعض المساجد». ورغم هذه الوضعية انطلقت الجماهير العمالية والطلابية من مختلف مناطق بغداد بهدف التجمع في مركز العاصمة، غير هيابة لاجراءات القمع والارهاب. اطلقت الشرطة النار على المتظاهرين القادمين من جانب الكرخ الى الرصافة، سقط شهداء منهم، من بينهم فتاة، نعتت بفتاة الجسر، اول شهيدة برصاص الحكم الملكي. وقد ردت الجماهير الشعبية بمواصلة التظاهر ومحاصرة مراكز الشرطة وحرق سياراتها ودراجاتها واشعال النار في مكاتب الارشاد والاعلام البريطانية في بغداد وكركوك والسليمانية. تحولت بغداد والمدن الاخرى الى ساحات معارك عنيفة وتحدٍ شعبي أجبر الحكم على إقالة حكومة صالح جبر وتشكيل حكومة جديدة الغت المعاهدة ووعدت وعودا كثيرة لامتصاص هبة الجماهير الشعبية الواسعة.

  لقد استطاعت هذه الجماهير، وفي مقدمتها الحركة العمالية، التي واصلت التظاهر من بداية شهر كانون الثاني اسقاط الحكومة وحل البرلمان والغاء المعاهدة، وهي جزء من شعارات رفعتها في تظاهراتها، لكنها لم تستطع فرض وزارة اجماع وطني تحقق كل الشعارات والهتافات التي سارت تحتها الجموع الشعبية وتصاعدت وتيرتها حد الدعوة الى اسقاط الملكية واعلان الجمهورية. ورغم ذلك فان ماتحقق اعتبر ثمرة للنضال المتواصل واساليب الكفاح التي عمل الحزب الشيوعي على ادارتها.

  هذه الثمرة اغتنمتها الجماهير العمالية، والشعبية، استمرارا للوثبة، في فرض حريات نسبية عامة، معيدة فتح النقابات العمالية التي اغلقت سابقا، ومنظمة لنضالات جديدة خلال اشهر عرس الوثبة التي امتدت من كانون الثاني/ يناير  الى ايار/ مايو من نفس العام.

  قام العمال بسلسلة من الاضرابات الاقتصادية والسياسية والتضامنية، واصبح نضالهم مؤشر النضال الوطني والديمقراطي وصورته المؤثرة، لمّح له نوري السعيد في خطابه في الجلسة المشتركة لمجلس الامة في آخر السنة، إذ اشار الى انه لم يهوله بدايات الانتفاضة بقدر ما حققه العمال خلال اشهر ما بعدها. حيث اشتد نضال العمال واساليب كفاحهم. فكانوا ينطلقون في مواكب موحدة الى وزارة الشؤون الاجتماعية ومجلس الوزراء ولا يعودون إلا ومطاليبهم مستجابة أو يحصلون على اعتراف رسمي بها، وكان العمال في السكك الحديدية في بغداد طليعة هذه الموجة من النضال الوطني العمالي «وقلبه الخافق» (5).

   شملت الاضرابات العمالية اغلبية المؤسسات الاستعمارية والحكومية والاهلية. ففي عين زالة التابعة لمدينة الموصل، اضرب عمال النفط لمدة عشرة ايام في اواخر شباط/ فبراير 1948، ونجحوا في تحقيق مطاليبهم ماعدا مطلبهم الرئيس: النقابة. وفي 27 آذار/ مارس اضرب عمال نسيج معمل محمد صالح في منطقة الاعظمية في بغداد وعددهم  150 عاملاً، واتصلوا باشقائهم عمال النسيج في معامل الكاظمية ومعمل فتاح باشا ثم انتظموا بمظاهرة ضمت حوالي 1500 عامل، هتفت بزيادة الاجور والضمان الاجتماعي. وفي 28 آذار اضرب عمال معمل نسيج فتاح باشا وعددهم 200 عامل بضمنهم 50 عاملة. استمرت اضرابات عمال النسيج ومظاهراتهم اليومية حتى 7 نيسان/ ابريل، حيث ساروا في مظاهرة كبيرة عبرت جسر الاحرار واخترقت شارع الرشيد الى وزارة الشؤون الاجتماعية، رافعة شعارات عمالية وسياسية منها: «تعيش الطبقة العاملة، يعيش اتحاد نقابات العمال، يعيش نضال الشعب العراقي»، بالاضافة الى شعارات مطلبية، وقد سوندوا من قبل عمال شركة هولواي للجسور وعمال سكك الحديد في بغداد (6).

  قاد الشيوعيون في 4 نيسان/ ابريل اضراب 2000 عامل من عمال الميناء والبواخر في مدينة الفاو، وفي 6 نيسان اضرب عمال السفن والكهرباء واسالة الماء والارصفة، فشمل الاضراب عمال الميناء كله في مدينة البصرة، ويقدر عددهم بـ 13000 عامل. امتاز الاضراب بالشمول والتنظيم ونجح في تحقيق مطاليبه. وكانت في قيادته نقابة العمال التي اكثر اعضائها من الشيوعيين، وهي التي مثلت العمال في المفاوضات مع مديرية الميناء البريطانية، وكان فهد، قائد الحزب الشيوعي،  يتابع الاضراب ونتائجه من سجنه (7).

  اعطى عمال سكك الحديد نموذجا نضاليا في فرض مطاليبهم على السلطات ودفع وتيرة كفاح الحركة العمالية. ففي 17 نيسان اعلن عمال السكك الحديدية في بغداد اضرابهم الكبير. حيث اعلن عمال الشالجية اولاً الاضراب وخرجوا بتظاهرة الى وزارة الشؤون الاجتماعية مطالبين بتحسين اوضاعهم واجازة نقابتهم واعادة العمال المفصولين. انضم اليهم عمال السكك في غربي بغداد، وشماله، وعمال الهندسة والطباعة والمخازن والفلاحون وعمال التنظيف، وشكلوا لجنة لادارة الاضراب. اصدرت بيانا في 18 نيسان اوضحت فيه مطاليب العمال، وفي مقدمتها:

 ـ  اجازة النقابة.

 ـ  ايقاف الطرد الكيفي.

 ـ  تطبيق قانون العمل.

  كما اصدر الحزب الشيوعي بياناً هاجم فيه موقف ادارة السكك الحديدية والحكومة من مطاليب العمال، ودعا العمال الى مواصلة الكفاح بقوة وصلابة للحصول على حقوقهم المسلوبة. وقد نحج العمال في كسب مطاليبهم (8).

  وكان اضخم اضراب خاضته الطبقة العاملة العراقية في فترة امتداد الوثبة، اضراب عمال النفط في محطة نفط (ك 3) عند مدينة حديثة، غرب العراق. وهذه المحطة واقعة على خط انابيب النفط الممتد من حقول آبار نفط كركوك الى البحر الابيض المتوسط، وعدد عمالها اكثر من الفي عامل. عكس الاضراب بتنظيمه الاستفادة من التجارب السابقة. وكانت اللجنة الحزبية السرية للحزب الشيوعي تقود الاضراب، واعلنت عضوها شنور عودة قائدا له. (وهو شاب من عائلة تنتسب الى الديانة الصابئية، من ناحية الكحلاء - العمارة. كان معلما وفصل لكونه شيوعيا عام 1946 والتحق بالمحطة كعامل بوظيفة براد ميكانيكي)، وشُكلت مختلف اللجان التي انتخبها العمال، ودعموا انتخاب شنور رئيسا للجنة التفاوض. وقد سيطر العمال على المحطة سيطرة تامة، لصيانتها وحماية الاجانب فيها، حتى صار في حينها الحديث عن حكومة شنور عودة، التي تشرف على توزيع الاغذية، وتعقد الاجتماعات العمالية مساء كل يوم لتثقيف العمال وتعريفهم بنتائج المفاوضات. وشكل الحزب الشيوعي لجنة متابعة ودعم للاضراب في بغداد، وحرك منظماته والنقابات لاسناده.

  قدمت لجنة الاضراب 18 مطلباً وتوسع الاضراب حتى شمل جميع عمال النفط في محطات ك 2 وك 1 وأج 1، 2، 3 وتي 1، الذين قدر عددهم بـ سبعة آلاف عامل. واحبط الحس الطبقي وتضامن العمال مناورات الشركة البريطانية لكسر الاضراب. وكانت آخر وسيلة للشركة هي قطع الطعام عن العمال، مما اضطر العمال للقيام بحركة فريدة في تاريخ الحركة العمالية في العراق، ألا وهي تنظيم مسيرة راجلة الى بغداد لاجبار الحكومة على تلبية مطاليبهم.

  شارك اهالي القرى المحيطة بالمحطة بفعاليات الاضراب، وقدم سكان المدن التي مرت بها مسيرة العمال كل المساعدات الضرورية، بما فيها سياراتهم.

  كان هذا الاضراب اطول اضراب عمالي لعمال النفط في العراق استمر من 23 نيسان والى 15 آيار بمشاركة عمال كل محطات الضخ غرب العراق. اضافة الى ان عمال النفط من الفصائل المهمة في الحركة العمالية العاملة في مؤسسة بريطانية استعمارية. وقد تمكنت الشرطة من ايقاف المسيرة عند مدينة الفلوجة واعتقلت لجنة الاضراب و15 عاملا، واحالتهم الى المجلس العرفي العسكري، ناهية بذلك الاضراب التاريخي دون ان يحقق مطاليبه. وقد كلف شركات النفط خسارة 75 ألف يوم عمل، وانقطاع النفط عن الضخ (9).

  وشهد شهر نيسان 1948 اضافة الى الاضرابات العمالية والتظاهرات ميلاد «اتحاد الطلبة العراقي العام» في اول مؤتمر طلابي عقد في 14 نيسان، في ساحة السباع ببغداد. وكانت اللجان الطلابية في كليات الطب والصيدلة والحقوق ودار المعلمين وغيرها من المعاهد قد تشكلت قبل الوثبة ونشطت في تشكيل لجنة طلاب الكليات والمعاهد التي اسهمت مع باقي الطلبة بفعالية ونشاط في يوميات الوثبة  وشكلت لجانا فرعية لها. وقد اقر المؤتمر منهاجا ونظاما داخليا للاتحاد، وفي كلية الطب التي انتقل لها مساءاً انتخب لجنة تنفيذية من 25 عضوا، وانتخب لجنة سكرتارية سباعية ممثلة للاحزاب السياسية اليسارية. وقد قاطع حزب الاستقلال المؤتمر لانه لم يحصل على اي صوت. وتبنى الاتحاد مطاليب وطنية عامة، ومهنية، وكان للطلبة الشيوعيين الدور البارز في عقده وتأسيس الاتحاد ولجانه وفي صياغة مطاليبه ومهماته. كما اسهمت مجموعات من العمال بحراسة موقع المؤتمر والمؤتمرين في ساحة السباع ومداخلها (10).

  في الاول من آيار 1948 عقد العمال اجتماعا علنيا، في سينما دار السلام الصيفي، في شارع الكفاح ببغداد، احتفالا بعيد العمال العالمي. حضره الوف من العمال والجماهير الشعبية، وقد تجمعوا في الشوارع والازقة المحيطة بدار السينما بعد ان ضاق المكان، ونصبت في الشوارع المحيطة المكروفونات لاسماع الحاضرين الخطب والقصائد والاهازيج. كما تصدر المهرجان شعار «الطبقة العاملة العراقية تحتفل بذكرى اول آيار عيد العمال العالمي» وشعارات سياسية وعمالية اخرى.

  توالى الخطباء من ممثلي العمال من مختلف المدن، واتخذ الاجتماع قرارات هامة صودق عليها بالتصفيق العاصف والهتافات المدوية، ومن بين القرارات قرار حول دعم الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الاستعمار والصهيونية (11).

  احتفل عمال البصرة ايضا بعيد العمال العالمي في دار سينما هوليود، بحضور اعضاء وقادة نقابات الميناء والميكانيك والنجارة في البصرة. وقام العمال وعوائلهم بمظاهرة كبيرة في الشوارع ابتهاجا بالعيد.

  ويبدو أن الاحتفال بهذا اليوم انتشر بين العمال والمؤازرين لهم في التجمعات العمالية، مع اختلاف ظروفه.

  لقد كانت الاشهر الخمسة، من كانون الثاني الى آيار، اشهر كفاح وطني، اطلق عليها اسم وثبة كانون في تاريخ العراق السياسي. استطاعت الحركة العمالية والوطنية فرض النقابات واتحاد الطلبة فيها. وتمكن العمال من انتزاع بعض المكاسب الاقتصادية اضافة الى التمرين النضالي. واجيزت صحيفة «الاساس» الشيوعية التي كانت لسان حال الوثبة. وكانت الشوارع قد انتقلت في تلك الايام الى ايدي العمال وجماهير الشعب الكادحة، بفعالية واضحة للحزب الشيوعي، خاصة في المدن الكبيرة مثل العاصمة بغداد والبصرة وكركوك. بينما شملت الحركة الاضرابية البلاد، من عين زالة في شمال العراق الى الفاو في جنوبه. كمل شملت قطاعات واسعة جديدة من العمال لم يمتد اليهم النشاط النقابي والحركة الاضرابية من قبل. وامتازت الحركة الاضرابية العمالية بالطابع السياسي وبالمظاهرات السياسية العنفية. وبرزت اضرابات التاييد والتضامن الرمزية للعمال المضربين في المشاريع الاخرى، من بينها اضرابات عمال السكك الحديدة، عاكسة نمو الوعي الطبقي- التضامني وخاصة في المشاريع الكبيرة.

  لقد كانت الحركة العمالية الاضرابية، والمشاركة في الاحداث السياسية في اشهر الوثبة القلب النابض للحركة الوطنية الديمقراطية في العراق، وهي الامتداد الثوري للشرارة التي اندلعت في تظاهرة 28 حزيران 1946. ولذلك ركزت الرجعية الحاكمة والاستعمار هجومهما على الحركة العمالية منذ اعلان الاحكام العرفية في 15 آيار 1948 تمهيدا لشل الحركة الوطنية الديمقراطية وسلب مكاسب الوثبة، وبحجة حماية مؤخرة الجيش العراقي، والضلوع في التآمر على قضية الشعب الفلسطيني.

    قدم الشعب العراقي في اشهر الوثبة مئات الشهداء، فقد قدر شهداء يوم 27 كانون الثاني بـين 300 ـ 400 شهيد (12)، وقد شملت كل قطاعات الشعب، من العمال والطلبة والمثقفين وفئات البرجوازية، وامتدت على مساحة ارض العراق. كتبت صحيفةNews and Views   World اللندنية في عددها الصادر في 28/11/1948 بان «قدرة الشعب العراقي غيّرت الوضع في العالم العربي وتوقفت الدعاية حول الاحلاف العسكرية بين البلدان العربية والكتل الامريكية - البريطانية ضد الاتحاد السوفيتي وحركة التحرر التي كانت تقوم بها حتى احداث كانون الثاني» (13). وكتب خالد بكداش بأن السياسة الامريكية والانجليزية قد باءت بالفشل، وتبينت آثار هذا الفشل في جميع العواصم العربية» (14). وقد قوبلت وثبة الشعب بالتقدير الحار من قبل الشعوب العربية والرأي العام التقدمي، وبالاستنكار من الاستعمار وعملائه في المنطقة (15).

  وصفت صحيفة (تربيون) اللندنية الوضع في العراق في شهري آذار ونيسان بانه: «في حالة شديدة من الثورة، وان هذا الوضع تعبير عن الاستياء العام ضد الحكومة وضد الطبقة الحاكمة وضد الانجليز بالدرجة الرئيسية» (16). لكن هذا الوضع قد تغيّر بعد منتصف آيار على اثر اعلان الاحكام العرفية، بحيث ساد البلاد جو من الارهاب السياسي الرجعي، فانكمشت الحركة العمالية، وزج بقادتها في السجون، واغلقت اهم النقابات واكبرها في العراق، وعادت الرجعية من جديد تسيّر دفة البلاد لخدمة مصالحها والمستعمرين بالضد من مصالح الشعب والوطن.

 

 

موقف الاحزاب السياسية

من الوثبة والحركة العمالية

   كان الغليان الثوري الذي اسقط حكومة صالح جبر والغى معاهدة بورتسموث وحل البرلمان ثمرة للنضال الوطني والطبقي، وعملا جماهيريا كبيراً، ولكنه لم يستثمر بما يجب، ولم يُحدث النقلة النوعية المطلوبة، حيث تمكنت حكومة محمد الصدر من امتصاص هذا الغليان وتهدئة الوضع المتفجر باساليب ماكرة لم تتعظ منها الحركة العمالية، ولا السياسية.

   ولاشك ان ثمة نواقص جدية اعترضت هذه العاصفة الثورية. ومن ابرز هذه النواقص عدم احكام الربط العضوي بين النضالين الاقتصادي والسياسي، وعدم استخدام المطالبات في سبيل الحريات النقابية والديمقراطية لاغراض التعبئة وتنظيم الجماهير وتدريبها واعدادها عبر اقناعها بتجربتها النضالية الخاصة، لا بضرورة توطيد المكاسب التي تحققت فقط بل وبنقلها في النضال الى انجاز مهمات سياسية واقتصادية واجتماعية اكبر واوسع. حيث «كان الارتفاع الباهض في تكاليف الحياة وحده كفيلا باثارة استياء الجماهير، والذي امتزج مع استنكار شعبي ازاء استمرار معاهدة الارتباط مع بريطانيا ومع معارضة حادة ضد الحكومة التي كانت مهيأة لتقبل هذه المعاهدة» (17). وكان من الضروري قطع الطريق امام القوى الرجعية من العودة من الشباك، من خلال اشراك اكبر طبقة اجتماعية في المجتمع العراقي، وهي طبقة الفلاحين، وزعزعة العلاقات والاسس الاقطاعية للسلطة السياسية وتأمين تطوير العملية الثورية، ورفد زخم المدن بطاقات الريف الكامنة والهائلة.

  إن النضالات العمالية نضالات طبقية، كان بالامكان مدّها سياسيا واسنادها جماهيريا بزج فئات وطبقات اجتماعية حليفة للحركة العمالية. وكان من الضروري ان تجعل الطليعة السياسية العمال يشعرون بخبرتهم وممارستهم إن زيادة الاجور وتحسين ظروف العمل، لن تكون مضمونة إلا بانتزاع الديمقراطية السياسية، والا باجراء تغيير ثوري جذري في السلطة السياسية، في طبيعتها وتركيبها (18).

  كما ان تفكك العلاقات بين الاحزاب السياسية وتناقض مواقفها من النواقص التي يسرت للحكومة مهمتها، مثلما كان ضعف العمل بين القوات المسلحة وغيرها اعطى فرصة اكبر للحكم الملكي في الانقضاض على الوثبة ومكاسبها.

  اثناء تصاعد المد الثوري برزت فكرة قيام اتحاد عام للنقابات العمالية، يوحد صفوفها وينظم نشاطاتها. وجرت فعلا اتصالات ولقاءات بين القادة النقابين بهدف توحيد الحركة العمالية وترصين صفوفها في اتحاد عام موحد، إلا انه لم يكتب لهذه اللقاءات والاتصالات النقابية النجاح في حينه (19)، وذلك بسبب مواقف بعض الاحزاب والعناصر الانتهازية التي اعاقت المساعي العمالية في قيام اتحادها، بل سعت الى شل نشاطاتها.

  ولم يرعب هذا الغليان الثوري الحكومة والاستعمار وحسب، بل القوى والاحزاب البرجوازية. ففي 6/3/1948 أصدرت الاحزاب العلنية بيانا موقعا من رئيس حزب الاستقلال وحزب الاحرار والحزب الوطني الديمقراطي، جاء فيه: «... والان وقد مرّت أربعون الشهداء الابرار، نناشد الشعب الكريم كافة، ووفود الالوية الاكارم بعد اتمام واجبهم في تمجيد الشهداء.... ونناشد الطلاب الذين اظهروا صلابتهم الوطنية وقوة ايمانهم، نناشد هؤلاء جميعا الانصراف الى اعمالهم الاعتيادية، والكف عن المواكب والمظاهرات لكيما يتجه العمل الى تحقيق آماني الشعب ومطالبه بجو يسوده الهدوء ....» (20). كما اعتبرت هذه الاحزاب ببيان مشترك لها ايضاً مطالبة الجماهير باطلاق سراح السجناء السياسيين شعارا استفزازياً.

  كانت القوى اليمينية تهاجم المظاهرات والاضرابات التي يقودها الشيوعيون، حتى بالخناجر والسكاكين، مساعدين السلطات القمعية في تفريقها والهجوم عليها. وقد فعل ذلك اكثر من مرة اعضاء حزب الاستقلال، ووقفوا ضد المظاهرة التي قادها المناضل كامل قزانجي بصراخهم : «يا ناس هذوله كلهم شيوعيين، اخرجوا من بينهم ... لا يخدعوكم ... لانهم يريدون بيع المملكة للروس..» (21).

   في نفس الوقت ازدادت شبكات التجسس البريطانية وغيرها وتوسعت نشاطاتها الموجهة اساساً الى تفرقة الشعب وضرب وحدته الوطنية، باثارة النعرات والخلافات الثانوية وتغذية الطائفية والتعصب القومي والعشائري.

  ومنذ ان اعلنت الاحكام العرفية بحجة «حرب فلسطين» التي تظافرت فيها جهود المستعمرين والصهاينة وخونة الحكام العرب ضد الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه العادلة وضد حركة التحرر الوطني العربية، أخذت الادارة العرفية تصدر القرار تلو القرار تمنع فيها الاجتماعات العامة والمظاهرات والاضرابات وتعطل الصحافة وتغلق النقابات. وقد طالت الاجراءات الوف المواطنين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والقومية، إلا ان النصيب الاوفر من الاعتقالات والقمع والفصل كان من حظ الشيوعيين وقادة النقابات العمالية وكوادرها النشيطة.

  رغم هذه الموجة الجديدة من الارهاب والتدهور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، قاد الحزب الشيوعي مظاهرة جماهيرية في مدينة الكاظمية ببغداد في 17 ايلول/ سبتمبر 1948 رافعا شعارات مطالبة بالغاء الاحكام العرفية وبالخبز والضرب على ايدي المحتكرين والمتلاعبين بقوت الشعب... وسعى الحزب في هذا النشاط الشعبي الى رفع الهمم وتعزيز القدرات الجماهيرية امام الهجمة الشرسة.

  وفي اواخر عام 1948 تلقى الحزب الشيوعي والحركة العمالية ضربة موجعة، مزدوجة، اذْ أُعتقل عدد من قادته وكوادره، وانهار بعضه واضّر اهداف الحزب والشعب بتعاونه مع العدو الطبقي بمثل نشاطه السابق في الحزب، كاشفا اسراره وتنظيماته العمالية والجماهيرية للسلطات الرجعية. وفي هذا الوقت العصيب اتخذ حزب الاحرار والحزب الوطني الديمقراطي موقفا متخاذلا بتجميد نشاطهما وفتح المجال للهجوم الرجعي واسعا، وحرمان الشعب من اية وسيلة نضالية علنية.

  كشفت احزاب البرجوازية ضعفها المستمر امام مغريات السلطة والمستعمرين وتقلبها في التحالفات ومناصرة قضايا العمال والحركة الوطنية عامة. وتوضحت مواقفها المتخاذلة اكثر في الهبات الشعبية وتوفر الوضع الثوري الموضوعي والمنعطفات التاريخية. يضاف الى ذلك ان القوى الوطنية الديمقراطية والعمالية لا تخلو من حالات التردد والانتظار والترقب غير المجدي الذي يضيع في كثير من الاحيان الاهداف المطلوبة ولحظات التاريخ التي تعد سنوات في حياة الشعوب

 

الدكتور كاظم الموسوي

 

الهوامش

 1- عبد الرزاق الحسني/ تاريخ الوزارات العراقية / ج 7 ص 203.

 2- للتفاصيل انظر في المصدر السابق ص ص 210- 272، وفيه نص المعاهدة، وكذلك حميدي/ التطورات السياسية في العراق/ ص ص 475- 574.

 3- سعاد خيري/ مصدر سابق/ ص 167.

 4- ملف شرطة  بغداد بعنوان المظاهرات والاضرابات/ نقلا عن حميدي/ مصدر سابق/ ص 532.

 5- مجلة الثقافة الجديدة/ العدد 40 أيلول 1972.

 6- ملفات الشرطة عن الاضرابات. حميدي/ مصدر سابق/ ص ص 559- 560.

 7- لقاء مع ناصر عبود، كادر عمالي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، في 6/3/1986.

      وسعاد خيري/ مصدر سابق/ ص 171.

 8- نص البيانين في ملفات الشرطة، سجل رقم 26. نقلا عن حميدي/ مصدر سابق/ ص ص 560- 561.

 9- الحسني / مصدر سابق/ ج 7/ ص 289.

 10- لقاء مع عمر الشيخ، عضو م س الحزب الشيوعي العراقي والمسؤول الحزبي عن المؤتمر آنذاك، ربيع 1983.

       ـ باقر ابراهيم/ دراسات عن الجبهة الوطنية/ بغداد 1973/ ص ص 25- 26.

 11- مجلة الثقافة الجديدة/ العدد 40/ مصدر سابق. وجريدة الفكر الجديد العدد 45 في 28/4/1973.

 12- , p161986 London Reaction?,  or Revolution Iraq, Saddam's                        

 13- فدجنكو/ مصدر سابق.../ ص 128.

 14- خالد بكداش/ انتفاضة الشعب العراقي لسنة 1948/ بغداد.../ ص 11.

 15- راجع التفاصيل في حميدي/ مصدر سابق/ ص ص 546- 547.

 16- نشرت ترجمته جريدة الشعب العدد 1064 في 27/4/1948.

      ـ حميدي/ مصدر سابق/ ص 573.

 17- ماريون وبيتر سلوجليت/ الطبقة العاملة ومهام التحرر الوطني في العراق/ مجلة الطريق/ بيروت/ العدد 3 و4  آب 1980.

 18- درس الشيوعيون عام 1949 الوثبة ودروسها، ولخص آرا خاجادور في كتابه: من تجارب شخصية في العمل النقابي...  بعض ماتذكره/ ص ص 27-28.

 19- جريدة طريق الشعب/ العدد 831 في 10/6/1976، لقاء مع النقابي كليبان صالح.

 20- الحسني/ مصدر سابق/ ج 7/ ص 315.

21- ملفات الشرطة عن التظاهرات. حميدي/ مصدر سابق/ ص 533.

 

 

* فصل من كتاب للكاتب: الحركة العمالية في العراق 1945- 1958، منشورات مؤسسة الجسر للدراسات والاعلام وطباعة وتوزيع دار الكنوز الادبية، السويد- بيروت 1996.

2014-07-29 - عدد القراءات #13323 - تعليق #0 - قضايا وآراء

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي