القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

حيدر الحيدر
حيدر الحيدر

من نحن

about us

نقد أدبي/مقدّمة: راية بلاد الأحمر والاسود.. الشعر بياضها الوحيد

حسين سرمك حسن
حسين سرمك حسن
  الدكتور حسين سرمك حسن  

 

مقدّمة: راية بلاد الأحمر والاسود.. الشعر بياضها الوحيد

               

(كنت فقط أكتبُ لروحي المتطلبة)

قد تكون جملة قاسم هذه هي الجملة المفتاحية – إبداعا وقراءة – لمن يدركون قيمة وحقيقة وسرّ العملية الشعرية . وكنت عندما أُسأل : لمن تكتب ؟ أقول : لصديق روحي : القاريء المجهول . وذات مرّة ، كانت هناك مباراة بكرة القدم بين المنتخب العراقي وفريق آخر في السعودية ، كانت المدرجات فارغة تماما إلا من مشجع واحد جالس وسط هذا الفراغ الهائل ، وهو يحمل "كرتونة" كتب عليها كلمة تشجيع للمنتخب العراقي . هذا المشجع هو شقيق روح كل لاعب في المنتخب العراقي ، بل هو الشقيق الحقيقي والأصيل والمجهول لكل لاعب كرة قدم  ، بل لكل رياضي في العالم .

وكتابة الشاعر – كما يقول قاسم – لروحه المتطلبة حسب ، هي تعبير رمزي عن الكتابة لشقيق روحه ؛ القاريء المجهول . هذا القاريء الذي يكمن في الفراغ المحزن أو المدوّي لملعب .. أو مدينة .. شارع . مكتبة .. رصيف .. خندق .. خيمة "ما" . ومجهوليته هي التي تلخّص الغاية من الإبداع ، مثلما تلخّص فلسفة شعار الشعراء المكرر "نكتب للتاريخ" ، واقعا ، أو مدارة للخيبة الجارحة . لكن في كل الأحوال ، فقد عُثر على أول ، وأهم ، وأعظم عمل شعري في تاريخ البشرية ، وهو ملحمة جلجامش العراقية ، كألواح طينية في أعماق تربة نينوى المباركة . ومن دون اسم مبدعها!! هذا هو شقيق روحنا الشاعر السومري المجهول الذي كتب الملحمة قريبا من مسكن قاسم والي في السماوة حاضرا . بعد ألف سنة ، وعندما يعثر أحد اشقاء روحنا من القرّاء المجهولين على لوح "إلكتروني" ، ومن دون إسم ، وتحمل صفحته الأولى وصية من الشاعر تقول أنه (كتب – هذا اللوح الشعري – لروحه المتطلبة) ، فإنه سوف يشعر برجفة ، وارتعاشة وقور ، تأخذه من أزمان "الخفّة" الإلكترونية إلى حيث الإحساس بقيمة الكلمة التي تحيي وتميت ، وحيث نوع بشري منقرض ، آنذاك ، كان يسمّي نفسه "الشعراء" - ومنهم قاسم والي - حاولوا مستميتبن - في زمن الموت والدمار والخراب – أن يغنّوا ويرتّلوا آيات من كتاب مقدّس اسمه "الشعر" ، وسيصله تعريف قاسم الصادق والملغز بعد الألف سنة المفترضة ، فتنقبض روحه :

(القليلُ من الحروفِ

الكثيرُ من البهجة

قوسُ المنجل

دائرةُالعجلة

صليبُ المطرقة

التوهجُ للتغلب على الحلكةِ المعقدة بالبساطةِ الأليفة

الكأس الفطرية..

هبةُ الآلهة

صالحةٌ للمأدبة

لمواصلة التراتيل

لتحريكِ ألسنة الرسل

لتدوينِ الاعترافات

لإشهارِ الفضيحةِ المتوارية خلف الصمت

لذلك لا تطلبوا منه أن يرتدي غير قميصهِ المزركش بالعري

الذي لا يجيدُ اللعبة لا يدخلْ إلى فراديس القصيدة

ولا يقتربْ من أسوارِ جحيمها

المتهاونُ بالتناغمِ لصالحِ الضجّةِ وبالمعنى لصالحِ الهُراء

لا يحسدِ الشعراءَ ولينشغلْ بركمِ الهذيان

النصُّ بعدد العاثرين عليهم بين ثناياه

المبالغة بالإيجازِ إطنابُ البلاغة

ليسَ شعراً

انَّهُ تعريفٌ للشعر

اتفقوا أو اختلفوا...لا بأسْ

بلا شتائم رجاءً )

# وقفة :

وفي كلمته التمهيدية هذه ، التي أعلن فيها زهده الشعري بكل شيء ، وأنه كتب نصوصه لروحه المتطلبة حسب ، قال أيضا :

" لم اضع الكثير من الهوامش كما لم اضع أية تواريخ في ذيل تلك القراطيس امعاناً مني في تحرير النصوص وتحرير التلقي" .

وإذا كان في إعلانه الأول ، الذي كتب فيه نصوصه لروحه المتطلبة ، تحريرا للنص من الآنية والموقفية وتحبّبات الآخر متلقيا وناقدا ، فإن الشق الثاني من إعلانه الآخر ، والمتمثل في عدم وضع أي تواريخ لنصوصه ، هو سقطة في أحضان لعبة حداثوية هي أخدوعة لم تصمد أمام اندفاعة النص التاريخية ، ليس بمعاني كتابة النص في أحضان التاريخ ، وله ، ولكن بمعنى الحفاظ على هويته و"إنسانيته". سيقف القاريء المجهول أمام لوح قاسم الإلكتروني متسائلا عن أي زمان يتحدث هذا الشاعر ، وعن أي فاجعة ومحنة . يمكن أن تتلبس هذه المرارات – حاشاها - أردية معاناة صهاينة الأرض المحتلة ببصمات تأويلية مخادعة . 

# عودة :

هذه المقدمة : "الشعر آخر التعاريف" ، التي كتبها قاسم ، نقلتها كاملة ، لأنها ستثير الكثير من الشتائم المحبّبة ، بعد الألف سنة تلك ، التي قد يكون البشر فيها قد نسوا الشعر حين ارتدوا إلى حيوانيتهم الموحشة ، لأن إنسانية الإنسان بدأت مع أول بيت شعر ، ومع التقاط التفاحة المحرّمة ، التي هي أول قصيدة جسور كتبها الإنسان بأنامل غريزته الجنسية الشعرية المرهفة العزوم .

بعض سيل الشتائم المحببة سينصبّ على أصحاب هذه الـ "قراطيس بلون راية" ؛ اصحاب الألوان الأزلية في أرض الرافدين : الأحمر والأخضر والأسود والأبيض برغم أن اللونين المفضلين لهذه الأرض هما : الأحمر والأسود . ولعل أعظم مظاهر عبقريتها هي أن لونيها المفضلين ، لوني الموت ، هما اللذان ينتجان لوني الحياة المزدهيين والمتبجحين فيها : الأخضر والأبيض . لكن الخلطة العجيبة من ألوان الراية / القرطاس هي التي تتفاعل "كيمياويا" في لاشعور التراب لتنتج الشعر الذي قذف جذوةً منه – بعناصرها الأربعة – في روح قاسم ، في لاشعوره الممزق تحديدا ، فأنتج لنا خلطة "قراطيس بلون راية" المدهشة ؛ راية هؤلاء البشر الذين خلقهم الله وهو يبكي .. فهو يعرف – سبحانه - إلى أين سيرمي بهم ؛ سيلقي بهم إلى العراق حيث حياة مادتها الأحمر والأسود .. والرؤوس المقطوعة :

(بعضُ العراقِ

على كلِّ العراقِ أنا

الماءُ والطينُ

روحٌ ترتدي بَدَنا

غزلتُ من وَهَجِ الأزهار

أخيلتي

مؤثثاً بالجمالِ البِكرِ لي

وطنا

(...)

حسبتـُني

حينَ أرجو فيهِ

أمنيةً

يجيئـُني

راكضاً

كلتا يديهِ مُنى

لكنني

كلَّ ما بعثرتُ من زمني

لأجلهِ حالماً

لمْ يجمعِ الزمنا

أعطيتُه

جسدي

المكتظَّ أسلحةً

أعطى لي الألمَ المكتظَّ

والوَهَنا

ألبستُه

بُردةَ الأشعارِ

تنسجُها

روحي

فينسجُ لي من ملحِهِ كَفنا

يُحبُّنا

لا نماري فيهِ

نحنُ لهُ

نُحبُّهُ

منذُ كافِ اللهِ

فهوَ لنا

لكنني الآنَ

ملتاعٌ

يعذبني

أني أراهُ

أضاعَ العينَ

والأذُنا – قصيدة "ما تعسّر من الفرح" )

ومن قصيدة الديوان الأولى التي سيستفز القاريء المجهول فيها تعبير "أضاع العين والاذنا" الفجّة ، لأنه لا يعرف أن من معضلات العمود الشعري هذا القسر الإيقاعي/ اللغوي الذي يختم كل بيت شعر ،  ويسمّونه "حرف الروي" . وسيتكرر هذا الإستفزاز في قصائد قاسم العمودية ، مثل :

# واكتبْ على الوجع المــــمــــتـــدِّ قافية

   واستقبل الفـــرحَ المســفـــوحَ والشُعَرا

# متى سيفهمُ من جـاءوا هنا زمرا

   بأننا زمرٌ قـــــد أنـجبتْ زمـرا!

# وأدركـتُ الجــمالَ ولمْ أصلْهُ      

   فشــــاتمتُ الجمالَ الافتراضي

# يـــا أنـتِ يــا ألــــــقاً حــــارتْ به لغتي

   وصفاً مع القربِ، أرجو منكِ أنْ تصفي

# ومـن مُجــــــوني ومِمّا لا يقـالُ أرى

   أنــــــــي انتهيتُ بجرفٍ غيرِ منجرفِ

# هنا شـــــــعورٌ بأنّي عاشقٌ دَنِـــــفٌ

   يُكــــــــــابدُ الوجدَ في معشوقهِ الدَنِفِ

# ألمٌ ألمَّ بـــــخافقي وبراســـــــــــــــي

   ففقدتُ إدراكـــــــي  بـفـقدِ حواســـي

   وحسوتُ كأسَ مــــــرارتين كأنـــني

   عذبَ الشرابِ حــســـوتُهُ منْ كـــاسي

مثلما سوف تستفزه هذه الروح المتضادة المعذّبة – ambivalent ، حيث تمزقات روح الشاعر في علاقته بوطنه بين اليأس والرجاء ، والإقبال والإدبار ، والولاء والنقمة .. موقف صراعي مهلك ومدوّخ بين الأحمر والأسود :

(  هوَ العراقُ

وبعضٌ من فرادتهِ

بأنَّ أقدسَ مقتولٍ

بهِ دُفِنا

وأنّهُ منذُ فجرِ الموتِ

طيفَ بهِ

رأسٌ

لأشرفِ محمولٍ

برأس قنا

عُدْ نحوكَ الآن

وانظرْ

كي ترى مُدُناً

جدباءَ

موحشةً لا تشبهُ

المُدُنا

وكيْ ترى دميَ المسفوحَ

ضاعَ سُدىً

وما جنيتُ أنا

أو ما سواي

جنى

أباً حسبتكَ

حتى الآن

أنتَ أبي

مهما ابتعدتَ إلى غيري

أقولُ : دَنا ..) (القصيدة السابقة نفسها)

وسيصدم حس القاريء المجهول ، هذا التضاد والتناقض المفزع ، الذي يشوّش صورة "موضوع حب" الشاعر ، وموضوع شعره المركزي في هذه المجموعة ومجموعته السابقة "تراتيل أوروك" .. فالشاعر يبشّر ، وبقوّة ، بتمّوزه الفتيّ العائد مقطّعا منبعثا من ظلمات العالم العلوي لا الأسفل :

(حملَ النهارَ لليلهِ وأنارَ فيهِ الأنجُما

سيُعيدُ للكلماتِ معناها ومن أشلائهِ الفوضى سيصنعُ سُلّما) (قصيدة: عودة تموز من العالم العلوي – وهي القصيدة الثانية )

هذا ما يبشرنا به الشاعر في القصيدة الثانية . لكنّه ، وفورا ، وفي القصيدة الثالثة ، يعلن الحداد عليه حيّاً – نعم ، حيّاً ، وهذا هو لب مصيبة العراقيين الممتحنين بوطنهم لا يموت ولا "يعدل" – ويختنق بعبرات مرثيّته :

(يا كلَّ شعرِ العراقيين

هلْ ألَمٌ

أمَضّ من عَبرةٍ بالصدرِ

تخنُقُهُ

ما عادَ يبتكرُ الأفراحَ

أغنيةً

وسارَ في غيهبِ المجهولِ

زورقُهُ

شراعُهُ مِزَقٌ

والريحُ عاتيةٌ

وموجُ بحرِ المنايا الحُمرِ

يُغرقهُ

كأنّهُ وجعٌ

ينسلُّ من وَجع

سلالةُ الَوَجَعِ الممتدِّ تخلقهُ) (قصيدة : لا باب أفتحه ، لا باب أغلقه ، وهي القصيدة الثالثة).

وبعد هذه الخلطة الفاجعة الرائعة ، أنصح القاريء المجهول ، بأن يقفز القصيدة الرابعة : صوت ، لأنها ليست صوت الشاعر الأصيل .. قد يكون غيره الذي كتب فيها :

(لِمَــــنْ قلقٌ يُعربــــدُ في كــــيــــانـــي

                                                          وصبرٌ ليــــس يكــــــبحُ عنفوانــــــي

               أللعشــقِ القديـــمِ وقد تــــولّــــــــــى

                                                          وهلْ بعدَ المشيبِ هـــــوىً أتانــــــي

               فبِيْ عَقَـدتْ أواصــــرَها الدواهـــــي

                                                          فلستُ أخافُ من أمــــرٍ دَهَــــــانـــي)

وإلى آخره من هذه الأبيات – ومثل ذلك عن "جسدان" ، وغيرها - التي أخشى على القاريء المجهول أن تصيبه بالنعاس فيفوته الرائع والمدهش من النصوص المقبلة . على شقيق روح الشاعر ؛ القاريء المجهول ، أن يجهد نفسه للعثور على لآليء الشعر وسط ترابه .. تراب منظّم وجميل التسلسل مثل : يا عراقاً ، ونهارُ لليل السكوت ، جسدان ، افتراض ، غادرت من جسدي ، وغيرها .

ولآليء مثل : إلى من لا يهمهم الأمر ، هواجس ، فيس بوك ، تواطؤ ، سرير الماضي ، قيامة الحسين ، على شاطئي كفّيك ، تأثيث ، بيان ، اجتياح ، يا صاحبي ، وإليه .. وإن كان لا يسمع .

وإذا كان الشعر إبن الخسارات والحزن والخيبة وأباها ، وإذا كانت واحدة من أهم مسؤوليات الشاعر هو تقطيع القلوب جدّياً في مواجهة المعضلات الوجودية بما يصوّر ، حقيقةً ونوعيّاً ، حجم سطوة المثكل ، كما يصف جدّنا - جلجامش - الموت بحق ، فإن من واجبه أيضاً – والغريب عبر نفس ممر الخسارات والتهديدات الجسيمة – أن يثبت أن الحياة ، بالرغم من كونها عبء ثقيل نشعر أحيانا - في اللحظات السود الخانقة من أعمارنا - بضرورة إزاحته عن أكتافنا ، فهي تستحق أن تُعاش . وهذه هي حدود المسؤولية التي رسمها الشاعر في قراطيسه الخضر ، ومفتاح هذا الإستحقاق – ومنذ فجر الشعر والتاريخ – هي الأنثى العظيمة :

(متشبثةً بالوردِ

تسقطينَ على قلبي

متشبثةً بقلبي

تصعدينَ إلى الوردِ

لا جدالَ بكِ

لا جدالَ فيكِ) (مقطوعة : لها )

والأنوثة في قراطيس قاسم الخضر ، أنوثة "عمليّة" ، حسّية ، يومية ، واقعية ، بلا استطالات أسطورية ، وصفات خرافية .

ولكن سرعان ما يحصر الشاعر – وكما هو حال الواقع والتاريخ – القرطاس الأخضر بين الأحمر والأسود ، فيجهضه ، ويزيده ألقا وتلهّفا في الوقت نفسه ، فكل شيء يتألق بين يدي المثكل ، كل شيء يرتعش بهيّاً على حافة الضياع الوشيك . وكالعادة ، يخز ضمير الشاعر ذاك الجرح الرهيب الغائر في روحه : جرح الحسين الذي ألمح إليه في القراطيس الحمر :

(هوَ العراقُ

وبعضٌ من فرادتهِ

بأنَّ أقدسَ مقتولٍ

بهِ دُفِنا

وأنّهُ منذُ فجرِ الموتِ

طيفَ بهِ

رأسٌ

لأشرفِ محمولٍ

برأس قنا) (قصيدة : ما تعسّر من الفرح)

ليعود إلى نكئه في قصيدة كاملة يعلن فيها "قيامة الحسين" :

(أنا جئتُ أطوي ألفَ موتٍ طويــــتُــهُ        

على جانبي قلبي فموتيَ خــــــــــائفُ

أرى ما أرى لـلآن تنســــابُ من يدي            

أصابعُها ورداً فَهُنَّ قطـــــائــــــــــفُ

ومن كتفي ينســــــــابُ رأسي مهيـمناً    

على ألف رأسٍ فـوقَ ألفٍ تراصفــوا

ومن مَرْجِ أضلاعـي اشرأبت حدائقٌ   

بها الأحمرُ القاني عـليهنَّ راعـــــفُ

لعلّـــــــــــــي إلى يـوم القيامةِ واقفٌ                   

وسهمٌ بلا قلــــــــــــــبٍ بقلبيَ واقفُ)

ومع ذكرى الحسين ، حيّة ، مشخصّة ، في جسد العراق المقطّع ، ورأسه المرفوع على رمح التاريخ منذ فجر الخليقة ، تأتي ، بارتباط شرطي مفزع ، ذكرى الأخ الشهيد الوفي الأسطورة :

(هنـا جودُكَ المثقوبُ جــــــفَّ جفافُهُ

هنـا مـاؤكَ المسكوبُ فاضتْ ضفافُهُ

هنـا عينُكَ اليُمنى وسهمٌ ونـــظـــرةٌ

إلـى كوكبٍ ينأى ويدنوانعطــــــافُهُ

فــأيُّ أَخٍ إلاكَ كـــــــــــــانَ لهُ أخاً

كمـا كُنـتَ والآلافُ كانتْ تـــــعافُهُ

وقدْ كانَ جفنُ الموتِ يحويكما معاً

ولكـــــــنَّ قلـبَ الـموتِ كانَ يخافُهُ

هنا نبعُ كفّــــــيكَ القطيعينِ مغدقٌ

على الماءِ، ماءُ الكونِ منه اغترافُهُ

لأنكَ لا صوتٌ سـواكَ ولا صدى

فأنتَ اختلافٌ حــارَ فيـه اختلافـهُ) (قصيدة : على شاطئي كفّيك)

ثلاثة عشر بيتا مرصوصة مسبوكة هي من عيون الشعر . هذا رأيي ، ويحيلني النص ، عبر ارتباطاته بافكاري السابقة ، إلى موضوعتين مهمتين : الأولى هي موضوعة الهامش التي ستفك حيرة شقيق روحنا القاريء المجهول ، وهو يتساءل عن هذا الأخ قطيع الكفّين . والثانية : بكم ابتسامة لا مبالية سيقابل بها القاريء الغربي صورة هذا الوفاء الخرافي التي ، بادت ، وماتت ، في ظل الفلسفة المادية الغربية التي بدأت بموت الله ، وانتهت بموت الإنسان . ثلاثة عشر بيتا هي خلاصة محنة العراق من خلال محنة الحسين وأخيه قطيع الكفين . فن الشعر هو فن الحذف كما يقول محمود درويش . وقارن قصيدة الثلاثة عشر بيتا هذه ، بقصيدة الأربعة وعشرين بيتا التي قبلها ، "سماوات قانية" التي لن تعلق بذاكرة روحك الموجوعة ! قصيدة يجهض فعلها مجيئها بروي وبحر استهلك في مسامعنا ويذكّرك بقصيدة مشهورة أمللنا منها التكرير . ومثل هذه الإحالة تبزع في ذهن القاريء عموما ، وفي ذهني خصوصا ، وفوراً ، في قصيدة "يا سيّد الفقراء" :

(إذْ كنتَ محضَ قداسةٍ مازلتَ حتى الآن محـــضَكْ

أسديتَ للفقراءِ قرضَك منْ يعيدُ الآن قـــــــرضَكْ؟

أعطيتَ بعضَك،ثم بعضَك؛ ثم بعضَك، ثم بعضكْ

باهلتَ بالرأسِ الخضيبِ سيوفَـَهم وشهرتَ رفضكْ

للآن يسمعهُ العراقُ مُدوّياً.. أخَــــــــرَقْتَ أرضكْ؟

وإذ ارتفعتَ إلى علاكَ فَمَــــنْ يُجيزُ الآن خفضكْ؟)

وأشدّد على "في ذهني خصوصا" ، فقد لحنتُ وغنّيتُ قصيدة الشاعر "حسين القاصد" "سادن الماء" في رثاء الإمام العبّاس :

(بدأتْ وكان الموتُ إلفك

 ومضتْ وظلّ الموت خلفك

ونزفت ..

ثم نزفت

ثم نزفت

ثم

... فكنت نزفك)

لكن شبه "الإعتراض" هذا لا يقلّل من تقييمنا لقصيدة قاسم الرائعة هذه ، التي ألحقها بقصيدة معارضة رائعة أخرى ، لقصيدة القاصد الحارقة في رثاء أخيه الشهيد "حسن" الذي قتله الأمريكان الخنازير الغزاة ، ولتكشف جانبا من خسارات قاسم نفسه الفاجعات ممثلة بخسارة أخيه الحبيب :

(وأعودُ للمرآةِ ..

مازالتْ على المرآة بعضُ معانِ

مازالَ في وادي السلام مدىً يكفي ليضطجعَ العراقُ..

ليموتَ في الذكرى صدى النسيانِ

وأخي أخوكَ كلاهما غابا وقد حضرا بلا استئذانِ) (قصيدة : عيناي) .

ولأن تاريخ العراق ، مجسّدا في شعر شعرائه ، هو عبارة عن قصيدة رثاء بطول آلاف السنين والضحايا ، فقد استدعت ذكرى الشهيد ذكريات الراحلين الأحبة الذين رثاهم الشاعر في قصائد : "انسكاب" و "الذات البيضاء" و"على قلق تسير" .

ولأن دوي امتزاج الأحمر والأسود على أرض الرافدين ، قادرٌ على إرباك انتباهة أي شاعر ، ولأن الخراب هو حاصل جمع جميع الألوان ، فالأبيض في قراطيس راية العراق أسود .. أو أحمر .. لا فرق . في القراطيس البيض ، لا تغيّر تفاؤلية اللون شيئا من الواقع الدموي الماحق .. بل تُهزم وتندحر بتشفٍّ ، فلا يجد الشاعر ما يسطّره على حقل بياض الشعر سوى الرثاء ، مبتدئا بالمتنبي ، الذي لا يُرثى إلا برهبة التحيّة :

(هنا لهيبتكَ الكبرى علـــــى قلمي

يكادُ فوقَ البياضِ الهشِّ ينقـصفُ

أبا مُحسَّدَ هبني أيما لــــــــــــــغةٍ

أخرى بما ليسَ بالمحكيِّ تتصـفُ

فليسَ بعدكَ من فاضت نبوتــــــهُ

على المعاني معيناً منهُ تغـــترفُ

وليسَ بعدكَ إلاّنا وأسئــــــــــــلةٌ

حيرى وأجوبةٌ تنأى وتنــــحرفُ) (قصيدة : رهبة دير العاقول)

وقد اختلطت أوراق القراطيس على قاسم ، فجاء قرطاسه الأبيض فائضا مثل اللون الأبيض في راية العراق التي لا يُعبّر تاريخها ، أدنى تعبير ، وبإطلاق ، عن أيّ شيء "أبيض" في تاريخه .

ولأن "أبيضَ" شيءٍ في تاريخ العراق ، التاريخ العصيّ على التوصيف والضبط والتحديد ، بل الشيء الأكثر بياضاً ونصاعة ساحقة ، هو إبداعه الشعري ، فلا بدّ أن يتوقّف ناقد وقاريء مجموعة قاسم والي هذه ، أمام قصيدة "سرير الماضي" برهبة وردّ فعل ألق خاص ، لأنها تثبت بياض الحقيقة المغشي الذي لا يضارعه شيء ، لأنه بياض أعظم لونين في الكون : الأحمر والأسود (أين أصبح الأخضر ؟) ، بياض حقيقة تؤكد أن هذا العراق يمكن أن يتحطم .. لكنه – وهذا ما يثبته إبداع شعرائه - لا يُهزم :

(لمغادرة الموضوع ، موضوعَ النومِ في سريرِ الماضي

سأضعُ ما يلي من الهوامش :

المتنُ ليس مقدساً تماماً

كذلك هوامشي على الحاشية ليستْ مقدسةً أيضاَ

سوفَ أتغافلُ عن الماضي البعيدِ رغم الأهمية!

لأعبرَ مباشرةً نحو آخرِ مواضينا

المستعمِرونَ بكسر الميم أدّوا واجبَهم واستثمروا فائضَ القوة

المستعمَرونَ بفتح الميم أي نحنُ

أدينا واجبنا

قاتلناهم وقاتلنا معهم واستقبلناهم وودعناهم

الجلّادونَ أَدّوا واجبَهم

كانوا حرفيينَ ومتفانينَ ومنطقيينَ كأرسطو

المجلودون أَيْ نحنُ أدينا واجبنا

كما يجبْ وكما ينبغي!!

استقبلتْ ظهورُنا سياطَهم وأرواحُنا عزرائيلاتِهم

ولأنَّ( قيمةَ المرءِ ما يحسنُه)

ولأنَّ الأمرَ نسبيٌ حسبَ أنشتاين

فقيمةُ الجلّادِ عاليةٌ عند مستخدميه

وعند من يجلدُهم

المثاليونَ وحدهم يعتبرونَه ُبلا قيمة

المقاتلونَ من أجلِ الحرية والشعراءُ والفنانون...

هؤلاءِأكثرُ الخليط البشري غرابةً

عصيونَ على التفكيك

كقصيدة ملفقة من عِدَّة دواوين أو من عِدَّة ترجمات!!)

تحية لقاسم والي ..    

 

الدكتور حسين سرمك حسن

                  بغداد المحروسة

 

                       2013

2014-07-28 - عدد القراءات #6800 - تعليق #0 - النقد الأدبي

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي