القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

انس نجم عبدالله
انس نجم عبدالله

من نحن

about us

مقالات/في ذكرى رحيله :علي الوردي والموضوعية وقصور العقل البشري

حسين سرمك حسن
حسين سرمك حسن
  الدكتور حسين سرمك حسن  

 

في ذكرى رحيله :علي الوردي والموضوعية وقصور العقل البشري*

 

جزء من مخطوطة كتاب للكاتب عنوانه (علي الوردي عدوّ السلاطين ووعّاظهم) سيصدر عن دار ضفاف (الشارقة) هذا الأسبوع.

 

لم يربط الوردي معضلة الموضوعية الشائكة في الحياة عامة وفي العلوم الإنسانية خاصة بنسبية الحقيقة الاجتماعية أو بزاوية النظر إلى الحقيقة ( الهرم متعدّد الأوجه ) ، ولكنه غاص عميقا في بنية العقل البشري ليكشف أن العجز البشري عن الإمساك بالحقيقة المطلقة يعود إلى نقص متأصل في بنية العقل البشري نفسها . إن ما أسماه بـ ( النظرية الجزئية ) يعود إلى قدرة العقل المحدودة رغم أن العقل هو من الفروق التي يتميز بها الإنسان عن أخيه الحيوان حسب قوله . يقول الوردي : إن من الخطأ أن ننكر أهمية العقل البشري وكذلك من الخطأ أن نثق به ثقة مطلقة . ولا بد أن يكون هناك حد وسط بين هذين الطرفين . وهو لا يعيد هذا القصور إلى عوامل بايولوجية أو عرقية ولكن إلى عوامل اجتماعية . فـ ( العقل في حقيقة أمره نتاج اجتماعي ، وهو صنيعة الثقافة الاجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان . فإذا وجدنا إنسانا خرج بتفكيره عن الإطار الذي فرضته عليه الثقافة الاجتماعية فسبب ذلك أنه تأثر بثقافات أخرى . وهو في تأثره هذا يجري على قوانين لا يستطيع التحرّر منها إلّا قليلا . ولو أنه عاش في بيئته المنعزلة، ولم يعرف عن غيرها شيئا، لوجدناه منسجما إلى حدّ كبير ).

و ( التنويم الاجتماعي ) هو واحد من أهم السبل التي تروّض العقل البشري للرضوخ ليس للحقيقة النسبية حسب بل لممارسته الانحياز ( دون أن يعلم ) . فالمجتمع يسلّط على الإنسان منذ طفولته الباكرة ايحاء مكررا في مختلف شؤون العقائد والقيم والاعتبارات الاجتماعية وهو بذلك يضع تفكير الإنسان في قوالب معينة يصعب الخروج منها) . وكما يقول (لاندس) أن تسعة أعشار ما نعمل وما نقول وما نفكر وما نشعر منذ استيقاظنا في الصباح حتى رجوعنا إلى فراش النوم في المساء يجري طبق ما يوحي إلينا المجتمع به من قواعد وقيم وآداب وعادات .( وبالمناسبة لم يلتفت الوردي إلى أن المثل الذي يضربه لاندس مشتق من مثل كلاسيكي في أدبيات التحليل النفسي التي ترى أن ما يحكم سلوكنا ليس عشر جبل الثلج الطافي من عقلنا بل التسعة أعشار اللاشعورية الغائصة ) . ويعلّق الوردي على افتراض لاندس بالقول : ( نقوم بكل ذلك ونحن نعتقد بأننا مخيرون فيما نعمل وأننا أردنا ذلك وقصدنا إليه وفكرنا فيه قبل البدء به إلى آخر ذلك من أوهام . الواقع أننا نفعل ذلك بناء على ما أوحى به إلينا المنوم الأكبر ، أي المجتمع ) . وهذا يحيلنا طبعا إلى معضلة هائلة هي معضلة المخيّر والمسيّر في الحياة الإنسانية معرفة وسلوكا .. وفوق أننا نسيّر من قبل المجتمع وهو(المنوم الاجتماعي الأكبر) كما وصفه الوردي فنحن نسيّر وبدرجة أشد قوة من قبل قوة منومة أخرى هي(العقل الباطن) أو اللاشعور . فنحن بحق مخيّرون بالشعور لكننا مسيّرون باللاشعور .  

يقول الوردي : ( إن دراستنا لمحتويات اللاشعور قد تقلب أمام بصرنا وجه العالم فنحن بعد اكتشافنا ما فيه من خفايا سوف نرى الأمور على غير ما كان يراها الآباء والأجداد رحمة الله عليهم . إن اعتماد أسلافنا على العقل الواعي أدّى بهم إلى مساوىء جمّة . فجهلهم بما في اللاشعور من حوافز وكوامن وقيود جعلهم يؤمنون بأن الإنسان قادر على نوال النجاح والفضيلة والحق .. متى أراد وسعى وفكّر.. فهم كانوا يقولون للفاشل : من جد وجد ، وللمجرم : ارجع إلى عقلك ، وللظالم : أليس لك ضمير ؟ وهم في أقوالهم هذه  كلها مخطئون إلى حدّ بعيد )) .

ومن الأطروحات الريادية للوردي في هذا المجال هي موضوعة ( القوقعة الفكرية ) التي تضيق زاوية نظر الفرد إلى الحقائق وتجعله متصلبا في التمسك بما يعده حقائق قاطعة ونهائية من وجهة نظره . وقد بدأ الوردي طرح هذا المفهوم تحت مصطلح ( الإطار الفكري ) في عام 1952 وذلك في كتابه ( خوارق اللاشعور ) حيث أشار في مقدمة الكتاب إلى أن ما نلاحظه من خلافات مستعرة بين البشر حول الحقيقة التي من المفروض أن تكون واحدة وثابتة تعود إلى ( الإطار العقلي ) الذي يحيط بعقل الفرد ويحدد الكيفية التي ينظر بها إلى الكون من خلاله ، ولذلك نجده لا يصدق بأي أمر يقع خارج هذا الإطار . وهذا الإطار متماثل في جميع الناس وسيان في ذلك بين المتعلمين منهم وغير المتعلمين . ويستعين الوردي بمقولة للإمام الغزالي ردّدها الأخير كثيرا في كتبه وهي :

( إن الإنسان يستغرب ما لم يعهده ، حتى لو حدثه أحد أنه لو حك خشبة بخشبة ، لخرج منها شيء أحمر ، بمقدار عدسة ، يأكل هذه البلدة وأهلها ، ولم يكن رأى النار قط ، لاستغرب ذلك وأنكره ) .

ثم يخصص الوردي الفصل الأول بأكمله من كتابه هذا لتناول موضوعة الإطار الفكري وفيه يحدد أولا الكيفية التي يتميز بها المثقف عن المتعلم من خلال مرونة الإطار الفكري الذي يحمله كل منهما ، فالمتعلم هو الذي يتعلم أمورا لا تخرج عن نطاق الإطار الفكري الذي اعتاد عليه منذ صغره ، وبهذا فهو لا يزداد من العلم إلا بما يزيد في تعصبه ويضيق من مجال نظره . أما المثقف فهو الذي يمتاز بمرونة إطاره الفكري وحيوية أفكاره المستعدة لتلقي كل فكرة جديدة والتأمل فيها ولتملي وجه الصواب منها . ووفق مرونة هذا الإطار يضع الوردي مقياسا لدرجة ثقافة المثقف حيث يرى أن هذا المقياس يقوم على درجة تحمل هذا الشخص الذي نسميه مثقفا الآراء المخالفة لآرائه وكيف يستوعبها ودرجة الحساسية التي يبديها تجاهها . ويتكون الجزء الأكبر من الإطار الفكري الذي ينظر الإنسان من خلاله إلى الكون من المصطلحات والمألوفات والمفترضات التي يوحي بها المجتمع إليه ويغرزها في عقله الباطن . فالإنسان إذن يتأثر بها من حيث لا يشعر , فهو حين ينظر إلى ما حوله لا يدرك أن نظرته مقيدة ومحدودة . وكل يقينه أنه حر في تفكيره . وتترتب على هذا اليقين نتيجة خطيرة تتمثل في أن الإنسان ما يكاد يرى أحدا يخالفه في رأيه حتى يثور غاضبا ويتحفز للاعتداء عليه . وهو عندما يعتدي على المخالف له بالرأي لا يعد ذلك شيئا ولا ظلما إذ هو يعتقد بأنه يجاهد في سبيل الحقيقة ويكافح ضد الباطل . ويرى الوردي أن أغلب الحروب والاضطهادات التي شنها البشر بعضهم على بعض في سبيل مذهب من المذاهب الدينية أو السياسية ناتجة عن وجود هذا الإطار اللاشعوري على عقل الإنسان . وقد أكد الوردي كثيرا أن هذا الإطار هو سبب ظاهرة ( التعصب ) في السلوك البشري . ويصل الوردي إلى القول أن الإنسان متعصب بطبيعته . يقول الوردي :

( ظن القدماء بأن التعصب أمر طاريء على العقل البشري حيث اعتقدوا بأن العقل ميال بطبيعته إلى الحياد في النظر والنزاهة في الحكم . فإذا رأوا إلى إنسان يتعصب لرأيه غضبوا عليه ولعنوه . وما دروا بأنهم مثله متعصبون ، وأنهم في هذا كمثل ذلك الغراب الذي يعيب غرابا آخر بسواد وجهه ، وهو مثله أسود الوجه . تشير الأبحاث الحديثة إلى أن التعصب صفة أصيلة في العقل البشري وأن الحياد أمر طاريء عليه . .. فنحن لا يجوز لنا أن نعجب إذن من مثل هذا التعصب في عقل الإنسان . الأولى بنا أن نعجب من وجود الحياد فيه (336) .

ولعل الفصل السادس من كتاب الوردي ( مهزلة العقل البشري ) والذي حمل عنوان ( القوقعة البشرية ) يمثل التناول الأشمل والأكثر دقة لأطروحته هذه . فهو يرى أن الإنسان في الوقت الحاضر وعلى توالي الدهور الماضية ، أناني يعيش داخل قوقعته الذاتية ، وهو لا يرى الحقيقة إلا من خلال هذه القوقعة المحصنة. ثم يتناول جانبا مهما من هذه المعضلة يتمثل في التساؤل : هل تستطيع الثقافة الصحيحة أن تفتح عين الإنسان على ( قوقعته ) ليقدر نفسه حق قدرها فلا يغالي بها ولا يباهي بمحاسنها الموهومة ؟ ويجيب الوردي بتساؤل مقابل عن حدود وسمات الثقافة الصحيحة ، لأن الكثير من الناس يدعون أنهم هم المثقفون وحدهم من بين الناس . ويذكرنا بأن لا ننسى أن كل طائفة من الناس تعتقد أن ثقافتها هي الصحيحة وأن قيمها الاجتماعية هي المعيار الثابت الذي يمتاز به الحق عن الباطل ، وهذا سينعكس على الفرد الذي يعيش ضمن هذه الجماعة ، لأن الإنسان الذي ينشأ في مجتمع معين لا بدّ أن يتأثر بمقاييس ذلك المجتمع من حيث يشعر أو لا يشعر . ثم يصل الوردي إلى نتيجة حاسمة تقول أن لا فرق بين المثقف وغير المثقف من ناحية تأثير القوقعة الفكرية إلا من حيث الدرجة ، أما من حيث النوع فالجميع سواء . ولا مراء – كما يقول – أنه كلما ازدادت خبرة الإنسان وكثر اتصاله بالناس وتوالت عليه التجارب المرّة ، صار قريبا من الحقيقة الواقعية في نظرته إلى نفسه . ولكنه لا يصل ولن يصل إلى تلك الحقيقة وصولا تاما (337) .
وإذا تابعنا تطور هذه القوقعة البشرية الفكرية خلال سني عمر الإنسان فسنجد أنها تكون في أوج قوتها في أثناء سنوات الطفولة الباكرة . فالطفل يرى الدنيا بمنظار عواطفه وملذاته ، وهو لا يستطيع أن يفرق بين الحقيقة الموضوعية وبين عاطفته نحوها . فالحسن لديه حسن لأنه محبوب لديه أو لذيذ . والحسن ينقلب قبيحا حالما يصير مكروها أو مؤلما . والطفل يرى نفسه محور الكون وكل ما يجري من حوله من حوادث يرتبط به وبأفعاله وعواطفه . ولكن عندما يكبر الطفل – وقد يصبح حكيما أو محنكا – فإن بقية من هذه النظرة " القوقعية " تبقى في قرارة نفسه قليلا أو كثيرا . وكلما زادت تجارب الأنسان وعركته تجارب الحياة ضعفت فيه تلك النظرة ولكنها لن تموت أبدا . فهي باقية في الإنسان ما بقي الإنسان . ويصعب على الإنسان أن يتخلص من قوعته الذاتية مهما حاول . فهي تكتنفه من حيث لا يشعر بها ، وهي تجعله يضخم محاسنه الخاصة في الوقت الذي يضخم فيه مساويء منافسيه وخصومه .

وهناك عامل آخر يعزّز هذه القوقعة وينميها ويحكم خناقها حول إدراكات الفرد ويتمثل في ما أسماه الوردي بـ ( الغربال اللاشعوري ) ، هذا الغربال يقوم بغربلة الأقوال التي تُقال عن الشخص فلا يدعها تصل إليه على حقيقتها . فالشخص إذا سمع مدحا له من فم أحد ظن أن المادح منصف يقول الحق . أما إذا سمع ذما عدّه ناتجا عن حسد أو نحوه . ولهذا نجد الإنسان يعيش في قوقعته الخاصة فهو لا يعرف ما يقول الناس عنه في غيابه معرفة دقيقة لأن الغربال اللاشعوري يمنعه من ذلك . فالإنسان مجبول أن ينسى مساوئه ويتذكر محاسنه تذكرا لا يخلو من مبالغة . وليقرب هذه الحقيقة من ذهن القاريء ، يقوم الوردي – وبروح ديمقراطي رائع – بضرب مثل مرتبط به هو شخصيا ، حيث يقول :

( نجد هذا واضحا في المؤلفين الذين ابتليت الأمة بكوارث كتبهم من أمثالي . فأحدهم يخرج الكتاب فتنهال عليه التهاني من كل جانب وهو ينسى أن تلك عادة اعتاد عليها الناس في مجاملاتهم الاجتماعية ( .. ) طلبت في العام الفائت من أحد طلبة الصف الرابع في فرع الفلسفة من كلية الآداب والعلوم أن يكتب تقريرا عني يجمع فيه ما يقوله الناس عن مؤلفاتي بصراحة لا رياء فيها . وقلت له أن درجته النهائية تتأثر بمقدار ما يبذل من جهد وتدقيق في كتابة هذا التقرير . وبعد مدة غير قصيرة جاء الطالب وهو آسف يقول بأنه سوف لن يقدم لي التقرير بأي حال من الأحوال . وسبب ذلك أنه جمع أقوال الناس وآراءهم عني فوجد معظمها تتجه إلى ناحية الذم والانتقاص والشتيمة ، وهو يخاف على نفسه إذا قدم لي مثل هذا التقرير الفظيع).

ويواصل الوردي عرض تجربته الديمقراطية بالقول بأنه حصل على التقرير أخيرا فوجده ألعن تقرير ظهر في الوجود ، وأنه كان واثقا أن الطالب لم يكن يقصد بكتابته إيّاه إلا جمع مختلف آراء الناس عنه بأمانة . ويقول الوردي أنه ما زال – آنذاك - يحتفظ بالتقرير الذي يحوي من الشتائم والفضائح ما لم ينزل الله به سلطانا – في نظر الوردي طبعا - . ويستنتج الوردي من حالة المكاشفة السلبية المرة هذه نتيجة تعزز أطروحته عن الغربال اللاشعوري :

( أدركت عند قراءة التقرير أني أملك عن نفسي صورة زاهية جدا ، بعيدة عن تلك التي يأخذها الناس عني . فقد كنت قبل ذاك قانعا بما أسمع من الثناء العاطر على ألسنة الطلاب أو الزملاء أو بعض القراء الذين أحبوا كتاباتي .. أما أولئك الذين يذمونني فهم لا يجابهونني بذمهم طبعا . ومهما أحاول أن أستشف ما في قلوبهم نحوي فسوف لا أتمكن من الحصول على الحقيقة تماما . إنها تبقى بجزئها الأكبر مكتومة عني . فالغربال اللاشعوري يمنعني من اكتشافها كلها على أي حال) .

ويستعيد الوردي ببراعة رأيا فريدا وخطيرا للجاحظ طرحه الأخير في القرن الثالث الهجري يقول فيه : إن الله لا يعاقب الكافرين على كفرهم إلا من كان منهم معاندا حقا ، وهو الذي يقتنع بصحة الدعوة ولكنه يؤثر الكفر عليها بدافع من مصلحته الشخصية . ففي رأي الجاحظ كما يقول أحمد أمين في كتابه ( ضحى الإسلام ) إن الإنسان وعقائده ليست إرادية ، بل هي مفروضة عليه فرضا ، وأنها نتيجة حتمية لكيفية تكوين عقله وما يعرض عليه من الآراء . فمن عرض عليه دين فلم يستحسنه عقله فهو مضطر إلى عدم الاستحسان . وليس في الإمكان أن يستحسن . وهو إذن ليس مسؤولا عن اعتقاده ، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . فمن أصيب بعمى الألوان فرأى الأحمر أسود فلا لوم عليه في ذلك . إذ ليس في استطاعته إلا أن يفتح عينيه أو يغلقهما ، أما أن يرى هذا أسود أو أحمر فلا دخل له فيه . وكذلك الشأن في المعقولات .

والوردي لا يريد مناقشة الجاحظ في رأيه هذا لأنه يعتبره رأيا خطيرا جدا ، وقد يدخلنا في موقف حرج لا ندري كيف نخرج منه ، لكنه يستثمر جوانبه المتعلقة بتدعيم أطروحته عن القوقعة الفكرية أو الإطار الفكري . فالجاحظ يقوم بمقارنة رائعة بين المحسوسات والمعقولات ، فالعقل في رأيه كالحس لا يخضع للإرادة إلا ضمن نطاق محدود . فأنت لا تستطيع أن ترى شيئا محجوبا عنك أو واقعا خارج نطاق الرؤية منك . وكذلك لا تستطيع أن ترى شيئا وأنت أعمى . فإحساسك بالشيء يشترط له أن تكون لديك حاسة كافية تجاهه ، وإلا صار الشيء في نظرك بمثابة المفقود الذي لا وجود له . ورأي الجاحظ السباق هذا يتفق مع ما يقره العلماء في العصر الحديث ، فهم يعتبرون التفكير كالإحساس محدود . فأنت لا تستطيع أن تعقل شيئا إلا إذا كان ذلك الشيء داخل نطاق المفاهيم والمقاييس الفكرية التي تعودت عليها في محيطك الاجتماعي . والإنسان – حسب الوردي – بهذا الاعتبار كالحصان الذي يجر العربات ، وقد وضع على عينيه إطار فهو لا يرى من الأشياء إلا تلك التي تقع في مجال إطاره . ويخلص الوردي من ذلك إلى الاستنتاج :

( أن من الصعب على الإنسان أو من المستحيل أحيانا أن ينظر في الأمور بحرية تامة . وقد يتراءى لبعض المغفلين بأنهم أحرار في تفكيرهم وسبب ذلك أن الإطار الفكري قيد لا شعوري موضوع على عقولهم من حيث لا يحسون به . فهو بهذا الاعتبار كالضغط الجوي الذي نتحمل ثقله الهائل على أجسامنا دون أن نحس به . وقد نحس به بعض الإحساس إذا تحولنا إلى مكان آخر يتغير فيه مقدار الضغط ، وعندئذ نشعر بأننا كنا واهمين . كذلك هو العقل البشري فهو لا يحس بوطأة الإطار الموضوع عليه إلا إذا انتقل إلى مجتمع جديد ، ولاحظ هنالك أفكارا ومفاهيم مغايرة لمألوفاته السابقة . إنه يشعر عندئذ بأنه كان مثقلا بالقيود الفكرية وأن فكره بدأ يتفتح).

لكن الوردي بما عرف عنه من وجهة نظر متوازنة إلى الأمور والمعضلات المطروحة يرى أن القوقعة أو الإطار الفكري ليست سلبية بأكملها :

( وقد يندهش القاريء حين أقول له بأن هذه الطبيعة الرقيعة أو النظرة القوقعية ، هي من أهم الدوافع التي تدفع الإنسان نحو خدمة مجتمعه . فالإنسان لا يملك غريزة ثابتة تدفعه نحو الخدمة الاجتماعية كما هو الحال لدى النحل أو النمل . إنما هو يندفع في خدمة قومه لأنه يرى نفسه أولى من غيره بهذه الخدمة . إن الخدمة الاجتماعية تسبغ على من يقوم بها مهابة ومكانة بين الناس . والإنسان يتكالب على أي شيء آخر يجد فيه لذة نفسية . ولا ننكر أن هذه النظرة القوقعية قد تؤدي أحيانا إلى كثير من المكايدات الدنيئة والمؤامرات التي تضر أكثر مما تنفع . هذا ولكننا يجب أن نذكر بأن لكل شيء ثمنا ، وأن ليس في الدنيا خير يخلو من شر كما أشار إلى ذلك ابن خلدون . فكل إنسان يحب نفسه ويتكالب في إعلائها . فينتج عن ذلك التنازع الضار كما ينتج عنه التنافس النافع . وليس من الممكن الفصل بين هذين الوجهين) . 

لكن ما هي مكونات هذا الإطار الفكري  أو ( القوقعة الفكرية ) ؟

يرى الوردي أن هناك ثلاثة أنواع من القيود موضوعة على عقل الإنسان عند تفكيره أو عند نظره في الأمور وهي :

أ – القيود النفسية :

وتتمثل في النفس البشرية المعقدة المليئة بالرغبات المكبوتة والعواطف المشبوبة والدوافع الدفينة ، وكلها تؤثر في أحكامه والزاوية التي ينظر بها إلى الحوادث التي تجري من حوله .

ب – القيود الاجتماعية :

وهي القيود التي تفرضها ثقافة الطبقة أو الجماعة أو البلد أو الطائفة التي ينتمي إليها . هذه الثقافة تسهم في صياغة الإطار الفكري الذي يحيط بعقل الفرد .

ج – القيود الحضارية :

وهي القيود التي تشترك بها كل الجماعات في داخل حضارة معينة . فالبدو مثلا لهم قيم ومثل وأهداف في الحياة عامة يؤمنون بها جميعا رغم اختلافهم في تعصبهم القبلي أو الطبقي أو الاجتماعي . وهذه القيم تتغلغل في اللاشعور عميقا إذ ينشأ عليها الفرد ويعتاد عليها حتى تصبح جزءا لا يتجزأ من منطقه وأسلوب تفكيره . 
ومن الأمور التي ينبغي أن نذكرها للتاريخ لتثبّت كسبق ريادي للوردي هو أنه أول مفكر عربي دعا إلى تدريس قوى ومحتويات اللاشعور في المدارس والكليات . يقول : (ومن المؤسف حقا أن نرى مدارسنا وكلياتنا تعنى، في تربية طلابها بالشعور وحده وتهمل اللاشعور. وبعبارة أخرى : إنها تربي فيهم العقل الظاهر وتترك العقل الباطن ينمو كما يهوى، وبذلك تخلق في تكوين شخصيتهم دواعي الازدواج البغيض ).

إن الوردي يعيد جانبا من سمة ازدواجية الشخصية إلى هذا الإهمال لسطوة اللاشعور في رسم وتصميم أفعال الإنسان حتى لو كانت مناقضة تماما لأفكاره وآرائه وعقائده التي يؤمن بها شعوره أو عقله الظاهر ويهتف بها صباح مساء . فـ ( العقل الباطن هو الذي يسيّر الإنسان في كثير من أموره ويوجّه سلوكه . أمّا العقل الظاهر فليس إلّا طلاء ورياء ( يصف معلم فيينا ( فرويد ) العقل الظاهر بأنه وكالة حسّية فقيرة – الكاتب ) ونحن كلما اعتنينا بالعقل الظاهر وحشوناه بالمباديء الافلاطونية والمعلومات المطلقة خلقنا بينه وبين العقل الباطن ثغرة وجعلنا شخصية الفرد من جراء ذلك ذات شقّين . ويمسي الفرد بهذا مرائيا يقول شيئا ويفعل نقيضه . أو يدّعي صفة ثم يقوم بما يخالفها من قول أو فعل ) .أي أننا لا يمكن أن نطلب من الإنسان الموقف الموضوعي المطلق بل ولا النسبي حتى لو كان باحثا مبرزا إذا لم يتنبه إلى مكنونات لاشعوره والقوى الفاعلة فيه . فالإنسان ( حين يكتب أو يخطب أو ينصح غيره تراه يعيد ما لقناه من كلمات رنانة ومثل جوفاء . أما حين يسعى وراء العيش أو ينافس أقرانه فيه فنجده كغيره من الناس مسوقا بما يمليه عليه عقله الباطن من طمع دنيء أو شهوة خسيسة أو حب للشهرة والجاه في الحق والباطل على السواء ) . ولعل التفسير الذي نقله الوردي عن وليم جيمس – الفيلسوف الأمريكي المشهور – لقصور العقل البشري يقدم لنا صورة واضحة عن (حتمية ) هذا القصور و ( ضرورته ) . حيث يعتقد هذا الفيلسوف بأن العقل البشري جزئي ومتحيّز بطبيعته . ويرى أن العقل لا يستطيع التفكير المثمر إلّا إذا كان جزئيا في نظرته ومتحيّزا في انتباهه . ذلك أن الحقيقة الخارجية في رأيه تحتوي على نواحي متعددة وتفاصيل شتى . فإذا لم يركز العقل انتباهه على ناحية ويترك النواحي الأخرى يصعب عليه الوصول إلى فكرة عملية واضحة عنها . يقول ( جيمس ) : إن العقل لا يكون ذا مقدرة وكفاية إلّا بتخيّره ما ينتبه إليه وبتركه ما عداه ، أي بتضييقه وجهة نظره ، وإلّا إذا توزّعت قوّته الضئيلة وضل ّ في تفكيره)) .

    

 

د. حسين سرمك حسن


 

2014-07-17 - عدد القراءات #13404 - تعليق #0 - مقالات أدبية

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي