القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

د. ناهدة التميمي
د. ناهدة التميمي

من نحن

about us

مقالات/الجواهري ذاكرة وطن ... ورمز الاجماع في زمن التشظي

فوزي الاتروشي
فوزي الاتروشي
  فوزي الاتروشي  

 

الجواهري ذاكرة وطن ... ورمز الاجماع في زمن التشظي

                                                                    

   في تلك الايام الصعبة من عام (2000) حين اجتمعنا في اربيل في المنطقة الآمنة الكوردية كلجنة تحضيرية للإحتفاء بالشاعر الكبير (محمد مهدي الجواهري) وكان المرحوم المناضل والكاتب الكبير (فلك الدين كاكائى) رئيسا ً للجنة , فاننا اسسنا في حينه لدبلوماسية التواصل مع المثقفين العرب داخل وخارج العراق , ردا ً على الحصار الظالم الذي كان النظام الدكتاتوري يفرضه على اقليم كوردستان ولاثبات ان شعب كوردستان منفصل عن الاجهزة القمعية للنظام السابق وليس منسلخا ً عن الوطن العراقي . وابعد من ذلك فالهدف كان بناء جسر متين للتواصل الثقافي (العربي – الكوردي) وكان وما زال (الجواهري) هو احد الاوتاد الاساسية والراسخة لهذا التواصل منذ بدايات تأسيس الدولة العراقية .

ومازال تمثال هذا الشاعر الشامخ في اربيل يعانق الجميع بألفة ومحبة قائلا لهم :               قلبي لكوردستان يُهدى والفم ولقد يجود بأصغريه المعدم

وهي القصيدة التي غنتها مؤخرا ً الفنانة القديرة (ميادة الحناوي) لتبقى في ذاكرة الجيل الجديد ولتظل كما طاقية الرأس الكوردية التي ظلت على رأسه لا تفارقه طوال العمر لتحفر في الوجدان إرادة شاعر عبر كل الاخاديد الضيقة الى فضاء الانسانية الرحب .

كل عام حين نحتفل بالجواهري الشاعر والانسان والمناضل ونستلهم منه معاني الوحدة والتالف والتعايش والتآخي في زمن أصبح فيه كل شئ قابلا ً للتشظي والتمزق , فهو كما الرافدين دجلة والفرات ضمن ثوابتنا العراقية , لذلك يتحول الاحتفاء به الى استحضار تاريخ طويل بقدر تاريخ الدولة العراقية الحديثة مفعم بالنضال والعطاء والتمرد على الظلم والجنوح للحرية ولثورة الفكر التي لا يمكن ان تتوقف , فهو القائل :

               لثورة الفكر تاريخ يحدِّثنا                              بأن َّ الف مسيح دونه صلبا

وكان ذلك عام (1994) في مهرجان (ابي العلاء المعري) ذلك الشاعر الذي فقد البصر ليكتسب بصيرة حكيم ومفكر وناقد متمرد زاهد في الحياة المادية حافل بقيم حب الانسان والحق والحقيقة والعدالة . لقد عرف (الجواهري) ان (المعري) علامة فارقة وبؤرة ضوء انعطافية في الشعر والفكر العربي , وانه الاكثر قربا ً اليه في كفاحه من اجل الانسان . وكما كان عميد الادب العربي (طه حسين) مستشرقا ً للمستقبل حين منحه منذ ذلك الحين لقب شاعر العرب الاكبر .

لم يهنأ (الجواهري) بحياة مستقرة وهذا امر طبيعي لشاعر طموحه بناء وطن وسعادة شعب وبلوغ ضفاف الحرية والسلام , لكن جزاء رحلته الطويلة في الابداع كان تجريده من الجنسية العراقية من قبل النظام الدكتاتوري الذي وجد في قصائده ومواقفه وتطلعاته تهديدا ً لوجوده القائم على الجهل والتخلف وقمع حرية الفكر والتعبير .

وحين خرج (الجواهري) تحول وجوده بيننا في سنوات النضال ضمن المعارضة العراقية حافزا ً قويا ً ومبعث فخر لكونه ذاكرة وطن ورمز اجماع وسفرا ً نضاليا ً يمنحنا بحضوره الاخضر شمعة الامل في نهاية النفق .

وليست بغداد وحدها ودجلة الخير التي حياها ذات يوم قائلا ً :

               حييت ُ سفحك ِ عن بعد فحيِّيني         يا دجلة الخير يا ام البساتين

هي التي تتذكر (الجواهري) , وانما ايضاً مدينة (براغ) التي قضى فيها ردحا ً طويلا ً من الزمن يكتب قصائد بريد الغربة , ودمشق التي عاش فيها حتى رحيله ليدفن هناك بعيدا ً عن جغرافيـــا الوطن وقريبــــا ً جدا ً من ذاكرة العراقيــين جميعا ً , وحين نقول جميعا ً فنحن نعني ما نقول لان (الجواهري) جمع القلوب كلها على حبه , وكل شعب في العالم يزدهر فرحا ً وفخرا ً بمبدعين يتحولون الى جزء من الهوية والذاكرة الجمعية .

وحسنا ً فعلت اللجنة النيابية للثقافة والإعلام حين اختارت إحدى قصائد (الجواهري) للنشيد الوطني المزمع اقراره ’ وسيشكل تضمين القصيدة بأبيات كوردية , وبعبارة "عاش العراق" بكل اللغات العراقية تحقيقا ً للامل الذي احترقت كل شموع عمر هذا الشاعر الكبير من اجل اضاءته وانجازه .

فكم جميل هذا العراق بشاعر نلتقي على بستانه الشعري حين تتفرق بنا الدروب والمسالك .

 


فوزي الاتروشي



 

2014-07-19 - عدد القراءات #6791 - تعليق #0 - مقالات ثقافية

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي