القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

توفيق الشيخ حسين
توفيق الشيخ حسين

من نحن

about us

شخصيات في البال/عبد الحميد العلوجي .. مسيرة عطاء وشهادات بعطر الذاكرة (ج1)

أسماء محمد مصطفى
أسماء محمد مصطفى
  أسماء محمد مصطفى  

 

عبد الحميد العلوجي .. مسيرة عطاء وشهادات بعطر الذاكرة

(الجزء الاول)

 

 

بين رحلته القرائية منذ طفولته ، وبتشجيع من والده ، الى عوالم الإعراب في "الاجرومية" للشيخ خالد الأزهري وكتب طه حسين ، وإطلاعه على القاموس المنجد وإعجابه بكتابات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي ، ووفاته تاركا حلمه باستكمال مشروع كتاب ضخم يحمل عنوان الخزانة القرآنية او موسوعة الدراسات القرآنية ، ثمة محطات كثيرة في حياته ترك عبرها آثارا أدبية تعتز بها المكتبة العربية .

هو العلوجي عبد الحميد .. الباحث الموسوعي ، المولود في كرخ بغداد ـ منطقة الجعيفر سنة 1924 . تخرج في كلية الحقوق ، ولم يعمل في حقل اختصاصه الأكاديمي . من مؤسسي مجلتي المورد والتراث الشعبي . بلغت مؤلفاته 41 كتاباً ، وشغل مناصب عدة كان آخرها مديرا عاما للمكتبة الوطنية في ثمانينيات القرن الفائت ومن ثم مديرا عاما لدار الكتب والوثائق بعد دمج المكتبة الوطنية والمركز الوطني للوثائق معا ، حتى تقاعده في سنة 1993 .
أثرّ عليه الحصار الاقتصادي في التسعينيات سلبا كما أثر على سواه من العراقيين ، فاضطر الى بيع مكتبته الشخصية التي احتوت على أكثر من 17 ألف كتاب ومجلد من خيرة المراجع ، ليسد بثمنها قوته وقوت عائلته . مكتبته تلك احتوت كتبا نفيسة كما أكد في حوار له ـ سنعرضه لاحقاً في هذا الموضوع ـ ، ومنها : كتاب الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق الذي طبع في منتصف القرن التاسع عشر - طبعة باريس - ، والكتاب عبارة عن رحلة قام بها المؤلف وزوجته الى أوربا ، والملاحظات التي تراها زوجته يعقب هو عليها وقد عاش الشدياق في زمن السلطان عبد الحميد الثاني .

مكتبته العامرة .. كُتِب عنها :

" أنت لم تشاهد مكتبة العلوجي .. أنت لا تعرف نصف الدنيا " ـ لنا وقفة لاحقة معها في هذا الموضوع .
لقبه العلوجي جاء من عمله في علوة والده عشر سنوات ، فقلبها الى مكتبة ، إذ كان يتسوق الكتب بدلاً عن الحنطة والشعير والدهن ، وأدى ذلك الى خسارة والده رأس المال .

وذات مرة حين كان العامل يزن الحنطة في العلوة ، انشغل العلوجي بقضية إعرابية .
قال إنه من دعاة إلغاء الإعراب مفضلا الاستغناء عنه ببعض القواعد الأساسية .

من آرائه : إنّ العلاقة بين التأريخ والاسطورة مثل علاقة التوابل بالأطعمة ، التأريخ اسطورة كبيرة لكنها تدعو الى الثقة والإيمان .

ومن آرائه أيضا : إنّ الحكايات الشعبية انعكاس لطقوس وخوف من الغيبيات والماورائيات ، وإن الحكايات الشعبية ظلمت المرأة .

امتلك روح النكتة ، وهوى الزراعة وصيد السمك ، وربى القطط ، وصادق عنكبوتا وكان يطعمه ذبابا يصطاده له . 

رحل عن عالمنا سنة 1995، لكنه ترك في ذمة الذاكرة الثقافية سيرته ومؤلفاته التي نعرضها هنا من خلال ماأطلعنا عليه وماقاله وكتبه الآخرون بحقه .

 

العلوجي في موسوعة أعلام العراق

 

( باحث موسوعي بغدادي ، مارس التعليم مدة ، وبلغت مؤلفاته 41 كتابا ، خاض معارك جدلية مع الدكتور محسن جمال الدين حول الاستشراق الروسي ، ومعركة مع فؤاد جميل حول كتاب (في بلاد الرافدين) ومعركة مع المجمع العلمي العراقي حول الطب العراقي ، كتب عنه حسين نصار والمستشرق البريطاني بيرسون ، حصل على وسام المؤرخ العربي وشارة جمال الدين الأفغاني وشارة الفارابي وشارة بغداد والكندي ). (1) 

 

مؤلفات العلوجي 

 

وقبل أن نعرض ماكتبه وقاله الآخرون ، نشير الى عدد من مؤلفات العلوجي التي وجدناها في فهارس دار الكتب والوثائق الوطنية * في بغداد ومصادر أخرى :

حكومات بغداد منذ تأسيسها حتى عصرها الجمهوري ، 1962

الزوج المربوط ، 1964

المواسم الادبية عند العرب ، 1965

مؤلفات ابن الجوزي ، 1965

من تراثنا الشعبي ، 1966

عطر وحبر ، 1967

تأريخ الطب العراقي ، 1967

الشيخ ضاري قاتل الكولونيل لجمن في خان النقطة ، بالاشتراك مع عزيز جاسم الحجية ، 1968

رائد الموسيقى العربية ، 1969

الهجرة الصهيونية الى فلسطين ، 1969

كتاب الوزارات مخطوط جليل يحسن دراسته ، 1970

أيام في المربد ، 1971

الأصول التأريخية للنفط العراقي ، بالاشتراك مع خضير عباس اللامي ، 1973

النتاج النسوي في العراق ، 1974 ـ 1975

المرشد الى النتاج الموسيقي ، 1975

الفارابي في العراق ، 1975

المتحف البغدادي ، 1975

عقبة بن نافع رجل البيت والقومية ، 1975

المثنى بن حارثة الشيباني ، 1980

القعقاع بن عمرو التميمي ، 1980

المربد مواسم ومعطيات ، 1986

آثار حنين بن إسحاق ، بالاشتراك مع عامر رشيد السامرائي

جمهرة المراجع البغدادية ، فهرست شامل بما كتب عن بغداد منذ تأسيسها حتى الآن ، بالاشتراك مع كوركيس عواد .

 

شهادات بحق العلوجي

 

شهادة خصنا بها المؤرخ إبراهيم العلاف في لقاء لنا معه

 

المؤرخ الدكتور إبراهيم العلاف ، الأستاذ المتمرس في جامعة الموصل ، عمل مع العلوجي ضمن مشاريع متخصصة في التأريخ والحضارة ، وقد حدثنا في لقاء لنا معه عن العلوجي إذ كتب شهادته على أوراقنا :

ـ الأستاذ عبد الحميد العلوجي باحث متميز وإداري ناجح وإنسان متواضع . لم أعرف باحثا دؤوبا مدققا محققا مثله .. ولم أرَ كاتبا متنوع الاهتمامات مثله ولم أر إنسانا متواضعا بسيطا مثله .. أنا شخصيا كنت استغرب منه وهو المدير العام للمكتبة الوطنية ودار الكتب أن يكون بهذه البساطة وهذا الاسترسال مع الناس ومع طلبة الدراسات العليا ...شكا لي مرة بأن ورثة الأستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي تبرعوا بمكتبته الغنية الى ديوان الرئاسة التي أمرت بإيداعها المكتبة الوطنية فقال إنها من حق الموصل ومن حق مكتباتها ولكن ما العمل ؟
عملت معه ومع عدد من الأساتذة ضمن مشاريع وزارة الثقافة والإعلام في مشاريعها " العراق في التأريخ " وموسوعة "حضارة العراق " 13 مجلدا و" العراق في مواجهة التحديات " ثلاثة مجلدات وكان هو منسق كل هذه الكتب ومحررها . كنا نكتب الفصول ونعطيها للأستاذ العلوجي لنراها تظهر وكأنها بقلم مؤلف واحد . كان يعمل بلا كلل ولا ملل . كان وطنيا عراقيا أصيلا ، والوطنية عنده هو العمل الجاد الدؤوب المخلص الذي يمكث في الأرض .

أمر واحد كنت استغربه فيه هو كثرة التدخين ، ومرة قلت له أن يخفف التدخين فقال "بعد ما يفيد " ..

ومرة قال : إنني علوجي وأنت علاف والعلوجي والعلاف كلاهما يطلقان على من يبيع الحنطة والشعير ....لكن في بغداد يُعرف بالعلوجي أي صاحب العلوة وفي الموصل علاف . رحمك الله صديقي الغالي الأستاذ العلوجي .

 

العلاف في شهادة سابقة :

 

العلوجي عالم جليل وباحث متميز وإنسان فاضل يعترف بجهود الآخرين

 

وسبق للعلاف أن كتب عن العلوجي شهادة ساردا فيها حدثاً قصد من وراء ذكره التوقف عند أخلاق العلماء والمبدعين ، وقد أرسلها لكاتبة هذا الموضوع قائلا : " لاحظي طريقة رده واعتذاره وأسفه ولومه لنفسه " .

كتب العلاف :

" ارتبطت مع الباحث التراثي الموسوعي الأستاذ عبد الحميد العلوجي ( 1924ـ 1995) بعلاقة صداقة إمتدت الى أكثر من ربع قرن .. وكان رحمه الله يعبر باستمرار عن إعجابه بكتابتي وقد أعرب مرة عن أسفه لانتقال مكتبة الأستاذ الدكتور محمد صديق الجليلي رحمه الله إلى بغداد بعد تبرع ابنه بها وقال لي بالحرف الواحد (إن الموصل هي المكان الطبيعي لهذه المكتبة).
وعبد الحميد العلوجي ، ولد في بغداد سنة 1924، وعمل في التعليم وتخرج في كلية الحقوق ، ولكنه انصرف إلى الصحافة والكتابة ، وكان له دور فاعل في إصدار (مجلة المورد) وفي كل الموسوعات التي أصدرتها وزارة الثقافة والإعلام في الثمانينيات من القرن الفائت ومنها حضارة العراق (13) مجلدا ، والعراق في مواجهة التحديات (3) مجلدات ، والجيش والسلاح في العراق (4) مجلدات ، وألفّ كتبا عديدة لعل من أبرزها كتابه (تأريخ الطب العراقي) وقد إهتم بالتراث الشعبي العراقي وكتب عنه وحرر الكثير من المقالات في هذا الميدان ..

كتب عنه الأستاذ حميد المطبعي في "موسوعة أعلام وعلماء العراق " ، فقال : إنه باحث موسوعي وإن مؤلفاته بلغت 41 كتابا منها :"مؤتمر الموسيقى العربية 1964 " والمد الصهيوني والهجرة المضادة " 1970 و "الأصول التأريخية للنفط العراقي " 1973 ألفه بالاشتراك وهو كتاب وثائقي كتب عنه المستشرق البريطاني بيرسون وقد حصل على وسام المؤرخ العربي من إتحاد المؤرخين العرب . في 28 آب 1991 أجرت معه الصحافية هدى جاسم حواراً حول (الحكايات الشعبية العراقية) نشر في جريدة الجمهورية . وقد ذكر في الحوار أن الأب انستاس الكرملي أول من جمع الحكايات الشعبية من أفواه النساء في بغداد سنة 1911، وأن الليدي دراور ليست أول من قام بجمع هذه الحكايات ، واستطرد العلوجي للحديث عن مجهودات من قام بتوثيق هذا اللون من الأدب العراقي ، وللأسف ، فإنه لم يتطرق إلى جهود أستاذنا المؤرخ والكاتب الموصلي المرحوم أحمد علي الصوفي (1897 ـ 1982) م في مجال توثيق عدد كبير من حكايات الموصل الشعبية في كتابه الذي ألفه سنة 1953 حينما كان يعمل مدرسا للتأريخ في متوسطة المثنى في الموصل ، ولم يتح لهذا الكتاب الظهور إلا في سنة 1962 وقد صدر بعنوان : (حكايات الموصل الشعبية) ، وفي هذا الكتاب جمع الصوفي (22) حكاية من الحكايات المتداولة وهي حكايات ذات بعد أخلاقي وتربوي بالدرجة الأولى ، كما إنها تتناول شتى مناحي الحياة ، ومن أبرز هذه الحكايات : حكاية المطلقات السبع ، وحكاية ابن الملك والبنات الثلاث ، وحكاية الخنفساء ، حكاية حديدان مع الدامية ، حكاية السعلوة وابنها مع النساجين ، وتعالج بعض هذه الحكايات مواضيع فساد نظام الحكم ، وسيادة الرشوة ، وعاقبة الظلم والجور ، وخيانة العهد ، ونبذ الكسل ، والدعوة الى العمل ، والتأكيد على الإخلاص والشجاعة.

كتبت مقالة في جريدة الجمهورية في عددها الصادر يوم 14 من أيلول 1991 وقلت إن أستاذنا العلوجي أغفل ، كمعظم من أرخ للحكايات الشعبية ، جهود الأستاذ أحمد الصوفي ، وفي عدد الجمهورية الصادر يوم 24 من أيلول 1991 نشر الأستاذ عبد الحميد العلوجي رسالة بعثها الى محرر جريدة الجمهورية قال فيها بالحرف " قرأ ت صباح يوم 14 أيلول بين " شؤون الناس" في جريدتنا "الجمهورية" ، ما يستقيم عقوقا جارحا في رسالة الصديق المؤرخ الدكتور إبراهيم خليل أحمد من جامعة الموصل .. وقد أسعدني أن أجد رسالته تضج بالعتاب على أمثالي ممن أساغوا لأنفسهم العقوق وحجب الريادة في مواجهة الجهد اللامع الذي غرسه المرحوم أحمد علي الصوفي في مضمار الحكايات الشعبية " . وأضاف العلوجي الى كلامه يقول : ( والدكتور إبراهيم في هذا العتاب معه الحق ، ولايزعجني الاعتراف بجدارة المرحوم الصوفي على ذلكم الصعيد ، وأنا أعجب لقلمي يجتاز الصوفي بصمت على الرغم من الروابط التي كانت تشدني به يوم غادر الموصل الى بغداد ليبثني همومه التراثية ) .

وختم العلوجي رسالته وهو يردد " دفعا لعقوقي غير المقصود سأقدم لمؤرخي الحكاية الشعبية ماأحسبه كفارة قادرة على تشريد الغبن وعقيدتي أن هذه الكفارة تستحق أن تكون المعلومة كما للباحثين في الموروث الشعبي " . وكانت المعلومة كما ألخصها الآن تتضمن خبرا عن كتاب صدر في السويد سنة 1965 ألفته امرأة مستشرقة دانماركية دخلت الإسلام وأطلقت على نفسها (سامية الأزهرية) بعنوان Arab Rakonti وفي هذا الكتاب حللت بعض الحكايات التي ذكرها الصوفي في كتابه وهي حكاية حديدان وهذا يدل على أن المرحوم الصوفي اقتحم العالم الأرحب ، وقال العلوجي (( إنني بعد ذلك أجدني في غاية القناعة بأنني عاقبت ضميري بما يدين الغفلة التي صرفته عن التغني بريادة أحمد علي الصوفي أسوة بالأب انستاس الكرملي )) .

سردت هذه الواقعة لأذكر بأن أخلاق العلماء والمبدعين ينبغي لها أن تكون هكذا .. فالعلوجي كان بحق عالما جليلاً ، وباحثا متميزا ، وإنسانا فاضلاً يعترف بجهود الآخرين ويعتذر عندما يغفل عن ذكر ذوي الفضل ، وخاصة أولئك الذين خدموا التراث الشعبي العراقي من أجل إحيائه وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد علي الصوفي ." (2)

 

الحكاية الشعبية كما رآها العلوجي 

 

وبشأن الحوار الصحافي الذي ذكره الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف في شهادته وأرسل على اثره رسالة الى العلوجي مشيرا الى إغفال الأخير ذكر جهود المؤرخ أحمد الصوفي في توثيق الحكايات الشعبية الموصلية والى الرد الراقي للعلوجي عليه والذي أشاد به العلاف.

نقول ، بشأن ذلك الحوار الصحافي ، نضع أمام القارئ بعضا مما ورد فيه ، وقد نشر في الصفحة قبل الأخيرة من جريدة الجمهورية ، في عددها 7969 ، الصادر في 28 من آب 1991 ، وهو بعنوان : عبد الحميد العلوجي يتحدث عن الحكاية الشعبية ، مَن هو اول من نقل وجمع الحكاية الشعبية العراقية ، وأجرته معه الصحافية هدى جاسم .

وفي مايأتي اقتباسات لبعض مماورد في أجابات عبد الحميد العلوجي على أسئلة الصحافية هدى جاسم ، وبتصرف بسيط منا في الصياغات لغرض الاختصار ، لا أكثر :

الحكاية الشعبية هي انعكاس لطقوس وخوف من الغيبيات الماورائيات او الميتافزيقيا ، وضعها أجدادنا المجهولون وعن طريقهم انتقلت من جيل الى آخر وبصورة شفاهية ، وكانت تهدف الى سلوك ونهج أخلاقي الغاية منه إبراز أخلاقيات تجنبنا خيانة الصديق او النفاق وأعمال المؤامرات ضد أخواننا ، أو أن مغزاها أخلاقي صادق ... وليس للحكاية الشعبية مؤلفون معروفون وتظهر قيمتها الفلكلورية في مجهولية واصفها وإلا خرجت عن مضمار القلوب . وقصاصو هذا النوع من الحكايات ، وهم ماكانوا يعرفون بـ "القصخون " ، انقرضوا من المقاهي ، أما الآن فنجد الحكاية عند العجائز من الجيل الماضي وهذه مع الزمن سوف تنطفئ إذا لم نفعل فعل الأخوين كرم فقد جمعا كل الحكايات الشعبية في ألمانيا .. وعزا العلوجي إهمال الكبار سرد الحكاية الى تعقيدات الحياة والمتطلبات الاقتصادية والتطور التكنولوجي والسينما والتلفاز ، مشيرا الى أن الأفلام المتحركة خدمت الحكاية الشعبية الى حد ما مثل حكاية " علي بابا " .

وعن سؤال هدى جاسم عن سبب رفض الحكاية الشعبية الهزائم وعدم اعترافها بها ضمن سردها  حوادث التأريخ ، أجاب العلوجي أن واضعي تلك الحكايات يفعلون ذلك لكي لاتثبط همم الجماهير ولبث روح الإقدام والانتخاء فيهم وبالإتجاه الحياتي الصحيح ، والمعروف حينها وحتى الآن أن الهزيمة تجعل الإنسان يعيش على الإتكالية ولاينتظر سوى الموت وكان يسمى ( التمبل خانة ) .
وأشار العلوجي الى أن العلاقة بين التأريخ والاسطورة مثل علاقة التوابل بالأطعمة ، التأريخ اسطورة كبيرة لكنها تدعو الى الثقة والإيمان .

وتضمن الحوار إشارة العلوجي الى أن أول من إهتم بالحكاية الشعبية العراقية هو الأب انستاس ماري الكرملي والليدي دروار التي جاءت في فترة الإحتلال الإنكليزي وكتبت عن السعلوة وموضوعات شعبية كثيرة وتقاليد الصابئة في العراق ، ولكن الأب انستاس هو اول من جمع الحكايا الشعبية وكان ذلك سنة 1911 من أفواه النساء المسيحيات في جانب الرصافة . وهناك سيل كبير ممن نقلوا بعض هذه الحكايات من العراقيين ومنهم عزيز الحجية .

وذكر العلوجي أيضا أنه كان يعرف امرأة في الكرخ اسمها رديفة بنت خضير سجل لها طبيب   قلب ( الدملوجي ) الكثير من حكاياها على شريط ( كاسيت ) ليكون مادة أساسية تفيده في البحث عن الحكاية الشعبية .

وختم العلوجي حديثه بالقول إن أكثر من ظُلِم في الحكايات الشعبية هي المرأة فقد كانت العجوز منها خصوصا تأخذ دور الكيد والسحر ، أما العلاقات الغرامية فنرى فيها التضحية والصبر على المكارة وتبرز بطولتها في هذا الجانب فقط . **

 

شهادة :

عبد الحميد العلوجي .. كاتباً وباحثاً ومحققاً

 

كانت لنا وقفة عند السيد جمال عبد المجيد العلوجي الذي يشغل الآن منصب معاون المدير العام لدار الكتب والوثائق الوطنية ، ليحدثنا عن محطات في حياة خاله عبد الحميد العلوجي . وقد عمل العلوجي جمال مديرا للعلاقات حين كان العلوجي عبد الحميد المدير العام لدار الكتب والوثائق .
قال العلوجي جمال عن خاله إنه :

كاتب وباحث موسوعي .. ولد في بغداد في الأول من كانون الثاني سنة 1924 .

انضم الى صفوف الحزب الشيوعي أواخر سنة 1950 حينما كان معلما في إحدى مدارس بغداد . دخل السجن لاشتراكه بنقاشات حادة ومشاجرات مع آخرين لدفاعه عن أفكار الحزب ومفاهيمه . وبعد خروجه من السجن واصل دراسته فتخرج في كلية الحقوق سنة 1962 .
بلغت مؤلفاته أكثر من أربعين كتابا كان أبرزها رائد الموسيقى العربية 1964، وتأريخ الطب العراقي1967 ، والمد الصهيوني بين الهجرة والهجرة المضادة1970، والأصول التأريخية للنفط العراقي1973 .

وهو عضو إتحاد المؤرخين العرب وإتحاد الحقوقيين العرب ، حضر مؤتمر الموسيقى العربية 1964 والمؤتمر الانثولوجي 1967 ومهرجان جمال الدين الأفغاني في كابل 1977. 
مؤسس ورئيس تحرير مجلة المورد التراثية . خاض معارك جدلية مع الدكتور محسن جمال الدين حول الاستشراق الروسي ، ومعركة مع فؤاد جميل حول كتاب (في بلاد الرافدين) ، ومعركة مع المجمع العلمي العراقي حول الطب العراقي . كتب عنه الدكتور حسين نصار والمستشرق البريطاني بيرسون ..

حاصل على وسام المؤرخ العربي ، وعلى شارة جمال الدين الأفغاني وشارة الفارابي وشارة بغداد والكندي .

اشترك مع آخرين بتأليف العديد من الكتب والمصادر التراثية ، أبرزها المعجم المساعد للأب انستاس الكرملي ، وجمهرة المراجع البغدادية ، وآثار حنين بن اسحق ، والمدخل الى الفلكلور العراقي ، والشيخ ضاري قاتل الكولونيل لجمن ، وله أكثر من 300 مقالة في الصحافة العراقية والعربية . عين مديرالمتحف الأزياء ثم مدير التأليف والترجمة والنشر في وزارة الإعلام ورئيس قسم الدراسات الشعبية في المركز الفلكلوري ، واخيرا مديرا عاما لدار الكتب والوثائق حتى تقاعده في العام 1993 لبلوغه السن القانونية .

كان أحد الرواد الذي واكبوا الحركة الفكرية منذ الخمسينيات وله من العطاء الكثير بالرغم من المرض ومتاعب السنين التي شغلته ، فقد ترك اثرا كبيرا كان أمله الذي عاش معه مذ كان معلما إلا أن وفاته حالت دون تحقيق ذلك الأمل ، وهو الشروع في نشر سفر عظيم أسماه (الخزانة القرآنية) يتناول فيه تفسيرا معاصرا للآيات القرآنية ، ولا يزال محفوظا على شكل قصاصات ورقية في مسكنه.

وقبل وفاته في 25 من كانون الاول 1995 بدأ ببيع أهم ركن في حياته كان قد أنشأه منذ صباه وهو مكتبته الشخصية ليواجه بثمنها معاناته الاقتصادية والحياتية في ظل الحصار الاقتصادي ..
وهكذا رحل علم من أعلام العراق كان قد أسهم في إغناء المكتبة العربية بمؤلفاته في الادب والتراث والتأريخ ، فكان خير كاتب وخير باحث.

 

روح النكتة

 

في لقائنا معه ، أشار العلوجي جمال عبد المجيد الى أن خاله عبد الحميد العلوجي كان يتمتع بروح النكتة . ومن المواقف الظريفة التي حدثنا عنها ، إن الباحث الراحل عمل وصديقه الباحث سالم الآلوسي مدة في لجنة تقويم ( تقييم ) المطبوعات في دار الكتب والوثائق لغرض شرائها ، وذات مرة أرسل وزير الثقافة والإعلام شخصا من طرفه ، كان قادما توا من أميركا ومعه مجموعة كبيرة من الكتب ، عرضها للبيع بالدولار ، استقبله العلوجي والآلوسي وطلبا منه

إحضار الكتب لتقويمها ماديا ، فجلبها لهما في أكياس جنفاص ، فقاما بتوزيع الكتب بين ثلاث أقيام وعلى وفق حجم الكتاب ، مجموعة بـ 5 دنانير للكتاب الواحد ، ومجموعة بـ 10 دنانير للكتاب ، ومجموعة بـ 15 دينارا للكتاب الواحد ، فكان هذا التوزيع أشبه بالنكتة من قبلهما ، ولأنهما محددان بميزانية مالية معينة ، وحين عاد صاحب الكتب في اليوم التالي صدمته الأسعار ، فقال لهما : (قابل دا ابيع لكم رقي ) !!

وذات مرة جاء الى المكتبة شخص عرض بيع صورة فوتوغرافية نادرة تمثل الملك غازي في مطار بغداد ، وبمبلغ باهظ جدا ، ففوجئ العلوجي بارتفاع السعر الذي يطلبه صاحب الصورة فقال : ( شنو ؟! قابل هي صورة الإمام علي حتى ندفع بيها هيج سعر ) ؟ !!

 

شهادة  :

أيّام وليال في ضيافة العلوجي

 

نعرض أيضا ماكتبه الكاتب الصحافي رباح آل جعفر بحق العلوجي .. مبتدئاً مقاله بـ :
" أنت لم تشاهد مكتبة العلوجي .. أنت لا تعرف نصف الدنيا " .

ليكمل قائلا :

" وأشهد أن المؤرخ والباحث والموسوعي الراحل الأستاذ عبد الحميد العلوجي أعطاني مفاتيح كثيرة للمعرفة في السنوات التي عرفته ، وأن أغلب الذخائر والنفائس والفرائد من الكتب ، التي قرأتها في تلك الفترة استعرتها من عنده ، برغم أن ابن الخشاب البغدادي كان إذا استعار من أحد كتاباً وطالبه به ، قال : دخل بين الكتب فلا أقدر على ردّه !.

وما أسهل عليك أن تستعين بالعلوجي بما تريد أن تستعين من أمور الحواشي والمذيّلات في الكتب المطوية وتصانيف الفقهاء والأدباء ، فهو أشبه الى حدّ ما بأبي عمرو بن العلاء الذي نقل عنه ياقوت الحموي ، أن دفاتره كانت ملء بيته إلى السقف .

وكنت كلّما زرت العلوجي في بيته ، قصدت مدخل المكتبة الشهيرة ، وتطلّعت إلى دائرتها الواسعة ، وأدوارها الشاهقة ، وهي تحمل على رفوفها خمسة عشر ألف مجلد ، وأخذت ورقة وقلماً ومضيت أدوّن عناوين بعض الكتب ، وأنا اتجوّل في ممرات العرض ، واتوقف بين حين وآخر أرى ما حولي من تحف فكرية باهرة ورائعة تكاد تذوب من الرقة والجلال في آنٍ معاً ، ثمّ أبقى ساكناً لعدة دقائق كأنني أقف في محراب للنور !.

صحبت الأستاذ العلوجي أياماً ، فوجدته الرائي الذي رأى كل شيء كما جاء في مقدمة ملحمة كلكامش ، واكتشفت أن أروع جوانب شخصيته وأحلاها ، تلك اللغة الساخرة ، التي كانت تتدفق من لسانه عفو الخاطر بلا رقيب ، ومن دون تحفّظ ، وبلا أي تكلّف . 

والعلوجي يعرف كيف يكون الأديب ساخراً ومحترماً ؟! .. وكان هذا الجدّ العلوجي يثير الأسئلة المشاكسة التي لا طاقة للفتيان بها . أذكر أني سألته مرة عن أعزّ مؤلفاته ؟ فكان جوابه : ( مؤلفات ابن الجوزي ) لأنه سدّد عني دين الحدّاد الذي صنع أربعة شبابيك لإحدى غرف بيتي ، و ( الزوج المربوط ) لأنه أبكاني مع الباكين على رجولتهم ، و ( تأريخ الطب العراقي ) لأن المجمع العلمي العراقي عامل هذا الكتاب كما عومل حذاء أبي القاسم الطنبوري في ليلة من ليالي شهرزاد !.

وعرفت العلوجي مؤمناً بالمثل القائل : ( الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما ) ، لذلك فإنه كان يعمل ليل نهار والى أقصى حدّ يمكن أن تتحمله الطاقة البشرية . 

كان يستيقظ مبكراً في الساعة الخامسة فجراً ليبدأ يومه بالتدخين قبل كلّ شيء ، ثمّ يذهب الى أوراقه ، التي كتبها قبل خلوده إلى النوم ، وكان من عادته إذا كتب فإنه لا يراجع مسوداته ، يخرج بعدها إلى حديقة المنزل ليدخّن مرة أخرى ، وهو يستنشق الأنسام باردة عذبة ـ كان أبو غسان مفرطاً في التدخين ـ ثم يعود فيجلس الى الكتابة بعيداً عن الضوضاء ، وعند الساعة السابعة والنصف صباحاً يتناول فطوره ، ويتجه الى عمله الرسمي ، وكان هذا البرنامج من الحياة اليومية للعلوجي يتكرّر بتفاصيله كلّ يوم .

والعلوجي ليس من الطراز الذي يهرب من ماضيه او حاضره ، فهو متفق مع الفيلسوف اليوناني انكسارغوس بأنه ( لا يوجد شيء من العدم ) ، وكان يقول يقول : إنه من مواليد اليوم الأول من كانون الثاني سنة 1924 في أسرة لم تجتمع على مذهب فقهي واحد ، ونشأ في محلّة ( الجعيفر ) في جانب الكرخ من بغداد ، ولم يعرف منها سوى مسجدها ومقهاها ، وتعلّم في الخامسة من عمره على يد والده ( الملاّ ) عبد الكريم ، الذي كان يتقن التحدث بالتركية والإنكليزية والفرنسية ، وإن ذاكرته لا تستطيع نسيان أفاضل الذين علّموه في مدرسة الكرخ الابتدائية كالأستاذ ميخائيل عواد ، والفنان حافظ الدروبي ، وعندما أصبح طالباً في المرحلة الثانوية شاء والده برغبة قاهرة ، أن يمارس التجارة في ( علوة ) ومن يومها اشتهر عبد الحميد بلقب ( العلوجي ) .

لقد كانت حياة صعبة تلك التي أعدّتها الأقدار للعلوجي ، وكانت أكثر صعوبة من كل رواية حاول هو أن يرويها بنفسه .. ووسط أهوال الحياة ومتاعبها وجد لنفسه مكاناً حطَّ فيه رحله ، وحصّن موقعه ، فأصدر نحو ( 42 ) كتاباً ضمن ( 34 ) عنواناً ، وكانت تجربته في الحياة أطول بكثير من سنوات حياته التي انتهت سنة 1995، وأعرض بكثير من حياة الآخرين .

روى لي : أنه أيام كان ( علوجياً ) أخذ يبدّد رأس مال العلوة وأرباحها في شراء الكتب ، حتى تنامت في العلوة ـ ومع الأيام ـ مكتبة هائلة ، وكان حريصاً أن يكسو من هذا المال عدداّ من الفقراء والمحتاجين ، وفي البدايات كتب الشعر ثمّ هجره ، وامتدح الشيخ جلال الحنفي بقصيدة عصماء لم يشفعها الحنفي بردّ ، وقال لي : إنه انتخب سنة 1984 عضواً في المجمع العلمي الأميركي ، لكنه رفض قبول هذه العضوية احتجاجاً على مواقف الولايات المتحدة من قضايا العرب .
وأسرّني العلوجي يوماً ، وكان الأجل يدنو منه ، أنه ترك بين يدي ولده ( غسان ) مذكراته ( ذكريات ومطارحات ) بـ ( 600 ) صفحة من الحجم المتوسط ، وأوصاه بعدم نشرها نظراً لما تحوي من صراحة متناهية قد تحرج الآخرين ولعلها تجرحهم ، وأنه كان يتمنى لو وجد من يرعى مشروعه الضخم ( الموسوعة القرآنية ) الذي شرع بكتابته منذ سنة 1952، بدلاً من أن يبقى محفوظاً في صناديق مقفلة ، فلكي تستطيع البذرة أن تكون شجرة باسقة وارفة الظلال ، فإنها تحتاج ليس فقط الى شمس وماء ، وإنما تحتاج أيضاً إلى عناية ورعاية ، وتلك على أي حال أمنية للعلوجي لم تتحقق .

كان يومها قد دخل في العقد السابع من عمره ، وقد بدأت الأمراض تنهش من جسده ، وأخذت صحته بالتدهور ، وإن بقيت روحه خصبة متوهجة ، فقد أصيبت عيناه بنوع من التقوّس ، ودمه بالسكر والضغط ، وكذلك أذنه بثقل في السمع ، ودبّت في أطرافه الرعشة ، وفمه بسقوط الأسنان ، وكان العلوجي يقول عن نفسه : إنه صار يماثل خراب البصرة بعد عدوان الزنج ، وإنه ينتظر رحلته الأبدية الى عالم الغيب ، التي كان يعتقد أنها لن تكون مخيفة أو مفزعة ، لأن ما زرعه العلوجي في دنياه سيجني ثمره مثوىً كريماً تحت سدرة المنتهى في أقصى الجنة . (3)

 

شهادة :

العلوجي المثقف الحريص على التجديد والتطور والعصرنة

 

كتب خالد القشطيني عن العلوجي ، وقد ذكره في بعض فقراته بكنية (أبو غسان) ، وغسان هو الابن البكر للعلوجي : 

" طالما قيل إن المصريين يكتبون ، واللبنانيين ينشرون ، والعراقيين يقرأون . ولهذا نجد أن الناشرين ينظرون أولاً هل سيقبل العراقيون على الكتاب قبل نشره . يصدق هذا حتى في الوقت الحاضر حين راح العراقيون يواجهون كل هذه المصاعب الاقتصادية والأمنية. لقد ظل حرصهم على المطالعة والتزود بالثقافة والمعلومات شغلهم الشاغل.

كان سوق السراي ، سوق الكتب في بغداد ، من أكثر أسواقها نشاطا. وبالإضافة اليه انتشرت مكتبات شعبية صغيرة في شتى المحلات. اعتاد من لم تسعفه حاله على شراء الكتب ، استئجارها منها بأربعة فلسات . يأخذ المشترك الكتاب الى البيت فيقرأه هو وأولاده وأصحابه قبل أن يعيده للمكتبة ، وكله بأربعة فلسات .

حرص آخرون من المتمكنين على إقامة مكتباتهم الخاصة في بيوتهم . اشتهر منهم الحاج عبد الحميد العلوجي . اكتسب هذا اللقب لأن والده كان يملك علوة. وفيها قضى عبد الحميد شبابه يتعامل مع الحنطة والشعير والطحين ، ونحو ذلك من بضائع العلوات. ولكنه أظهر إهتماما كبيرا بالأدب ودأب على اقتناء الكتب . وبعد أن توفي والده أخذ يكرس وقته للقراءة ولمكتبته الخاصة ، بما أدى الى إفلاس العلوة التي راحت الكتب تبتلع أرباحها.

كان أبو غسان يمثل الشخصية العراقية في نزوعها الى العصرنة والتطور. فجل ما احتوته مكتبته كان من الكتب المترجمة عن الأدب العالمي . كان يقول إن الروايات العربية لا تثير في نفسه غير القرف. بل كان يمقت حتى قراءة نجيب محفوظ . ولم يحز في نفسه شيء كجهله بمعرفة اللغات الأجنبية ليقرأ هذه الكتب بلسانها الأصلي . أخيرا جمع ما في نفسه من شجاعة فانتمى الى المعهد الفرنسي ، لتعلم لغة فكتور هيغو وبلزاك ، بيد أن المحاولة لم تثمر عن شيء فانقطع عن المعهد والألم يحز في نفسه .

كان مثالا للمثقف الحريص على التجديد . حرص على استيعاب الموسيقى الغربية وحضور حفلاتها. يقتطع من طعامه ليشتري بطاقاتها الغالية . يروي صديقه أنور الناصري أنه عندما قدمت فرقة غربية حفلة في قاعة الشعب ، لم يكن بيده ما يشتري به بطاقة وكان فرات الجواهري قد حصل على بطاقة شرف . فأغراه أبو غسان على لعبة "دومنة" يكون فيها الرهان على تلك البطاقة. وكان بارعا فيها ففاز بها وتوجه الى الحفلة . نظر اليه والى حذائه الممزق مفتش التذاكر، فقال له : " لو اشتريت لك قندرة بثمن البطاقة ، مو أحسن لك؟ " . وفي نهاية الحفلة ، تقدمت فتاة لجمع التبرعات فقدمت له وردة . لم يكن في جيبه غير درهم واحد فاعطاه لها ، ولكنها أدركت أن هذا كان كل ما عنده، فأعادته له وقالت ، لا. أنت تحتاج الدرهم أكثر من الوردة !
كان من أبناء ذلك الجيل المؤمن بحرية الفكر والحداثة . ومن سخريات القدر أن عينوه أخيرا رقيبا على المطبوعات . وصله كتاب ثوري لعبد الله القصيمي . وأصبح عليه كرقيب أن يمنعه . ففعل ، ولكنه بادر بعين الوقت الى تقديم استقالته " . (4)

 

وفاته

توفي سنة 1995 تاركا وراءه آثاره الادبية وظلال ملامحه في قلوب من عرفوه عن قرب .. لاسيما من تواصلوا معه في أيامه الأخيرة .. 

يقول الكاتب مهدي شاكر العبيدي الذي وصف العلوجي بأنه مجبول على البساطة والتواضع :
" صادفتُ العلوجي ضحى يوم قائظٍ في مسرح الرشيد في أخريات أيَّام حياته ، وفي غضون عام 1994م ، فتفرَّسْتُ في ملامحه وأمارات وجهه وتبيَّنَ ليفيها آثار الجهد والكلال ، ما ينبي عن شعوره بالضياع والمتاهة في دنيا الأحياء بعد أنْ نفر منه أكثرهم وبانوا ، وصار مجانِبا للضُرِّ والنفع ، لكن نائيا فيالوقت ذاته ومستريحا عن سماع اللغو والثرثرة والادِّعاء ، والطريف أو المؤسي أنـَّه دأب بعد تقاعده عن مسؤوليَّاته على زيارة رفقائه وأصدقائه في دوائروظائفهم ليُحَادثهم في شؤون الفكر والأدب والثقافة ، مختتما حديثه بإبلاغهم أنـَّه سيرحل قريبا ، بعد أنْ عاش وديعا مسالما منطويا على الخير والحبِّ ، مادايد العون للجميع من معارفه ومعاشره ، وكأنـَّه المعنيُّ بوصية عبد الحميد الكاتب للأدباء بأنْ يتعاونوا ويتعاضدوا وينبذوا التناحُر والشِقاق ، هذا إلى جانب ماألفته من ظرفه وميله للفكاهة التي لا يصطنعها عامدا ، بل هي لصيقة به وسمة من سماته ، ومزيَّة يروض بها خلقه وطبعه على الجلاد والتحمُّل ومغالبةالأوصاب والأنكاد التي تعرض له في ميدان عمله ". (5) 

وأشار العبيدي الى أن الباحث الأستاذ طلال سالم الحديثي أهدى كتابه : مراجع في الفلولكلور ، الى روح الأستاذ عبد الحميد العلوجي ، وروح صنويه لطفي الخوري وعزيز الحجية ، ضارباً بذلك المثل الأروع في الوفاء والعرفان ـ وفقا لتعبير العبيدي .

 

 

أسماء محمد مصطفى


 

2014-07-18 - عدد القراءات #13578 - تعليق #0 - شخصيات في البال

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي