القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

احمد محمود شنان
احمد محمود شنان

من نحن

about us

مقالات/رحلة إبن يعقوب من البئر الى العرش

د. نضير الخزرجي
د. نضير الخزرجي
  الدكتور نضير الخزرجي  

 

رحلة إبن يعقوب من البئر الى العرش

في حياة كل إنسان قصة، وفي داخل كل بيت رواية، وفي كل محلّة ومنطقة حكاية وحكايات، ولكل أمة قصص، وإذا حلّ الفناء بالأمة وكان لرحيلها من عالم الوجود الإنساني الأثر والصدى صارت قصة من القصص تروى للأجيال، للعبرة والإعتبار وصار لها صنّاعها ينقلون القصة أو يخطونها فيضيفون وينقصون حسب الجو العام، ولذلك وبغياب وسائل الإتصال الحديثة كان للشعراء دور وللكتاب دور وللقصّاصين دور وللحكواتية دور، فللشعر رواده، وللكتاب طلابه، وللقصة أتباعها وللحكاية جلسائها، فكل يستمتع بما يطرق آذانه من منظوم أو منثور.

وكانت رواية القصة مهنة راج سوقها مع نهاية القرن الأول الهجري ولها زعاماتها وعدد غير قليل منهم كان من الرواة الذين جمعوا بين نقل الرواية وسرد الحكاية، فجمعوا بين منقولات العرب وغير العرب والتجأوا الى كتب الرهبان والكهنة، فخلط بعضهم بين الحقيقة والواقع، ونحا بعضهم الى الخيال والبطولة الخارقة لشدّ الجمهور إليهم، ولأنّ القصة تجمع بين الشعر والنثر وخاصة إذا تضمنت أخبار الحروب والمعارك والمبارزات التي يشتهر فيها شعر الرجز والتفاخر والهجاء، ولأنّ المستمع يعجبه الخيال والقفز على الواقع الرتيب فإن القاص أو الحكواتي يزيد من الخيال بوصفه ملح طعام القصة وفاكهة سفرة الحكاية.

وفي الوقت الذي كانت القصة تحفظ لخصوص العرب وعموم المجتمعات بطولات أبنائها وقصص معاركها الداخلية والخارجية وقيم الخير والكرم والفضيلة إلى جانب مفردات الرذيلة، فإن تأثر القاص بقصص الأمم الأخرى وضلوع بعض القصاصين بمهنة رواية الحديث فإن قصصاً كاذبة غير قليلة دخلت في الأدب العربي والإسلامي وكادت أن تكون من المسلمات أو بما يُعرف بالإسرائيليات والنصرانيات، ولا يلتفت لها إلا العالم الحاذق.

وإذا طاف الإنسان في أرجاء الأرض من شرقها الى غربها ومن شمالها الى جنوبها واطلع على أدب الشعوب في مجال القصة والرواية والحكاية، فإنه لا يمكنه الإطمئنان الى صدقية القصة، لأنَّ السارد لها إنسان كأي إنسان له مشاعره وأحاسيسه ويتأثر بالعوارض الذاتية والموضوعية، فبالتالي فإن القصة تتأثر بما يتأثر به هو شخصياً، فيزيد أو ينقص، وكما كان أعذب الشعر أكذبه، فإن أشد القصص جذبا للمستمع ما كان الخيال سيد الموقف، ولكننا بالتأكيد لنا أن نطمئن مائة في المائة الى القصص القرآنية التي سجّلت خطوطها العريضة آيات القرآن الكريم، لأنه وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو أحسن القصص كما قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) سورة يوسف: 2، حيث تناولت السورة بشكل تفصيلي حياة النبي يوسف من  المبدأ حتى النهاية، أي من المهد الى اللحد فجاء اسمه عليه السلام 26 مرة في ثلاث سور، بل أفرد القرآن سورة واحدة سماها القصص، يسرد فيها بشكل موضوعي قصة النبي موسى(ع)، مع أن الله أورد قصة موسى في الكثير من سور القرآن في اكثر من 130 موضعاً وفي سور كثيرة.

ومع إجماع المدارس الفقهية الإسلامية على قطعية الآيات القرآنية، فإن المفسرين اختلفوا فيما بينهم في إضاءة بعض الزوايا الخفية من قصة يوسف على وجه الخصوص، والإختلاف نابع من قرب وبعد المفسر من مرويات النبي محمد(ص) وأهل بيته الكرام(ع) حيث أصاب السنّة من التحريف المتعمد في حياة النبي(ص) وبعدها، وقد انتقل بدوره إلى تفسير الآيات القرآنية، وبخاصة الآيات المنطوية على قصص الأنبياء، فعمد البعض الى سد التحريف بالإعتماد على مرويات الأديان الأخرى، فوقع البعض في فخ الإسرائيليات والنصرانيات.

ولأن قصة يوسف وأخوته فيها كل مقومات الرواية من موضوع وحدث وفكرة وحبكة وشخصوص وبيئة زمانية ومكانية وسرد ولغة وصراع وحلول ونتائج ورسالة متجددة فيها حكمة وعبرة لكل زمان ومكان ومجتمع، فإنّ الله وصفها بأحسن القصص، لما فيها من العبر الكثيرة، وقد أحسن الأديب الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي عندما عرض قصة يوسف(ع) على كنز من المرويات وضرب المرويات ببعضها فأنتج رواية أسماها "يوسف من البئر إلى العرش" صدرت حديثا (2013م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 192 صفحة من القطع الوزيري مع مقدمة أدبية نقدية بقلم الأديب المصري الدكتور محمد عبد الباسط زيدان مدير عام الثقافة بمحافظة القاهرة والمولود عام 1961م في محافظة الغربية.

 

من البئر الى العرش

في قصة "يوسف من البئر الى العرش" يضعنا الكرباسي أمام رواية طويلة مليئة بالحوادث على مدى 120 عاماً هي عمر النبي يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم الخليل، المولود في بادية الشام بالعراق سنة 2063 قبل الهجرة والمتوفى في مصر سنة 1943 قبل الهجرة والمدفون في فلسطين، وكلما خرجت من حدث ودخلت في آخر تراءت أمامك آيات القرآن الكريم في سورة يوسف تربط بين النص والآية الكريمة الدالة عليها، وفي التفاصيل فإنَّ الأديب الكرباسي يرجع القارئ الى الروايات التي يعتقد بصحتها ومطابقتها للقرآن الكريم، فهو يتحرك في سرده للقصة بهدى الروايات المفسرة للآيات معتمداً على خمسين مصدراً فسيرة الصدّيق يوسف تحمل كامل مقومات القصة، ولكن المؤلف احتفظ بمهنيته كمحقق وباحث، فجاءت القصة مؤصّلة بالآيات والروايات دون أن يشعرك بها، وهذا ما عبّر عنه الكرباسي في التمهيد بقوله: (في هذه القصة كما في سائر القصص قد تتبعت –حد الإمكان- النصوص الواردة في الروايات وكتب التاريخ والسِّيَر، مضافاً الى الجمع مهما أمكن بين الروايات والأقوال، وأخذت ما وافق منها كتاب الله، كما حاولت أن لا أطرح شيئا منها إلا ما أدى الى التناقض، وآليت على نفسي بالأخذ بالقول الأقرب إلى الجمع، وما هو المألوف، حسب ما ترتضيه النفس السليمة، وتقتضيه نزاهة الأنبياء، كما نأيت عن التكلّف في الكتابة، لافظاً الإعتبارات الأدبية المطروحة على ساحة القلم، رعاية للأمانة التاريخية وحفاظاً على إيصال الحقائق التاريخية مباشرة إلى خزانة الذاكرة من دون ارتجاج حتى تكون عبرة لأولى الألباب كما قال تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب" سورة يوسف: 111).

وكما أحسن الأديب الكرباسي في التوليف بين الآيات والروايات وما جاء في الأثر، فإنه أحسن اختيار العنوان حيث جمع بين متضادين (البئر والعرش) أي بين القاع والقمة، فمن يسكن القاع يعيش الظلام ولا يرى بين قدميه، ومن يتولى العرش يبصر النور ويرى إلى مديات أبعد، وإذا كان من الساعين في خدمة الرعية تشرّف العرش به ولم يتشرف بالعرش، وهكذا هو شأن كل حاكم عادل، وهذه الثنائية المتضادة نقرأها في حديث زليخا التي راودت يوسف عن نفسه بعد أن تنكب عنها الدهر وتكففت الى الناس، فجاءت إليه بعد أن تولى عرش مصر، فقالت له: (الحمد لله الذي جعل الملوك بمعصيتهم عبيداً، وجعل العبيد بطاعتهم ملوكا)، وهذا النص فيه من البلاغة والتشبيه والعبرة لا نجده في سورة يوسف كجزئية، ولكن رواية المعصوم هي التي تقدم مثل هذه الجزئيات في السيرة اليوسيفية فتضفي على القصة حبكة من دون خيال جامح أو سراب طامح.

وهذه المضادات نجدها حتى في المسميات التي في ظاهرها لا تدله على مؤدّاها، ففي ظاهرها السعادة وباطنها التعاسة، وبالعكس، فزوجة عزيز مصر تبني قصراً أسمته "قصر السرور" من أجل إغواء يوسف(ع)، ولكن القصر الذي شهد تمزيق قميص الصدِّيق يوسف قاده فيما بعد الى "سجن العافية"، وهذه المرة كأختها يحل الصدِّيق يوسف في مكان ليس على مسماه، ويبقى خلف أسوار سجن العافية سنين طوال، ويضيق صدره فيأتيه جبرائيل عليه السلام ويقول له: (إنَّ الله ابتلاك وابتلى أباك، وإن الله يُنجيك من هذا السجن فاسأل الله بحق محمد وأهل بيته أن يخلصّك مما أنت فيه)، فيتوجه الصدّيق الى الله بالدعاء: (اللهم إني أسألك بحق محمد وأهل بيته إلا عجّلت فرجي، وأرحني مما أنا فيه)، ثم يدعو بدعاء آخر علّمه إياه جبريل: (يا راحم المساكين ... اسألك بحق محمد وآل محمد أن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، وترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب) ويأتيه الفرج بعد حين حينما يحلم الملك بالبقرات العجاف السبع يأكلن سبعاً سمان، ومن هنا تبدأ رحلة الحركة نحو العرش، وقد كتب ابن يعقوب عليه السلام على باب السجن عند خروجه: (هذه قبور الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء).

وتمضي السنون، ويشتد اشتياق إبن اسحاق الى يوسف وبعد حوادث جمّة فقد معها ابنه بنيامين بعد يوسف، يتوجه الى رب السماء: (يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن تأتيني بيوسف وبنيامين وتردّ علي عيني.. يا مَن لا يعلم أحد كيف هو إلا هو وحيث هو وقدرته إلا هو، يا من سدّ السماء بالهواء وكبس الأرض على الماء، واختار لنفسه أحسن الأسماء، ائتني بروح منك وفرج من عندك) ثم يأتي الفرج ويلتقي الحبيب بحبيبه بعد أربعة عقود ... أربعون عاماً لم يفتأ يذكر يوسف: (حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين) يوسف: 85، ولكنه نبي من أنبياء الله يعلم ما لا يعلمون فما كان جوابه: (إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) يوسف: 86.. أربعون عاماً ورحلة طويلة من الفقدان ما أصعبها على قلب الحبيب.

 

ليس ككل الملوك

لم تكن قصة يوسف قصة طفل ضاع وعثر عليه أهله بعد حين، كما هو الشائع في الأمثال من باب تقريب الأجل والموعد وتقصير المسافة الزمنية، فالسنون الأربعون بحساب الأجيال تعادل جيل ونصف، ولم يكن يوسف الصدّيق ملكا كباقي الملوك يأتيه الطعام على طبق من ذهب حتى وإن كانت الرعية تجوع وتعرى وتلتحف الهواء البارد بلا حطب، كان يجوع وتشبع الرعية حتى قيل له: "أيها الصدّيق تجوع وبيدك خزائن الأرض"، ولأنه نبي قبل أن يكون خازناً او ملكا، فكان يجيب: (أخاف أن أشبع فأنسى الجياع)، وحتى تدوم النعمة التي بأيدي الناس وتنمو على الخير والبركة كان يحذرهم أن: (غموطُ  النعم سقمُ دوامها)، وبتعبير القرآن الكريم: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) سورة إبراهيم: 7.

إننا امام رواية أدبية محبوكة الجوانب فيها ملك ورعية، فيها حب محرّم من طرف واحد، فيها غيرة وحسد، فيها خطف وسجن وإعدام وسرقة وخيانة، فيها بشكل عام صورة الصراع الأبدي بين جحفل الخير وعسكر الشر، ولكننا في الوقت نفسها في قبال كاتب يحمل رسالة لا يهدف من السرد القصصي الجمالية فحسب، بل يبحث عن القيم والهدفية، ولذلك أنهى الرواية بجملة عبر مستقاة من حركة الصدّيق يوسف من البئر الى العرش، منها: التُهمة سلاح الضعيف/ الحسد داء القلوب/ قوة الرجل في صالح أولاده/ الغفلة عن الله ذل/ الجمال نعمة مفتونة/ صلاح الأمّة بالأمر بالمعروف/ من سعادة المرء الهجرة عند الضيق/ من راحة النفس توطينها على البلاء حين نزوله/ من تواضع لأبويه سما وارتفع/ من كتم سرّه أمن من عدوه/ من المعروف مداراة اليتيم/ تصدق على السائل ولو بالقليل/ كاد الحلم أن يكون وحياً.

هذه العبر وغيرها يستوضحها المصلح الكرباسي من ثنايا قصة يوسف، وكل واحدة منها بحاجة الى توطين النفس عليها والصبر على التحلي بها، ولذلك نجح الأديب الكرباسي في تقديمها بما يساعد على تثبيت خصال الخير في النفس وتقمصّها قولاً وفعلاً، وحسبما يرى الدكتور زيدان في تقديمه وقراءته الأدبية: (إنّ قصة النبي يوسف مثال حي وواقعي عن تصورات المجتمعات البشرية، وتقدمها في السلوك والفهم والإدراك والوعي بمتطلبات العصر، وهذا يدل على أن إعادة تقديمها بهذا الشكل الحي هو إعادة قراءة للتاريخ حتى يصبح أمامنا واقعاً حيا يمكن من خلاله الحديث عن إنسان جديد في: السلوك الإجتماعي، السلوك النفسي، فهم الآخر والوعي به، والرؤية المستقبلية للسلوك الحضاري)، أي أن رسالة الإصلاح التي تبناها الشيخ الكرباسي من خلال رواية يوسف هي مخ الرواية وأصلها، لأن الرواية الخالية من الأهداف الإنسانية السامية تُعدُّ رواية خاوية لا تغني ولا تسمن من جوع النفس الى قيم الخير والمثل العليا، ولذلك أصاب الناقد الأدبي المصري الدكتور محمد عبد الباسط زيدان كبد الحقيقة عندما انتهى الى القول: (إن إعادة قصة النبي يوسف بهذا الكم الكبير من الأخبار والتفاصيل الحكائية لتنبئ أن عقلية الدكتور محمد صادق الكرباسي واعية تماماً بالسياق التاريخي للأحداث، والأحداث نفسها، كما توحي بفهم الراوي للسياق النفسي داخل الذوات، سواء كانت أساسية أم ثانوية، وهذا يجعلنا في قلب الحدث التاريخي كما وقع، بل وفي قلب التصور الذهني عن العصر وجوانبه المعرفية والإجتماعية والإقتصادية والإنسانية).

فالنفس في عالم مضطرب تبحث عن ذاتها حتى تطمئن، والإطمئنان يتأتى من الركون الى الذي لا يزيده العطاء إلا غنى وتفضلا على العباد (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) سورة الرعد: 28، من هنا نقرأ قصة يوسف وهو في الجب يبحث عن الخلاص ثم يخرج منه في الثالث من محرم الحرام بعد ثلاثة أيام من الموت المحتم، ومن هنا أيضا نقرأ قصته وهو في قصر العزيز تحوم حوله عيون صويحباته، ففضَّل السجن عشرين عاماً على الشهوة العابرة في عشرين دقيقة، فكان السجن مرقاه الى العرش بعد أن اطمأنت النفس أنَّ بعد العسير يسرا، وكما قال يوسف الصدّيق في وصاياها: (إصبر كما صبروا، تظفر كما ظفر)، فكان مصداقها حيث صبر كما صبر أولو العزم فظفر مثلما ظفر به سليمان من ملك عظيم، ليس الصبر هو كل ما عنته قصة يوسف، ولكنه مفتاح الفرج، والمفتاح من طبعه أن يفكّ المغاليق من أبواب الحياة، ربما تكفي خصلة الصبر عبرة لنا في عالم متسارع كل شيء فيه يسير في الاتجاه المعاكس.


د. نضير الخزرجي

 

الرأي الآخر للدراسات- لندن 


 

2014-07-16 - عدد القراءات #6718 - تعليق #0 - مقالات ثقافية

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي