القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

حيدرعبدالرحيم الشويلي
حيدرعبدالرحيم الشويلي

من نحن

about us

حوارات عامة/مجلّة روز يوسف الثقافيّة تحاورُ آمال عوّاد رضوان

د. عبدالحسين شعبان
د. عبدالحسين شعبان
  الدكتور عبد الحسين شعبان  

 

مجلة سفيل الكردية  تحاور الأكاديمي والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان

أجرى الحوار- فيصل خليل (مدير التحرير)

1-      بعد سقوط النظام البعثي قال معظم العراقيين  لقد تجاوزنا المحنة، وإن أيام الدمار و التخلف و الدكتاتؤرية قد مضت و لن تعود، ولكن بعد عشرة أعوام لم يتحقق هذا الامل، و المشهد العراقي يوما بعد يوم يصبح أكثر تراجيدياً، ومستقبلنا غامض الملامح ، برأيك ما هو أسباب ذلك؟

 

ج1- للأسف الشديد لم تتمكن النخب السياسية والفكرية من تجاوز آثار الماضي المأسوية باتجاه بناء نظام بديل، بل سعت القوى السياسية، لا سيّما التي توافقت مع المحتل إلى الحصول على " غنائم" ساهمت في تكريس المحاصصة الطائفية والإثنية وفي تفشي الإرهاب والعنف واستشراء الفساد الإداري والمالي.

وكان من نتائج نظام الفوضى الخلاّقة الانقسام المجتمعي تحت عناوين مختلفة، تلك التي عبّرت عنها مراكز الأبحاث الأمريكية والغربية لنحو عشرين عاماً تقريباً ومنذ الحرب العراقية- الإيرانية، بأن الدولة العراقية مصطنعة وهي ليست سوى مكوّنات شيعية وسنّية وكردية، وإن لا هوّية موحّدة للمجتمع العراقي، وهو ما استند إليه بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد جي غارنر، والذي شكل مجلس الحكم الانتقالي على أساس هذه الفرضية التي تكرّست على نحو مريع، واستثمرها أمراء الطوائف لتعزيز امتيازاتهم ومكاسبهم، في ظل صراع محموم، تعويلي.

وكلما ازدادت حدّة المشاكل والخلافات بين الأحزاب والقوى المشاركة في العملية السياسية، وشعر أحد الأطراف بضعفه، إلتجأ إلى المحتل لتعديل الميزان، وهكذا أصبح المحتل "الخصم والحكم" في الآن ذاته، ولو استعرضت كم مرّة لجأ هذا الطرف أو ذاك إليه حتى بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، ستتأكد أنه دوره لا يزال مؤثراً وقوياً ولا يمكن استبعاده أو تجاهله، لا سيّما في المسائل الحساسة، مثل النفط والجيش والتسلّح والعلاقات الدولية وعموم القضايا الاقتصادية والستراتيجية.

               اليوم وبعد مرور عشر سنوات وصل الجميع إلى قناعة، أننا أمام تحدّيات كبرى إن لم نعمل على مواجهتها، فإن البلاد مقبلة على التشظّي والانشطار، لا سيّما في ظل الحراك الشعبي الذي ابتدأ في الأنبار وانتقل إلى صلاح الدين والموصل وديالى وكركوك وبعض أجزاء من بغداد (بغضّ النظر عن بعض شعاراته، لكن غالبية مطالبه مشروعة باعتراف الجميع)، فضلاً عن لعبة شدّ الحبل بين بغداد وإربيل، وقد يكون من مصلحة البعض الإبقاء عليها، الأمر الذي سيكرّس الأمر الواقع ليصبح واقعاً مع مرور الأيام، حيث تتخذ العلاقات بين الأطراف المختلفة طابع التقاطع أو التعارض، حتى وإن كانت بعض خيوطها لا تزال في بغداد.

 

2-      البعض يقول أن الحل للمشاكل موجود في العراق فهل  الأمر يتعلق بتقوية المركز، أي تقوية الحكومة العراقية، ولكن هناك مخاوف عند البعض الآخر باعتبار، أي خطوة تجاه تقوية المركز تعني العودة  إلى الدكتاتؤرية و التسلطية، هل هناك امكانية لتقوية الحكومة المركزية  وما هي الضمانات كي لا تتحول إلى الدكتاتورية ؟

 

ج2- لا تقوية المركز ولا إضعافه هو سبيل حل الأزمة السياسية العراقية، وللقوة والضعف معاني مختلفة، فالقوة بالنسبة لي تعني تعزيز المواطنة والمساواة ومبادئ الشراكة الحقيقية واحترام حقوق الانسان، وهي غير العنف أو استخدام القوة لارغام كردستان على الانصياع أو ارغام المناطق الغربية على الرضوخ. كما هي لا تعني بالنسبة لي ابتزاز الحكومة الاتحادية لقبول جميع المطالب للقوى المختلفة تحت عناوين متنوّعة.

كما أن قوة المركز لا تعني العودة إلى الدكتاتورية بالضرورة، وإذا قررنا رغبة العيش المشترك، فلا بدّ من أن يكون العراق قوياً ككل، أي ينبغي أن تتمتع الدولة الاتحادية بكل مصادر القوة، وخصوصاً بالقواعد التي أشرت إليها ، وهي قواعد للقوة الناعمة، أما القوة الخشنة أو استخدام القوة العسكرية أو العنف أو الردع بالسلاح، فينبغي توديعه إلى غير رجعة من جانب حكومة بغداد أو من جانب القوى التي تختلف معها، لا سيّما وأن عالم اليوم يتعارض مع مثل هذه التوجّهات، بل يقف بالضد منها ويدينها، وهنا لا بدّ من البحث عن المشتركات وحل الخلافات بالوسائل السلمية وبالحوار وبقناعة الناس ورضاهم، وليس بفرض حلول عسكرية أو استخدام القوة العسكرية والعنف لتحقيق الأهداف.

لقد فشلت جميع الحكومات العراقية السابقة من تحقيق " أهدافها" في القضاء على الحركة الكردية،واضطرّت إلى التفاوض معها والجلوس إلى طاولة الحوار، فبعد انتصار ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 تحقق أول إنجاز كردي بالاعتراف بشراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي دستورياً، ثم جاء بيان 29 حزيران (يونيو) 1966 ليعطي بعض الحقوق للكرد وإن كان أقرب إلى هدنة طويلة، وبعد قتال مرير توصّل الطرفان الحكومي والكردي إلى بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 الذي اعترف من حيث المبدأ بالحكم الذاتي، وصيغ دستور العام 1970 على أساس الاعتراف بقوميتين رئيستين هما العربية والكردية، مثلما اعترف بحقوق الشعب الكردي.

وكان اليسار العراقي قد دعا منذ وقت مبكّر إلى حق تقرير المصير وذلك منذ العام 1935 وأكد الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي العراقي على مبدأ "الاستقلال الذاتي لكردستان"، وهو من أوائل القوى التي دعت إلى الفيدرالية.

قلت إن الحكومات فشلت باللجوء إلى الحلول العسكرية من تحقيق أهدافها، كما أن الحركة الكردية هي الأخرى لم تحقق أهدافها بالوسائل العسكرية، وإن حملت السلاح فإنما كان دفاعاً عن النفس، ولهذا فإن تحقيق الأهداف لن يتم الاّ باللجوء إلى طاولة الحوار، وقوة العراق هو بتعزيز العلاقة بين كيانياته الإثنية العربية والكردية وغيرها، الأساس الذي بُنيت عليه الوحدة الوطنية العراقية، وهو ما كنّا في أوساط اليسار نقوله عنه " الصخرة التي تحطّمت عليها مؤامرات الاستعمار والرجعية"، وأظن أن مثل هذا الشعار يظلّ صحيحاً وإن اختلفت سبل تحقيقه.

 

3-      الدستور يعرّف العراق باعتبار دولة برلمانية، ولكن نحن نرى ان المالكي ضمنيا لايعترف بمجلس النواب و الدليل على ذلك أنه غير مستعد للمثول أمام النواب، ألا يعتبر هذا تهميشاً لدور مجلس النواب؟

 

ج3- التجربة العراقية لا تزال هشة ومتعثّرة ناهيكم عمّا صاحبها من ألغام في الدستور، وهذه الألغام تنفجر بين حين وآخر، مثلما ينفجر العنف والارهاب ويضرب المجتمع بالصميم. وبتقديري أن الخلل الأساسي هو في الدستور الذي هو حمّال أوجه وقابل للتفسير والتأويل المتناقض، وهو عبارة عن "كشكول"، احتوى على كل شيء وإن كان أحياناً بدون هارموني أو تناسق، فكيف تكون الشريعة الإسلامية مرجعية وإن لا تصاغ القوانين، بما يتعارض مع أحكامها، وفي الوقت نفسه أن لا تتعارض مثل هذه القوانين مع مبادئ الديمقراطية؟ وماذا إذا حدث الاختلاف بين مبادئ الديمقراطية وما يقصده البعض بالإسلام، لا سيّما في ظل أصابع المفسرين والمؤولين باسم الدين فلمن ستكون الغلبة؟

هناك تناقضات بخصوص النفط والغاز باعتبارهما "ملك الشعب" مع حقوق الأقاليم، فضلاً عن حدود الاقليم وعلاقته بالدولة الاتحادية، هل هي علاقة تواؤم وانسجام أم تعارض وعداء؟ هل نتحدث عن دولة واحدة نريد تقويتها بكل أقاليمها ومحافظاتها، أم أمام مركز وأطراف، يعمل كل ضد الآخر؟ وما هي علاقة الهوّية المشتركة الجامعة والهوّية الفرعية والخصوصية؟ وكيف السبيل إلى مواطنة متساوية؟

إن مسألة صلاحيات الأقاليم وحدودها هي مثل الألغام غير الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في أية لحظة، وهو ما زرعه الدستور في ثناياه، ويتعلق الأمر بالعلاقات الدولية والخارجية، فما معنى وجود ممثليات للأقاليم لمتابعة الشؤون الثقافية والإنمائية والاجتماعية؟ وهو ما لم أجده في أي دستور فيدرالي، وكذلك الأمر بالنسبة لعلاقة الجيش مع البيشمركة، فالعلاقة لا تزال ملتبسة وتثير الكثير من الغموض والابهام والمشاكل.

لقد كنت من أوائل الداعيين ولا زلت لنظام فيدرالي تعددي دستوري ديمقراطي، وليس بالضرورة كل فيدرالية ستكون ديمقراطية، ولكن كل نظام ديمقراطي يمكن أن يكون فيدرالياً، ولذلك فإن الأساس هو بناء الديمقراطية وتعزيز وجود مؤسسات إضافة إلى قوانين ديمقراطية، ومن ثم مراقبة ومساءلة تطبيق هذه القوانين وإنفاذها عبر جهات مختصة وقضاء مستقل ونزيه ومهني، وهذه هي أساس أي عملية ديمقراطية، لا سيّما بدستور يقرّ الحريات والمساواة والمواطنة الكاملة دون أي تمييز.

لا البرلمان يمكن أن نقول عنه أنه يعمل في نطاق اختصاصاته ولا رئيس الوزراء أو الوزارة تعمل في نطاق اختصاصاتها، وكل يستقوي على الآخر بحجة المكوّنات والكتل والجماعات الحزبية والطائفية، ولا يستطيع أحد أن أن يقصي المقصّر لأن هناك من سيدافع عنه بزعم انتمائه إلى كتلة وهكذا يتم التغليس عن المفسدين بحجة "الشراكة" المزعومة والديمقراطية التوافقية. وبصراحة فالتجربة حتى الآن لم تثبت نجاعتها وهي تسير من تعثر إلى آخر ومن تراجع إلى تراجع أكبر، ونحن بحاجة إلى عملية انقاذ على الرغم من الأخطاء والنواقص والثغرات، لإعادة المسألة إلى حوار شامل في مؤتمر عراقي يأخذ بنظر الاعتبار التنوّع والتعددية بعيداً عن المحاصصة والتقاسم الوظيفي، والاّ فإن مصير البلاد صائر إلى الانقسام.

 

4-      العرب السنّة في العراق كانوا يقاومون وجود الأمريكان في العراق، و كانوا يأملون أن يرحل " المحتل" حسب ما يصفونه، ولكن انسحاب الامريكان و مشاهد بعد هذا الانسحاب أثبت ان السنوات اللاحقة كانت أكثر ضرراً، وأصبحوا مستهدفين أكثر من قبل الحكومة العراقية ذات الأغلبية الشيعية؟ وكان الأكراد لديهم مخاوف من انسحاب القوات الامريكية، فهل الاكراد كانوا على صواب في مخاوفهم، وهل الحكومة العراقية أصبحت اكثر قوة لضرب خصومها بعد الانسحاب؟

 

ج4- هناك مقاومة مدنية واسعة للاحتلال، مثلما كانت هناك مقاومة مسلحة. لم يكن السنّة وحدهم هم من قاوم الاحتلال وإن كانت المناطق التي يمثلون فيها أغلبية قد اتخذت هذا السبيل، ولكن كان هناك ممانعة واعتراضاً عراقياً عاماً، لا سيما لدى عرب العراق في الغالب، وإن كان البعض يريد إبقاء القوات الأمريكية بزعم المخاوف من الحرب الأهلية. وأعرف أن هناك قوى وتيارات سياسية بعضها كردية وبعضها الآخر يسارية كانت قد دعت إلى الإبقاء على القوات الأمريكية، تارة بحجة أن العراق سيقع في إطار الهيمنة الإيرانية، وأخرى أن الحرب الأهلية ستكون تحصيل حاصل، ولكن الأمريكان اضطرّوا إلى الانسحاب لأسباب تتعلق بأوضاعهم الخاصة بعد الخسائر المادية والمعنوية، لا سيّما البشرية التي تعرضوا لها حيث بلغ عدد قتلاهم أكثر من 4800 عسكرياً إضافة إلى نحو 26 ألف جريح حسب إحصاءات للبنتاغون، وهذه الأرقام لا تشمل أعداد القتلى من المدنيين ومن أفراد الشركات الأمنية مثل بلاك ووتر وغيرها.

أما السبب الثاني والمهم للانسحاب الأمريكي بعد المقاومة السلمية وبعد العمليات المسلحة ضد القوات المحتلة، فهو الأزمة المالية والاقتصادية الكبرى وانهيار مصارف ضخمة وشركات عملاقة وقد بلغت خسائرهم المادية بسبب احتلال العراق نحو تريليوني دولار، وقد لعب الرأي العام الأمريكي والغربي عموماً المناهض للحرب والرافض للوجود الأمريكي في العراق دوراً كبيراً في الإسراع بالانسحاب مثلما وعد به الرئيس أوباما، لا سيّما بعد فشل سياسة سلفه الرئيس بوش الذي اعترف بعدم صحة المعلومات التي وصلته بشأن أسلحة الدمار الشامل، أما عن علاقة الحكومة العراقية السابقة بالارهاب الدولي وتنظيمات القاعدة، فقد تحوّل العراق بعد الاحتلال إلى أرضية خصبة لتفريخه وبيئة مناسبة لتفقيس بيضه، فضلاً عن انتقال الارهابيين منه وإليه، مع معدّاتهم وأسلحتهم، وهم الآن ينتقلون إلى سوريا بكل ارتياح وخفّة!.

لم يكن الحكم في السابق سنّياً، مثلما ليس الحكم في الحاضر شيعياً، وإذا كان دور بعض النخب التي تنتمي إلى السنّة كبيراً في حكم العراق، فإنها لم تحكم باسم السنّة أو في إطار برامجهم علماً بأنه لم تكن توجد كتلة أو تياراً باسم السنّة، بل حكمت تحت عناوين مختلفة تارة باسم القومية وأخرى باسم الوطنية، وهكذا حتى وإن كان ثمة قانون زرع البذرة الطائفية قانونياً، وأعني بذلك القانون رقم 42 لعام 1924 الذي شرّع قبل الدستور العراقي الأول والدائم العام 1925، وعلى أساسه صيغت القوانين والقرارات الخاصة بالجنسية سواء قانون رقم 43 لعام 1963 والعديد من قرارات مجلس قيادة الثورة بعد العام 1968، وصولاً للقرار 666 الصادر في 7 أيار (مايو) 1980، الذي تم بموجبه تهجير عشرات الآلاف من المواطنين العرب بحجة التبعية الإيرانية المزعومة عشية الحرب العراقية – الإيرانية وكذلك عشرات الآلاف من الكرد الفيلية.

كما أن الحكم الآن ليس بيد الشيعة، وإن كانت جماعات دينية شيعية تتولى السلطة السياسية بشكل أساس أو لديها اليد الطولى فيه، لكن لا السنّة ولا الشيعة لهم علاقة بحكومات الماضي أو حكومات الحاضر وإنما من يحكم جماعات سياسية سواءً تعكّزت على القومية أو الوطنية أو الدين أو الطائفة، لكن هذه المكوّنات لا علاقة لها بمن يحكم.

والشيعة والسنة طائفتان كبيرتان لا يمكن اختزالهما بمجموعات صغيرة  مذهبية أو تحكم باسمها، وهم موزعون على التيارات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، لأنهما يمثلان عرب العراق الذي يؤلفون نحو 80% من سكان العرقا ويؤلف المسلمون نحو 95% من سكان العراق بضم الكرد اليهم. ولعلّ 68% من أعضاء حزب البعث كانوا من الشيعة وأن جلّ الجيش العراقي من الشيعة، وأن غالبية أعضاء الحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب والناصريين كانوا من الشيعة، أو أن أصولهم أو امتدادات عوائلهم تعود إلى الشيعة، مثلما كانت الحركة القومية منتشرة في المناطق السنّية، قسم منها لأسباب تاريخية ومناطقية وعشائرية، في حين أن الحركة اليسارية كان نفوذها كبيراً جداً في المناطق الجنوبية إضافة إلى كردستان، وإن كان حضورها لابأس به في مناطق غرب العراق، خصوصاً في هيت وعانة، إضافة إلى الموصل.

وأعتقد أن الشيعة والسنّة لم يتصارعوا لا في السابق ولا في الحاضر، وإن كان أمراء الطوائف هم من يقودون الشحن الطائفي، لكن المواطن العادي سواء كان شيعياً أو سنياً، فلا علاقة له بذلك، أما الانتماء لطائفة فهو مسألة ليست من اختيار الفرد مثلما هو الدين، فلو ولدت في الصين لأصبحت صينياً وربما بوذياً أو كونفوشيوسياً، مثلما لو كنت قد ولدت في إيطاليا لكنت إيطالياً ومسيحياً وهكذا.

الاختلاف حول الطائفية وليس الطائفة، فهذه الأخيرة لديها طقوس وعادات وتاريخ، في حين أن الأولى تدعو للتسيّد بحجة المظلومية أو الأفضلية وامتلاك الحقيقة أو غير ذلك.

على عرب العراق طمأنة كرد العراق، بأنها مع حقوقهم بما فيها حقهم في تقرير المصير واختيار شكل العلاقة مع الشعب العربي، مثلما على كرد العراق طمأنة عرب العراق، بأنهم اختاروا الاتحاد الاختياري بصورة طوعية وأنهم مع وحدة العراق، طالما تلبي طموحاتهم وحقوقهم في دولة مواطنة سليمة وحقوق متساوية وشراكة حقيقية.

5-      في الماضي كانت السلطة بأيدي السنّة، وكان يُظلم الشيعة و الأكراد، وبعد سقوط النظام البعثي وقعت السلطة بين ايدي  الشيعة و هم الآن يظلمون السنّة، هل أصبح العنف جزءًا من السياسة في العراق وهل اصبح العنف ثقافة عند السياسيين في العراق؟

 

ج 5-العنف سمة سائدة في العراق، وأول من أسس للعنف نوري السعيد بإعدام الضباط الأربعة الذين قادوا حركة رشيد عالي الكيلاني العام 1941، ثم إعدام القادة الشيوعيين في العام 1949 وفي مقدمتهم فهد، وقبل ذلك قمع تظاهرة بالرصاص سقط فيها شاؤول طوّيق (اليهودي) العام 1946.

ولعلّ العنف واستخداماته كانت قد تطوّرت في أعقاب إبرام معاهدة بورتسموث العام 1948 وفي العام 1952 اثر الانتفاضة، لكن العنف الأساسي جاء عشية وبعد ابرام ميثاق حلف بغداد العام 1955، بإصدار القوانين الغليظة المقيّدة للحريات تحت عناوين مكافحة الأفكار الهدّامة وإسقاط الجنسية العراقية عن عدد من العراقيين المعارضين وتكميم الأفواه وإغلاق ما تبقى من الصحف ومن حرّية التعبير، وفيما بعد الموقف من انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر ضد العدوان الانكلوفرنسي الاسرائيلي.

وعندما جاءت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 افتتحت باكورة أعمالها بالعنف بتصفية العائلة المالكة، وحين هيمن الحزب الشيوعي على الشارع مارس عنفاً فكرياً وسياسياً ضد خصومه، وكانت أحداث الموصل المفجعة ومن ثم أحداث كركوك المأساوية العام 1959 سبباً في انفتاح العنف على مصراعيه في وقت لاحق، وصولاً إلى انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 حيث مارس الحرس القومي أبشع أنواع التعذيب والارهاب والعنف ضد المواطنين وضد من اعتبرهم خصوماً أو أعداء لهم ولحزب البعث.

وعندما عاد حزب البعث إلى السلطة مرّة ثانية في 17 تموز (يوليو) العام 1968 بدأ بالعنف الناعم والقضم التدريجي، وهكذا استفرد بالجميع واحداً بعد الآخر إلى أن استحوذ على جميع مقاليد البلاد وصفّى آخر هوامش الحريات الشحيحة، فبدأ بالإقصاء والعزل والتهميش ابتداء من القيادة المركزية للحزب الشيوعي والكرد والقوميين العرب (غير البعثيين) والشيوعيين بعد جبهة وطنية مختلة التوازن وفيها تابع ومتبوع وكذلك استهدف الإسلاميين ونكّل بهم على نحو بشع، بل إنها شملت حتى البعثيين سواء من جماعة سوريا أو البعثيين من النظام ذاته، لا سيما بعد مجزرة قاعة الخلد الشهيرة في العام 1979، حين أعدم 22 بعثياً قيادياً. ومارس حزب البعث ونظامه العنف خارجياً بشن الحرب على إيران العام 1980 وبغزو الكويت العام 1990، ووقع العراق ضحية المغامرات العسكرية تحت حصار دولي جائر دام 13 عاماً، إلى أن جاء الاحتلال في العام 2003 بعد حرب ظالمة وتحت مزاعم واهية.

استمرّ العنف بعد الاحتلال، عبر عمليات ارهاب منظم وغير متوقّف، سواء من جانب المحتل أو من جانب الميليشيات الطائفية أو الجماعات الارهابية المسلحة، ولا سيما تنظيمات القاعدة الارهابية وغيرها من الجماعات التكفيرية، ذلك أن ثقافة السلاح والعنف وارغام الخضم على الانصياع أو الرضوخ ولوي الذراع لا تزال مستمرة، بل هي تشكل المشهد السياسي السائد، حيث الخشية والحذر والغدر والكراهية المستترة أو المعلنة، وبالتالي "الكل يريد أن يتغدّى بخصمة قبل أن يتعشى هو فيه" وذلك لانعدام الثقة.

6-      تزامناً مع الوضع السوري، نجد المشكلة السنية تتفاقم في العراق، هل تتوقع ان تختلط الأوراق و أن تتجاوز المشكلة السورية حدودها، و تتدخل الحكومة العراقية بالشأن السوري؟

 

ج6- بغضّ النظر عن المشكلة السورية، فإن هناك شعوراً بالتمييز رافق المناطق الغربية من العراق، لا سيما في ظل ضعف هيبة الدولة، وسياسات الاقصاء التي شملت أعداداً واسعة من الذين كانوا محسوبين على النظام السابق، عسكريين ومدنيين، بسبب قانون اجتثاث البعث، وفيما بعد المساءلة والعدالة.

صحيح أن بعض الأوراق بدأت تختلط، فبعض دعاة الفيدرالية بما فيهم لمحافظات الجنوب انكفأوا، بل أن بعضهم أخذ ميله يشتد إلى الدولة المركزية، في حين أن أعداء الفيدرالية والذين صوتوا ضد الدستور أو تحفظوا عليه بسبب الفيدرالية، ولا سيّما فيدرالية كردستان، أصبح بعضهم من دعاتها ومن المتحمسين إليها.

وكلا الموقفين بتقديري كانا خاطئين، وينطلقان من حسابات ضيقة ومصالح ذاتية أنانية. قلت مرّة لأحد المسؤولين الكرد هل تعتقد أن الفيدرالية ستتم بصفقة سياسية أم قناعة من جانب عرب العراق؟ وقد حاول تبرير تأييدهم لفيدرالية الجنوب (غير المكتملة الملامح) لأن عمر الصفقات قصير، فقد تم اعتراف عبد الكريم قاسم بحقوق الكرد واعترف البعثيون بالحكم الذاتي، ولكن أين نتائج ذلك؟ فما بالك إذا كانت الصفقة مع جماعات صغيرة، يتوهم البعض أنها تمثل هذه الطائفة أو تلك، في حين أنها تمثل أحزاباً سياسية محدودة التأثير حتى وإن حازت اليوم بفعل عوامل مختلفة على أغلبية في الانتخابات خصوصاً في ظل اختطاف الوعي أو تغييبه. وهنا أتحدث كأمر موضوعي وليس من باب التقليل من شأن هذه القوة السياسية أو تلك، وطالما الكتل والتيارات الأخرى ضعيفة ومتشتتة، لا سيما قوى اليسار والتنوير، فإن هذا المشهد سيبقى لحين.

قد تتعرض سوريا أيضاً لانشطارات أميبية، فهناك من يريد إقامة دويلات في دمشق وحلب (سنيتان) وفي السويداء درزية وفي الساحل والجبل علوية وفي عفرين والقامشلي كردية، أما دير الزور فيمكن أن تلحق بالمنطقة الغربية من العراق وقد يكون جزءًا من إقامة إقليم الأنبار الموسع. أعرف أن مثل هذا الأمر قد لا يتحقق أو أنه في القريب العاجل قد لا يجد فرصة لقيامه، لكن الجهات الدولية، بما فيها " إسرائيل" تسعى إليه وتعمل من أجله وهناك قوى محلية تعتقد أن مصلحتها في حدوثه.

 

7-      مشكلة الاكراد مع السيد المالكي هي مدينة كركوك، ما هو رأيك عن الخلافات الموجودة بين المالكي و الاكراد؟

 

ج7- كركوك "قدس الأقداس" كما قال عنها جلال الطالباني، لكنها "لقمة" لا يمكن بلعها، وقد يغصّ بها من يريد بلعها بسرعة، وربما ستجري محاولات لشطرها إلى عربية- تركمانية وأخرى كردية، وستكون المساومة على النفط مقابل تنازل عن مناطق أخرى (الأرض مقابل الأرض). لكن كركوك مشكلة معقّدة وهي جزء من عقدة العراق، فبعد بيان 11 آذار (مارس) 1970 بقيت كركوك عقدة ومؤشر تقدّم أو تراجع العلاقة مع حكومة بغداد وحاولت بغداد بحكم عقليتها البعثية وبعض الاتجاهات الشوفينية آنذاك تعريب المنطقة، وتقديم تسهيلات وامتيازات للعرب الذين ينتقلون إليها، وأصدرت في العام 2001 قراراً (من مجلس قيادة الثورة) في 6 أيلول (سبتمبر) بإمكانية تغيير قومية من يريد تغيير قوميته إلى العربية في حالة حصول  خطأ ما، لكنها لم تعطي مثل هذا " الحق" للغير لتغيير قوميته من العربية إلى الكردية أو التركمانية فيما إذا حصل خطأ أو سهو.

وإذا كان خطأ محاولة تغيير التركيب السكاني والواقع الديموغرافي  لكركوك فإنه من الخطأ التفكير اليوم بنفس عقلية الأمس. لا بدّ من إعادة من يريد العودة إلى مسقط رأسه ولكن دون إكراه، كما لا بدّ من تعويض المتضررين، ولا بدّ من التنافس المشروع العربي، التركماني، الكردي لتقديم أفضل الخدمات لكركوك وليس عبر العنف أو الأعمال المسلحة أو استعراض القوة أو الاستقواء بهذا الموقع أو ذاك، فالقضية لن تحلّ إطلاقا بهذه الأساليب.

وأظن أن المادة 140 مهما تحدث الأطراف المتنازعة عنها ومهما تدخّلت الأمم المتحدة، ومهما جرت من محاولات تكييفها إلى صالح هذا الفريق أو ذاك، فإنها لن تحلّ الموضوع، والحل الوحيد هو بالاتفاق والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وتقديم المزيد من الخدمات للسكان واحترام حقوق الإنسان والسير في طريق التنمية، والتعايش، فذلك السبيل الوحيد للابقاء على المدينة.

يمكن لكركوك أن تكون ضمن اقليم كردستان أو في اقليم مستقل أو ضمن اقليم عربي مع مراعاة الحساسيات التركمانية والكردية، ولكن في كل الاحوال لا بدّ من احترام إرادة السكان واحترام حقوق الإنسان، فالإنسان هو مقياس كل شيء حسب الفيلسوف الاغريقي بروتوغوراس، ولا يوجد أثمن منه ومن أجله صيغت الأفكار والآيديولوجيات وجاءت الأديان.

إن مشكلة كركوك كانت مع جميع الحكومات في السابق وستبقى في الحاضر، فالجعفري اعترض عليه الكرد بسبب موقفه من كركوك، والمالكي بشأن موقفه في عموم العلاقة الحكومية – الكردية، والشهرستاني بسبب موقفه من النفط، وعدد من قيادات القائمة العراقية بسبب موقفهم من فيدرالية إقليم كردستان، وكذلك بسبب مواقفهم من كركوك والمادة 140 وقبلها المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية. الأمر يحتاج أيضاً إلى حوار وطني ولا بدّ من اعادة السيوف إلى أغمادها والتفكير بعقل بارد وقلب حار، وبمسؤولية إزاء مصالح الكرد وكذلك مصالح العرب والتركمان، وبالتالي مصالح العراق.

 

8-      الان بعض الاكراد يتكلمون عن الدولة الكردية، و هذا الكلام على صعيد شعبي وسياسي؟ ولكن هناك مراعاة لظروف اقليمية و دولية، برأيك هل اصبح الاكراد قريبون من تحقيق حلمهم؟

9-      في ضوء التجربة السودانية، هل من ممكن ان تأسس الدولة الكردية دون الحرب؟ خصوصا نجد المشكلتين الأساسيتين هما النفط و الأرض؟

 

ج 8-9 ستقوم الدولة الكردية إن آجلاً أم عاجلاً، وقد تكون استحقاقاً لاحقاً، قد يطول أمده وقد يقصر، ولكنه سيكون بلا أدنى شك موضوعاً مطروحاً في الأروقة الدولية، وهو ما قلته قبل أكثر من عقدين من الزمان ولا زلت مؤمناً ومتمسكاً به، ولكن الدولة لها شروطها، وإن أصبح العيش المشترك مستحيلاً، فلا بدّ من الطلاق حتى وإن كان "أبغض الحلال عند الله" كما يقال، وحبذا لو كان سلمياً أو مخملياً كما حصل بين التشيك والسلوفاك في العام 1993، وظلّت العلاقة قائمة وقوية وبعض المرافق مشتركة حتى الآن.

وكعربي وأعتز بعروبتي فأنا مع حقوق الكرد بما فيها حقهم في تقرير المصير وإقامة كيان مستقل بما فيه (دولة) يعبّر عنهم، وقد نما مثل هذا الأمر مع وعيي الأول عندما وجدت أولى خطواتي مع الحزب الشيوعي بُعيد الكونغرس الثاني عندما كنت فتىً، ولا سيّما بحكم الجو العائلي والثقافي والمديني.

ولا اعتبر موقفي من القضية الكردية منّة أو هبة أو هدية ولا أقوله من باب المجاملة السياسية أو التقرّب من القيادات الكردية، بل هو إقرار بواقع أليم ولا إنساني عانى منه الشعب الكردي، ولا شكّ أن هناك فرقاً بين الموقف من القضية الكردية وبين تأييد مواقف القيادات الكردية التي قد تخطأ وقد تصيب وتقترب من مصالح الشعب الكردي وقد تبتعد، فالأمر يتعلق بالسياسة، والسياسة كما تعلم فيها الكثير من المراوغات والمصالح والمساومات والأخطاء وحتى الخطايا.

ويمكن إقامة دولة كردية دون حرب أو نزاع مسلح وبالاتفاق والتنازلات المتبادلة، وهو ما يخضع لتوازن القوى والمصالح والتحالفات العراقية والإقليمية والدولية. وتجربة جنوب السودان وإن لم تكتمل فإنها تقررت بعد استفتاء وحصلت دولة جنوب السودان على عضوية الأمم المتحدة بعد استفتاء شعبي لصالحها حيث نالت فيه على أكثر من 98% من المؤيدين لقيامها.

ويمكن حل مشكلة النفط ومسألة الأراضي بشكل سلمي، وبما يختاره السكان بإرادتهم سواء قدّرواً الانضمام إلى هذا الجانب أم ذاك، ولكن المهم أن تبقى العلاقات الشعبية التاريخية قائمة ومستمرّة ومتطوّرة.

 

10-  في 2003 طرح جو بايدن مشروعاً لتقسيم العراق، مع انتقادات العرب لهذا المشروع وبعد مرور عشرة اعوام من التجربة، هل ممكن أن نقول أن ما طرحه بايدن هو أفضل الحلول لمشاكل العراق؟

 

ج 10- مشروع بايدين هو استمرار لمشاريع كثيرة في المنطقة، قبله كان كيسنجر قد قال: لا بدّ أن يكون وراء كل بئر نفط إمارة، ودعا بريجنسكي في كتابه "أمريكا والعصر التكنوتروني" إلى إقامة مجتمعات الأقليات، حيث لا وجود للأغلبية، فالعرب أقلية والمسلمون منقسمون بين سنّة وشيعة والكرد أقلية والتركمان أقلية والدروز أقلية والمسيحيون أقليات موزعة على الطوائف، واليهود أقلية، ولكنهم الأقلية المتميزة تكنولوجياً وعلمياً والمحظية من الغرب، وهكذا يمكنها التسيّد على الأقليات الأخرى، وقبل ذلك كان إيغال ألون قد طرح مشروع تقسيم دول المنطقة في العام 1982، والأهم من كل هذه المشاريع هو مشروع برنارد لويس الذي كان يقضي إلى وضع خرائط لـ 41 دويلة في المنطقة، وهو بمثابة سايكس بيكو الثانية أو مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد.

كان فولر من مؤسسة راند Rand الأمريكية المقرّبة من وكالة المخابرات المركزية الـCIA قد طرح في العام 1992 هل سيبقى العراق موحداً للعام 2002؟ وجاء دور هذا السؤال بعد الاحتلال، وإذا بنا أمام مشروع بإشراف المحتل وقيادته وإن كان سيأخذ مراحل متعددة روّج له جو بايدن قبل أن يصبح نائباً للرئيس وحصل في العام 2007 على موافقة الكونغرس، كما عرضه على بعض ممثلي الدول الكبرى في الأمم المتحدة.

وحتى لو كان مشروع بايدن افتراضياً فإن مثل هذه الافتراضات قد تتكرس ويصبح الأمر الواقع واقعاً، ولكن بايدن لا يريد مشروعاً لدولة عراقية موزعة إلى فيدراليات، وإن ما بطرحه يقترب من مشروع تقسيم قد يحدث بعد صراعات ونزاعات وربما حروب.

للأسف الشديد بعض من عارض بايدن في السابق، بدأ بفعل الشعور بالحيف، وكأنه يريد تطبيقه أو حتى يتمنّاه لاعتقاده أنه سيضع حدّ لتهميشه، في حين أن مخاطر مثل هذا المشروع ستكبّله وتجعل من العراق، دولة فاشلة حتى وإن بقت شكلياً موحدة، وإن كان كل شيء في العراق يتجه بهذا المسار، لكن ثمة ردود فعل كبيرة إزاء المشروع، وربما عندما حاول بعض أمراء الطوائف تبنّيه فعلياً وإقامة نقاط تفتيش واستهداف مدنيين لتوتير الأجواء، هبّ العديد من القوى من أبناء المحافظات الغربية للتنديد به، وتنبّه له الكثير من عرب العراق الذين طالبوا رئاسة الوزارة الاستجابة إلى مطالب المحتجين سريعاً لكي لا تتطور الأمور باتجاه الانشطار واللاعودة.

 

11-  المعروف عنك، أن لديك علاقة طيبة مع الاكراد، وأنك تزور كردستان باستمرار، ماهي قراءتك لمستقبل إقلميم كردستان العراق؟

 

ج 11- كنت ولا زلت اعتز بعلاقتي بكردستان وصداقاتي مع النخب السياسية والفكرية والثقافية، وإن كنت أختلف مع بعض التوجّهات السائدة، لكنني حاولت دعم التجربة منذ بداياتها ولحد الآن، دون أن تؤثر ملاحظاتي المكتوبة والمنشورة على مدى السنوات العشرين ونيّف على ذلك، خصوصاً فترة الاقتتال الكردي – الكردي (1994-1998). وكنت قد قلت إذا كان تقسيم كردستان بين إربيل والسليمانية خطيئة، فإن الاقتتال جريمة لا بدّ أن تتوقف، وأن يستطيع الشعب الكردي تحقيق طموحه، وهو يستأهل أكثر من ذلك.

أعتقد أن ما تحقق على الرغم من النواقص والثغرات والعيوب غير قليل، من مؤسسات سياسية ومدنية وقانونية وقضائية وإعلامية وتربوية، وهو بحاجة إلى المزيد من الحريات والشفافية ومحاربة الفساد والتخلّص من المنافسة غير المشروعة بين الحزبين أحيانا، كما أن المعارضة ضرورية لتصحيح المسار وتعديله وتحسين الأداء، ولا يوجد حكم بلا معارضة وإن وجد مثل هذا الحكم، فهو سيكون ملفقاً وكاذباً بدون أدنى شك، لأن المعارضة والتنوّع والتعددية من طبيعة الأشياء، ومن صلب النظام الديمقراطي.

وبتقديري فإن موضوع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا بدّ من إيلائه الاهتمام الأكبر، لأن استمرار الفقر والعوز والأمية والتخلف والمرض تدفع على التطرف والتعصب والعنف، لذلك لا بدّ من برنامج طويل الأمد لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية والاهتمام بحقوق الفقراء والكادحين ومستقبلهم وضمانهم الاجتماعي، ولعل تلك القضايا هي التي دفعت بالشعب التونسي والمصري والليبي واليمني والسوري إلى إعلان الانتفاضة في ما سمّي بالربي العربي.

 

12-  كنت من يطالب بالحوار الكردي - العربي، وكنت تطالب بأنشاء معهد لهذا الغرض ما هي نتائج جهدك؟ لماذا لم يستمر هذا الحوار؟

 

ج12- كنت منذ نحو ربع قرن أفكّر في موضوع الحوار العربي- الكردي وسأحيلك إلى كلمتي في مؤتمر الثقافة العربية الكردية الذي انعقد في النجف قبل أسابيع، حيث يمكنك الاقتباس منها .

نص الاقتباس :

" وقد بادرتُ في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كنت أرأسها في لندن إلى تبنّي فكرة حوار عربي- كردي، العام 1992 ليظهر إلى العلن لأول مرّة، وأشركتُ طرفاً كردياً وهو المركز الثقافي الكردي في لندن. ومن الشخصيات العراقية العربية التي شاركت فيه أذكر:

السيد محمد بحر العلوم، عامر عبدالله، الدكتور حسن الجلبي، هاني الفكيكي، محمد عبد الجبار وآخرين، إضافة إلى نحو 20 مثقفاً عربياً من السودان وسوريا ومصر ولبنان والسعودية وفلسطين وليبيا وتونس والبحرين. أما من الكرد، فقد شارك محسن دزئي وابراهيم أحمد ولطيف رشيد ومحمود عثمان وهوشيار زيباري وعمر شيخ موس ومحمد هماوندي ومحمد قرداغي وسامي شورش وآخرين.

وحضر اللقاء عدد من وسائل الاعلام، وكُتب عنه الكثير، بينها مقالتين لشخصيتين عربيتين هما عبد الوهاب بدرخان وحازم صاغية وشخصية كردية  هو كاميران قرداغي.

كانت المبادرة شخصية، ثقافية، فكرية وشعور انساني بالحاجة للاجابة على أسئلة تاريخية، إضافة إلى مشكلات "راهنة" آنذاك. وكان الفريقان الكرديان قد رحّبا بالمبادرة ووعدا بعقد دورة ثانية للحوار العربي- الكردي الذي يتم لأول مرّة حينها، لكن الأمر لم يحصل بسبب القتال الكردي- الكردي الذي استمرّ نحو 4 سنوات (1994-1998) وراح ضحيته مئات من الأبرياء، إضافة، إلى خسائر مادية ومعنوية كبيرة.

في أواخر العام 1998 نضجت فكرة حوار عربي- كردي، وتم الحصول على موافقة القاهرة لانعقادها، وتوّلى الحزبان التحضير لها، وحضر جلال الطالباني ومحسن دزئي وهوشيار زيباري ومحمود عثمان وعدنان المفتي وعادل مراد وعمر بوتاني وعزيز محمد وبهاء الدين نوري وعبد الخالق زنكنة ولطيف رشيد وسامي عبد الرحمن وآخرين.

كما حضرت شخصيات مصرية مرموقة مثل أحمد حمروش ومحمد فايق وسعد الدين ابراهيم وحلمي شعراوي ومحمد السيد سعيد وآخرين، لكن الحضور العربي العراقي كان ضعيفاً ولم يحضر سوى عدد محدود، وهو أقرب إلى الحضور البروتوكولي وقد أبديت مثل هذه الملاحظة عند حضوري لمؤتمر القاهرة للجهات المنظّمة. ولم يشارك في المؤتمر كرد تركيا وكرد إيران وكرد سوريا، كما لم تكن هناك مشاركة عربية "أخرى".

وكان من المفترض انعقاد دورة ثالثة للحوار العربي- الكردي في العام 2001 بحضور نحو 80 شخصية عربية ويوازيها نحو 80 شخصية كردية تمثّل فاعليات وأنشطة فكرية وثقافية وحقوقية وسياسية مختلفة، بما فيها من المنفى، وجرت الاستعدادات اللازمة لذلك وبُذلت جهود مضنية ربما ستسنح الفرصة للحديث عنها، لا سيما وكان المفكر الكردي  السوري صلاح بدر الدين قد اشتغل على تأسيس جمعيات للصداقات العربية- الكردية وحضر عدداً من المؤتمرات دعا فيها إلى ذلك، كما كان عدد من المنظمات الدولية والحقوقية بشكل خاص قد اتّخذ قرارات بتأييد حقوق الشعب الكردي بما فيها حقه في تقرير المصير، لكن الخلافات بين الحزبين حالت دون ذلك، وانحلّت اللجنة التحضيرية التي كان لي شرف عضويتها كمبادر للفكرة.

وبعد الاطاحة بالنظام السابق، جرت محاولات في كل من إربيل والسليمانية لعقد عدد من المنتديات والملتقيات السياسية تحت عناوين الحوار العربي – الكردي بعضها لم يخلُ من طموحات شخصية ومهرجانات عامة، لكنني أعتقد أن مؤتمراً مثل مؤتمر النجف له أهمية خاصة لتأسيس كيانية ثقافية جديدة للحوار، خصوصاً في الوسط الثقافي للتواصل الإنساني بين المثقفين العرب والمثقفين الكرد، وحبذا لو تبنّى المؤتمر فكرة عقد ملتقى للحوار بين مثقفي الأمم الأربعة الترك والفرس والعرب والكرد، بما يساعد على التفاعل والتلاقح الثقافي، وسيكون مفيداً إيجاد مرجعيات للحوار ومأسسته.

وكنتُ قد دعوت منذ أكثر من عقد من الزمان إلى تأسيس معهد عربي- كردي ويمكن توسيعه إلى معهد للثقافات الشرقية، لا سيما للشعوب المتجاورة، وذلك بهدف تنشيط حركة التواصل والنشر والترجمة والاطلاع على آداب وفنون وثقافات كل طرف بما لدى الطرف الآخر، إضافة إلى التحدّيات والمخاوف التي تواجه الهوّية المشتركة للعرب والكرد والهوّية الخاصة لكل منهما على انفراد ومنها:"

أما بخصوص فكرة المعهد العربي- الكردي أو معهد الدراسات الشرقية، فكنت قد طرحته قبل أكثر من عقد من الزمان، ولكن لا أحد من المعنيين كان قد تبنّى الفكرة وهنا لست أقصد أن المسألة شخصية، وبإمكان مثقفين عرب أو كرد تبنيها والعمل عليها وأعتقد أنها ضرورية حتى وإن لم تر النور حتى الآن!

 

13-  السؤال ما قبل الاخير هو سؤال شخصي و بعيداً عن السياسة، فربما  يريد القرّاء الكرد، بل ويحبّون أن يعرفوا جوابك، نعرف أنك كنت على علاقة حميمة مع الشاعر الأكبر الجواهري؟ ما هو سر هذه العلاقة؟ كيف بدأت، على  الرغم من أنها لا تنتهي أبداً، فقد كنت وفياً له؟

 

ج13- علاقتي مع الجواهري قد يمكن وتمتد إلى نحو ثلاثة عقود من الزمان، ويمكن القول أنها مرّت بثلاث مراحل:

الأولى: هي مرحلة الطفولة  وهي المرحلة التخيّلية، فعندما كنت أذهب الى مدرستي الابتدائية (مدرسة السلام) كنت أمرُّ يومياً تقريباً من أمام جامع الجواهري، الذي مضى على بنائه أكثر من مئتي عام وذلك في منطقة (القباب الزرق) في محلة العمارة في النجف، ومنطقة القباب الزرق تضم قبور آل كاشف الغطاء وآل بحر العلوم وآل الجواهري. وقد ارتبط اسم الجواهري بذهنيتي الطفلية باعتباره شاعر التحدي، وهو ما كنت اقرأه وأسمعه ويقع نظري عليه، في مكتبات الأخوال والأعمام العامرة، والتي تحوي لا على قصائد الجواهري ودواوينه، بل قصاصات وأخبار وحكايات عن حياته وطرائفه ومعاركه. وما زال خالي جليل شعبان، المحامي والشاعر يحفظ الكثير منها، ويمكنني القول انه من القلائل حالياً الذين يعتبرون من رواة شعر الجواهري ومريديه الكبار!

الثانية: مرحلة المشاهدة، وكان ذلك عند مشاهدتي الجواهري لأول مرة (العام 1959 في احتفالية بمناسبة ذكرى وثبة كانون)، حدثاً كبيراً في حياتي، لاسيما وأن الشعر كان أحد الروافد الروحية، والثقافية الذي ساهم في تكويني، وحاولت أن أقارن بين المرحلة الأولى المتخيّلة بشخصية الجواهري وبين المرحلة الحسّية المباشرة، حيث كنت أمامه وجهاً لوجه، وهو ما دفعني لمقارنة المتخَيَّل بالواقع، ومدى انطباق الصورة عليه.

الثالثة: المعرفة المباشرة والصداقة، وهي مرحلة جاءت بعد انتظار غير قصير، واتسمت بعلاقة تعمّقت مع مرّ الأيام، لاسيما في براغ في السبعينيات، وفي دمشق في الثمانينات، وما بعدها. وقد رويتُ  بتلقائية وعفوية حدود تلك العلاقة في كتابي " الجواهري : جدل الشعر والحياة".

وعلى الرغم من رحيله فما زلت أعيش لا على ذكراه حسب، بل معه، أستعين به ليردّ عني كربتي وليخفف أحزاني، بشعره أستطيع الدفاع عن النفس أيضاً، فهو سلاح ماضٍ وبلسم شاف تحتاج اليه في كل الأوقات.

كنت باستمرار أحاول أن أتفهم مزاج الجواهري وأتعامل معه على هذا الأساس وأدركت أن بقاء العلاقة واستمرارها مرهون بي، فقد تخلّى الجواهري عن الكثير من صداقاته وأصدقائه، وكنت شديد الحرص على استمرار العلاقة لما فيها من غنّى وتنوّع، حيث كنت أضع مسافة لا أتجاوزها، ولكي لا يحصل لي ما حصل لآخرين، ولهذا استمرت العلاقة بكسب ثقته ومودته.

14-  وكنت من المقربين من الجواهري  والسيد جلال الطالباني، فكيف كان علاقته مع السيد الطالباني، وأيضا ما هو سر علاقتهما؟ وأعتقد أن الطالباني هو صديقك أيضاً؟

 

ج14- لعلّ علاقة الجواهري بالطالباني كانت علاقة متميّزة، فالطالباني استطاع ونجح في فهم الجواهري وتعاطى مع مزاجه وبما يريد، فتمكّن من كسب وده وثقته، وقد شهدت، ولا سيّما في دمشق طوال سنوات مكوث الجواهري فيها العديد من اللقاءات والزيارات التي قام بها الطالباني للجواهري وانبساط الجواهري لهذه اللقاءات، وكان يعرف مام جلال(أبو شلال) كيف يداعب الجواهري ويحرّكه، بل ويستثيره، لا سيما عندما يردّد بعضاً من أشعاره، وفي كل مرّة كان يجلب له عدد من غطاء الرأس الذي اعتاد الجواهري على ارتدائه ومكتوب عليه اسم كردستان.

عدد من الشخصيات وكل من موقعه وظروف علاقته بالجواهري كانت تستطيع تحريك الجواهري، فإضافة إلى الطالباني، كان هناك عامر عبدالله القيادي الشيوعي والمفكر الماركسي، حيث كان يعرف كيف يستفز الجواهري ويغريه بجولات حوار ومناقشة واختلاف، وموسى أسد الكريم (في براغ) الملحق الصحافي الأسبق في بيروت والملحق الثقافي الأسبق في براغ(قبل العام 1963) يعرف كيف يستحث الجواهري، ويستدرجه في الوقت نفسه، وأحياناً يناكفه بطريقة محببة تروق للجواهري في معظم الأحيان، وحسن العلوي يعرف كيف يستنطق الجواهري، حتى وإن كان مزاجه عكراً ويحاول تمليح الجلسة وحين أعدّ كتابه الرائع عن الجواهري، استعان بالكاسيتات التي كنت قد سجلتها للجواهري (10 ساعات) للاستفادة منها وبطلب من الجواهري، وحين حاول أحدهم أن يطلبها منه أو يستأذنه لطلبها مني رفض الجواهري واعتذر، بل أجاب صاحب الطلب بخشونة، وذلك قبل أن يسألني.

وأستطيع أن أقول أن جلسة الجواهري مع مسعود البارزاني كان لها هيبة خاصة، تسودها سمة تقدير حيث كان يُظهر باستمرار احتراماً كبيراً للعائلة البارزانية لا سيّما للملاّ مصطفى البارزاني ويسميه بالزعيم الجليل السيد البارزاني وقد ردّد في إحدى المرّات قصيدة " قلبي لكردستان" على مسامع وفد كردي زاره بقيادة مسعود البارزاني، وحضر معه في الجلسة صابر  فلحوط (مدير وكالة سانا في حينها) ود. فاضل الأنصاري العضو القيادي السابق في حزب البعث (دمشق) وكانا مما اعتادا على زيارة الجواهري الذي يكن لهما مودة.

أما السيدة الدكتورة نجاح العطار، فكانت تحظى بمنزلة خاصة لديه وقصيدته الشهيرة لها قديمة، وأتذكر أن الطالباني في إحدى المرّات عندما اجتمعنا خاطب د. نجاح العطار: مشيراً لها ولي وله : أن ثلاثتنا نعشق الجواهري وندين بالعرفان للرئيس حافظ الأسد.

أما عن " صداقتي " مع الطالباني، فأود أن أتمنى له الشفاء العاجل والعودة السليمة إلى وطنه وأهله، وربما هناك كثيرون اليوم ممن يزعمون صداقته أو يتقربون له أو ينسبون أنفسهم إليه لا سيّما بعد أن أصبح رئيساً، ولذلك لا أستطيع أن أدرج نفسي بين هؤلاء، والطالباني شخصية عامة ومتميّزة ومؤثرة وإشكالية في الآن ذاته، لا في التاريخ الكردي المعاصر فحسب، وإنما في تاريخ العراق، بل والمنطقة، بغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه.

وكنت قد تعرّفت على الطالباني لأول مرّة عندما كنّا وفداً طلابياً زار الصحف والشخصيات الوطنية بعد إلغاء انتخابات الطلبة العام 1967 وفاز بها في حينها الحزب الشيوعي (اتحاد الطلبة) للضغط على الحكومة ومطالبة الفاعليات والهيئات المختلفة التضامن معنا. وتعززت العلاقة في دمشق، في إطار مباحثات الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد) 1980 وما بعدها والتي حضرت جزءًا منها في مرحلتها الأخيرة وقبل تجميد عضوية الحزب الشيوعي فيها (مع الرفيق عبد الرزاق الصافي).

والتقيته في لندن عدّة مرات وفي اجتماعات المعارضة في فيينا وصلاح الدين، وكنت من كتب التقارير السياسية لهذه الاجتماعات، وأول من وضع فكرة حق تقرير المصير للشعب الكردي فيها. وأتذكّر أن السيد حسين الصدر وتحسين معلّه وصلاح الشيخلي والسيد مصطفى جمال الدين وسامي عزارة المعجون كانوا قد عاتبوني على ذلك (فيينا) وأن الأمر قد يخلق مشكلة، وقلت لهم هذا رأيي وقد دونته لقناعتي، وقد كانت إشادات الطالباني قد وصلتني وعبّر عنها علناً، وعندما أراد تعديل النص بوضع " دون الانفصال" لإرضاء المجموعة المعترضة، قلت له أن هذا النص يتعارض مع فكرة حق تقرير المصير، والتمسني ألاّ أعترض، ولذلك بقي النص في الوثائق مقيّداً مرتين في مكان وغير مقيّد مرتين أخرى أيضاً في مكان آخر، لأن تلك قناعتي ولم أكتبها إرضاء لفلان أو علاّن. وكنت قد أشرت في وقت سابق، حتى لو تخلّى قادة كرد لاعتبارات سياسية وتكتيكية عن حق تقرير المصير، فإنني كمثقف حرّ لن أتخلّى عنه ولن أنكّس رايته.

وحتى عندما وقعت أحداث بشتاشان وكنت سأذهب ضحية باردة فيها، لم أكن قد اتخذت موقفاً شخصياً أو عدائياً لا من الطالباني ولا من ناوشيروان مصطفى، على الرغم من موقفي السياسي الذي أدان المجزرة وندّد فيها خصوصاً قتل الأسرى من العرب، وما زلت لم أكتب شهادتي فيها.

وعندما حدث الاقتتال الكردي- الكردي حاولت مع الطرفين لوقفه بالاتصالات المباشرة، ولديّ رسائل وقسم منها منشور أجوبة من مام جلال ومن كاك مسعود، وقد رحّبت كثيراً بجولة الحوار العربي- الكردي الثانية في القاهرة التي حضرها الطالباني.

وقد أرسل الطالباني رسالة تهنئة لي عند تكريمي في القاهرة 21 آذار (مارس) 2003 لحصولي على وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، بل أرسل حازم اليوسفي (ممثل أوك) لقراءتها في الاحتفال الذي أقيم لي في حينها في فندق شبرد بالقاهرة، مثلما أرسل البارزاني عمر بوتاني لقراءة رسالته.

وكنت قد وجهت رسالة خاصة إلى مام جلال ألفت النظر فيها إلى مخاطر احتلال العراق، لا على العرب فحسب، بل على الكرد وذلك قبل الاحتلال بنحو أربعة أشهر، وسلّمت الرسالة في حينها إلى د. فؤاد معصوم ولم أنشرها حتى الآن، علماً بأن موقفي من التعويل على القوى الأجنبية ومن نظام العقوبات المفروض على العراق كان معروفاً منذ العام 1993 وقد عبّرت عن ذلك في مداخلات ومقالات ومواقف منشورة، وكنت أعتقد أن تغيير النظام الدكتاتوري لن يتم عبر إيران أيام الحرب العراقية- الإيرانية ولا عبر الأمريكان في التسعينيات، بل عبر عراقي يمكن أن تشترك فيه قوى من داخل الجيش، لكن الاعتماد على القوى الخارجية سيجلب معه الكثير من المخاطر، وربما هذا هو ما حصل.

 

مرّة أخرى أقول حتى وإن اختلفت المواقف وتبدّلت المواقع، لكن الرئيس الطالباني، شخصية نافذة ومؤثرة وليس من السهل تكرارها، فهو سياسي بارع وحاد الذكاء ويعرف كيف يؤثر على من يتعامل معهم، أخطأ أم أصاب، صارع واختلف وتحالف وانقلب وتحدى وتراجع، لكن همّ القضية الكردية كان لا يفارقه أبداً.

2014-07-05 - عدد القراءات #6850 - تعليق #0 - الحوارات العامة

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي