القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

حسين رشيد
حسين رشيد

من نحن

about us

مقالات/المبدع في حضوره وغيابه

د. عبدالحسين شعبان
د. عبدالحسين شعبان
  الدكتور عبدالحسين شعبان  

 

المبدع في حضوره وغيابه


استحضرت بيروت الشاعر الكبير الجواهري في استذكارية بمناسبة مرور 16 عاماً على وفاته . وكان الجمهور العربي واللبناني والعراقي الذي شارك في الأمسية الرمضانية، يشعر بالفجيعة أيضاً، فقد حملت الأخبار نبأ وفاة ثلاثة مبدعين عراقيين هم الروائي والكاتب عبد الستار ناصر والشاعر الكردي العراقي شيركو بيكه سه والكاتب والإعلامي فلك الدين كاكائي، والثلاثة هم وكل في مجال اختصاصه مبدعٌ ومجدّدٌ وله صوته ولونه الخاص .

كما أن الثلاثة جميعهم ينتمون إلى جيل الستينات الإبداعي، الذي ترك بصماته على الحياة الثقافية العراقية، كمحطة متميزة، ارتبطت على نحو كبير بارتفاع رصيد فكرة الحداثة، ليس كتقليد لمدارس أوروبية، وإنما انطلاقاً من حاجة صميمية للتغيير مع خصوصية عربية وعراقية، ولكن بأبعاد إنسانية للتواصل الثقافي الحضاري، ولعلّ هذا ما ميّز المبدعين الثلاثة في توجههم الإبداعي بغض النظر عن القومية واللغة والمواصفات الأخرى، السياسية والاجتماعية والاقتصادية .

 وعلى نحو من الترابط الوثيق بين المنجز الثقافي والفني وبين التجديد في المضامين والأساليب، كان الطريق سالكاً بين مدرسة الروّاد الأربعينية - الخمسينية وبين جيل الستينات، ولا سيّما في مجالات الفن التشكيلي والنحت والمسرح والسينما والشعر الحديث والرواية والموسيقى، التي حملت أسماء كبيرة مثل: جواد سليم وفايق حسن ويوسف العاني وغايب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي وبدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي امتداداً لمنير بشير ولسعدي يوسف ومظفر النواب .

 

لا أدري كيف استذكرت قصة “موت بعد الظهر” التي كتبها أرنست همنغواي وهي حصيلة مشاركته في الحرب الإسبانية لصالح الجمهوريين العام ،1936 وكان همّه الأساسي هو القضاء على الفاشية، وكيف سخّر جميع امكاناته المعنوية والمادية لذلك، ربما هو الموت “العراقي” الذي خيّم على الشهر الفضيل، ومعه حمل نبأ وفاة ثلاثة مبدعين . وإذا كان وراء كل مسألة ثقافية قضية سياسية،فإن ليس كل ما هو سياسة ثقافة، وإنْ كان كل ما هو ثقافة يتفاعل مع السياسة .

 

كان همنغواي قد وصف الموت قبل ذلك خلال مشاركته في الحرب العالمية الأولى مراسلاً حربياً وأحسّ أن روحه تخرج من جسده لأكثر من مرّة وهو إحساس غريب لا يمكن فهمه، ولا يمكن حتى تصوّره من دون المرور به لكنه يقول: إفهموه كما تريدون!!

 

الموت الذي نعرفه يومياً، لا نعرف ما هو، لكن همنغواي حاول وصفه بقوله: “شعرت بأن روحي تنسّل من جسدي كما ينتزع منديل حريري من جيب سترة، لكن هذا الشعور تبدّد فجأة وعاد إلى شيء أنعش جسدي من جديد، وعرفت أنني لم أمت”، وقد استوحى همنغواي من هذه الحادثة فيما بعد قصته الشهيرة “وداعاً للسلاح” .

 

أما الجواهري فقد وصف الموت بالذئب، المراوغ، الماكر، مصّاص الدماء:

 

ذئب ترصّدني وفوق نيوبه

 

دم أخوتي وأحبتي وصحابي

 

لكن الجواهري ظلّ طيلة قرن من الزمان تقريباً في نزال مع الموت، يتحدّاه تارة ويزوغ منه أخرى ويتصارع معه ثالثة، وفي قصيدته عن المتنبي (1977) التي تحدّث فيها عن شموخه وكأنه يتحدث عن نفسه:

 

تحدّى الموت واختزل الزمانا

 

فتىً لوّى من الزمن العنانا  

 

فتىً خبط الدنا والناس طُرا

 

وآلى أن يكونهما فكانا

 

وقبل ذلك كان قد قال تأكيداً على أن كل نفس ذائقة الموت وهو حق لكل إنسان، مهما كان:

 

يظلّ المرءُ مهما أخطأته

يدُ الأيام طوع يد المصيبُ

 

أما الشريف الرضي فقد عبّر عن فداحة الفقدان ليس لمن يموت فحسب، بل لمن يبقى على قيد الحياة إذا كان الموت قد داهم من يحب .

ما أخطأتك النائباتُ

إذا أصابت من تحب

 

ويقول سعد صالح وهو وزير سابق ونائب وشاعر متحدّياً الموت بالكرّ والفرّ وكأنه سباق بين فريقين متكافئين يتحليان بالشجاعة:

وأنا وأنت مهاجمٌ ومدافعُ

أنا ما اندحرتُ ولا فررتَ أمامي

أتخافُ من طعم الردى فتعافه

لا تخشَ فهو ألذّ كل طعام

هو الموت إذاً الذي يلاحق العراق والعراقيين جماعياً، موجات وعواصف، حروب وحصار، منافي واحتلال، طائفية وارهاب، وهكذا هو القدر الغاشم الذي لا فكاك، حين تحصد أرواح العراقيين، ففي شهر تموز (يوليو) الماضي 2013 وحده سقط أكثر من ألف شهيد، هي النسبة الأكبر للارهاب والعنف خلال شهر واحد، منذ السنوات ال 6 الماضية .

لم يكن الموت بعيداً عن الاحتفالية البيروتية الاستذكارية للجواهري، خصوصاً، وكان العراق يودّع ثلاثة مبدعين، فقد توفي الشاعر الكردي شيركو بيكه سه في أحد مستشفيات استوكهولم بعيداً عن مدينته السليمانية، وعن جبالها التي كانت أفقاً فضياً لقصائده، وغيمة شفيفة لشعره، وهو الذي اضطر للعيش في المنفى حفاظاً على “سموّ القصيدة” وهي في عليائها، وكانت إحدى قصائده الأخيرة بعنوان: “استعجل ها قد وصل الموت”  .

وكنت قد حاورته عندما كان أول وزير للثقافة في إقليم كردستان، فسألته ماذا تفعل في اجتماعات مجلس الوزراء؟ قال عندما يجتمعون، أبدأ بكتابة خربشات على الورق أو أرسم وأصدقك القول إنني أحياناً لا أسمع ما يجري من نقاشات، لكنني لا أظن أنني سأستمر مع هذه “الشغلة” كما قال، ثم استقال بعدها، ويعتبر بيكه سه أحد دعاة الحداثة الشعرية الكردية وهو بشعره أقرب إلى محمود درويش الكرد، وقد ترجم العديد من دواوينه إلى العربية ولغات أخرى، ومن أهمها “مضيق الفراشات” .

بعد هذا الخبر بيوم واحد وما كادت جراحاتنا تبرد، حتى جاءنا خبر رحيل الروائي العراقي عبد الستار ناصر في منفاه الكندي في تورنتو، وهو الذي اعتبره غسان كنفاني واحداً من أحسن كتاب القصة القصيرة، ويقول عن تجربته أنه اكتشف نفسه عبر روايات أرسين لوبين في حي بغدادي يدعى الطارطران في جانب الرصافة، وقد قادته فوضاه وحياته الصاخبة وشجاعته إلى السجن بعد قصته “سيدنا الخليفة” في السبعينات، وغادر إلى عمان في أواخر التسعينات في ظروف الحصار البائسة، وعندما داهمه المرض اضطرّ لاختيار الغربة، وأصدر سيرته الأدبية “الهجرة إلى الأمس” في ثلاثة أجزاء، بعد نحو 50 رواية ومجموعة قصصية، وكان آخر مرّة اتفقنا على لقاء في عمان، وقبل الموعد بخمس دقائق اتصل يعتذر، فقد كان وضعه الصحي لا يحتمل التنقل، ولم أكن أعلم بأن تلك المهاتفة ستكون الأخيرة .

وحتى قبل أن نشفى من خبر عبد الستار ناصر وصلنا خبر موت حلاّج كردستان فلك الدين كاكائي، وزير الثقافة والمناضل القديم والإعلامي (رئيس تحرير صحيفة خابات لسنوات) والكاتب الذي ظلّ أميناً لكتاباته، ومن أهم كتبه “العلويون” و”موطن النور” و”حلاجيات” و”انقلاب روحي” و”البيت الزجاجي للشرق الأوسط” وغيرها .

وقد سنحت الظروف لحديث متواصل مع كاكائي في العراق، لا سيّما في كردستان وفي الشام وفي برلين، وأتذكّر أنه رافقني خلال زيارة قمت بها لكردستان (إربيل) في العام 2000 لإلقاء محاضرات على طلبة الدراسات العليا لجامعة صلاح الدين في إربيل وبقينا لنحو اسبوعين نلتقي يومياً، وشعرت بانتمائه العراقي الصميمي وبصدق التزامه بقضية شعبه الكردي، لا سيّما بمبدأ حق تقرير المصير، وإيمانه بالعلاقة المتينة مع عرب العراق والعرب بشكل عام، وكان دائماً يردّد أنه على الرغم من اتقانه الفارسية والتركية، يشعر أن ميله للثقافة العربية .

ظل كلكامش يبحث عن عشبة الخلود في ملحمته الشهيرة رمز حضارة بابل ليبقى أنكيدو حاضراً مثلما يحضر المبدعون العراقيون رغم رحيلهم، وها نحن نستذكر الجواهري كل عام لأن الإبداع يبقى خالداً على مرّ العصور .

 

الدكتور عبدالحسين شعبان

 

 

2014-07-19 - عدد القراءات #6830 - تعليق #0 - مقالات ثقافية

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي