القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

عبد صبري أبو ربيع
عبد صبري أبو ربيع

من نحن

about us

نقد أدبي/جوزف حرب : الشعر وليد المعاصي الجليلة

حسين سرمك حسن
حسين سرمك حسن
  الدكتور حسين سرمك حسن   

 

جوزف حرب : الشعر وليد المعاصي الجليلة   

إن من أهم الأسباب التي تجعل قلق الموت يستولي على هواجسنا ، يؤرقنا ويقض مضاجعنا هو " الشعور بالذنب – guilt feeling " . فالخوف من الموت والتفكير بأنه يطاردنا في كل لحظة وأنه من الممكن أن ينبثق أمامنا حتى في نومنا بصورة تجعل البعض يقرأ الفاتحة على روحه قبل النوم كل ليلة ، هو عقاب مكافىء لإحساسنا بالإثم الذي يترتب على كم الذنوب التي اقترفناها . شعور عبر عنه الشاعر الإيطالي " فرانكو لوي " بقوله :

( رأيت الموت يركض

ورائي

كان يبحث عني

قلت له : سلاما

واختبأت

كان يبحث عني

وأنا كنت وراءه

قحبٌ بشعٌ

يبحث دائما عن

مأوى ......... )

هذا الشعور المنهك يمكن أن ينغص الحياة النفسية للفرد ويوصله إلى هاوية الإكتئاب والتمزق النفسي . هذا الفرد سيكون في حاجة ملحة جدا لمعاونة أمينة من محلل نفسي يقوم بنقل الآثام والمشاعر المرتبطة بها من ظلمات اللاشعور إلى سطح الوعي ليدركها الفرد ويحاول فهم جذور الإحساس بالإثم الذي يمزق ذاته . لكن الشاعر هو – في كثير من الأحوال ، وإن يكن ذلك بصورة جمالية جزئية – هو محلل ذاته . لا يتردد في الغوص في مجاهل أعماقه لكشف تلك الآثام التي هي الحي الذي لا يموت كما يقول المبدع " محمد خضير " . وفي نصّين فريدين يقدم " جوزف حرب " معالجتين عميقتين ونافذتين لهذه الحالة ؛ الأولى في قصيدة " صور كحليي " التي يستهلها بإعلان جسور عن أن دواخله مزحومة بخطايا لا أحد يغفرها له .. وأن تعاقب صورها على ذهنه يجعله يختنق بالبكاء :

( بتمرق على راسي صور ، بتحرّك

غيوم البكي ْ

بتدقّ فيّي

جراس حزن ْ

بتفتح مراياتْ ملياني خطايا

مرتكبها

وما حدَا قِدران يغفرها إلي ْ – ص 234 ) .

والخطايا التي يستعيدها هي من نمط " الأخطاء " اليومية التي يراكبها أي إنسان .. فالإنسان بطبيعته " حيوان خطّاء " إذا جاز الوصف . وبسبب هذا النزوع المتأصل انبنت في جهازه النفسي سلطة محاسبة ومعاقبة هي " الأنا الاعلى – superego " الذي هو ( سلطة داخلية ) تقوم مقام الوالدين حتى في غيابهما فيما يقومان به من نقد وتوجيه وثواب وعقاب . هو مستشار خلقي يرشد الأنا إلى ما يجب عمله وينهاه عما لا يجب عمله . ما يقره الأبوان يشكل ( الذات المثالية – ego ideal  ) المكافئة للفرد ، وما يعتبره الأبوان سيئا يشكل ( الضمير – conscience ) الذي يحاسب الفرد . إنه الفرع القانوني الأخلاقي في الشخصية . وهذه السلطة هي التي تسبب ما نسميه عادة بـ " وخز الضمير " الذي هو الشعور بالذنب . والشاعر بدافع من هذا الشعور يراجع حسابه من خطايا اقترفها قبل سنوات طويلة :

( بتمرُق على راسي صورْ

خلفا صورْ

                       صورةْ صريخي بوجّ إمّي

الّل انشغل بالا عليّي ، عاتبتني ، وعينيَا فيهن بكيْ .

صورة عرسْ لأختي الْ قنَعْتا تاخُد الشبّ اللّ حبّا ،

وسافرو وما عدتْ شِفتا . صورةِ اللحظة المرِض بيّي

فيا وطوّلت تيشوفوْ الحكيمْ . وصورةِ السهرة الكنتْ

واعد فيا إختي الزغيري وِسهِرت مع غيرها . وحدي

بيمرّ لسانها عَ َ شفافها حدّي ،

                                وتِلمعْ حُمرِتا

وإختي ، لوحدا ،  وناطرا ،

وبالبيت تلمعْ دمعتا – ص 235 ) .

ومن الواضح أن لا أحد منّا لم يمر بموقف من هذه المواقف خصوصا في مرحلة المراهقة المحتدمة بالإنفعالات الضاجة والتغيرات المفاجئة والسلوكيات النزقة . وليست عملية استعادة هذه " الأخطاء " والنظر إليها كخطايا هو الذي يثير الحيرة حسب ، بل جسامة الشعور الذي يترتب عليها أيضا . فحجم الإدانة التي يصدرها الشاعر على ذاته الآثمة لا يتناسب أبدا مع حجم الأخطاء / الخطايا . هذه الإدانة تصل حد من يصدر حكما بالإعدام على شخص ارتكب خطأ بسيطا . فالشاعر يحس أولا بأن " رائحة خطايا " تفوح من جسد . وفعليا فإن بعض من يعانون من الوجدان الآثم يشمون رائحة غريبة تنطلق من أجسامهم قد يسقطونها على آخر . والشاعر يرى أن روحه متعفنة .. وأن وصمة عار قد انطبعت على جبينه تذكرنا بما يسمى بـ " علامة قابيل " التي كانت جبهة القاتل توسم بها لدى الشعوب البدائية . لاشيء يمكن أن يطهّره أبدا : لا الندم ولا الصلاة .. لم تبق وسيلة تغسل هذه الخطايا الفظيعة ، إذن ، غير الموت !! :

( بتمرُق على راسي صورْ

                 خلفا صورْ

وبحِسّ في ريحة خطايا طالعة منّي .

وعَفَن أسودْ ع َ روحي . وصوتْ لعني متل قصّ

البرق ع َ جبيني

أنا

الخاطىء

الّل م َ بيغفر خطيتو لا الندم

عندوْ ،

ولا

شمع

الصلا .

يا

ريتْ م َ بتشرق عليّي الشمسْ .

يا

عتمي اطرديني من سوادكْ .

يا

هَوَا ، يا ريتْ روحي يابسي حتى م َ تحمُلْ ريحتا – ص 236 ) .

إنه يشعر بأنه يجب أن يطرد .. بل هو مطرود فعلا من الفردوس الأرضي .. هو أسوأ من اللصوص والمجرمين ، فهؤلاء لهم مستقر مكاني حتى لو كان سجنا ، لكن شاعرنا الخطّاء لا يحظى حتى بمثل هذا الملتجأ . هذا الإحساس بدونية الذات التي انتزع منها اعتبارها لا يحصل إلا في المعاصي المصيرية الهائلة . ومثل هذا الشعور بالطرد يحيلنا على الإعتقاد بأن قصة الخطيئة الكبرى التي تتداولها الأساطير والأديان ما هي إلا تصوير درامي لإحساس الإنسان بأنه " حيوان مذنب ":

( مطرودْ

من إنّي خْلِقتْ .

مطرودْ

من إنّو إلي مطرح ع َ وجّ

الأرض . مطرحْ بالسنين

اللصّ والمجرمْ

إلن حبسنْ .

أنا بتِرفُضْ هـ َ المرايات حتّى

يكون عِندي حبسْ

بمراييْ !

وانْ كنتْ كلمي يا دنيْ

بتقرفْ

من حروفي

المحاييْ – ص 237 ) .

حتى الشاعر نفسه يدرك هذه المفارقة الشاسعة بين الجرم والحكم .. بين التهمة والإدانة .. هو نفسه يقرّ بأن هذه الخطايا من النوع " الصغير " .. هي في حقيقتها أخطاء .. أخطاء لا تستحق مثل هذا القلق والإكتئاب وسياط الندم الجارحة .. لا تتطلب مثل هذه الحاجة العجيبة للقصاص .. إذ ما معنى أن يؤنبك ضميرك وقد صرت رجلا راشدا عن ذكرى طفلية سرقت فيها شيئا من الحلوى ( الملبّس ) وانهممت بأكله بشهية بالغة أمام عيني أخيك الصغير الذي لم تعطه شيئا منها .. وأن ترتبط رؤية الملبّس بطريقة شرطيّة – conditioned " على الطريقة البافلوفية بمشاعر التقصير والإثم الموصل إلى الشعور بالغصة والبكاء .. وأن يلاحقك الشعور بالخزي بسبب فعلك الصغير ذاك حدّ الإحساس بأن دموعك التكفيرية أخذت شكل الملبّس .. يا لعظمة هذه الصورة يا جوزف !! :

( بتمرق على راسي صورْ

                 خلفا صورْ

                 خلفا صورْ

بذكرْ

سرقت ملبّسْ وخيّي معي

كِنّا

زعارْ وكِنتْ آكل هـ َ الملبّس مِتلْ

عمْ ياخُد دوا ، وكتير مرّه طعمْتو حتى م َ خيي

ياكلْ ملبّس معي

وخيّي دموعوْ ينزلوْ

وخايف عليّي من مرارة هـ َ الدوا

ولليوم ، ببكي ، والملبّس لا بدوقو ،

وبكرهوْ . ووقتْ الَلِ بذكرْ كيفْ ما طعميتْ خيّي حبّة

ملبس بنقهر ، وبغُصْ ، وبرغرغ بِكي .

ولليوم ، لا قلبي غفرْ لي هـ َ الخَطيّي

الطعْمتا مرّة

ولا راسي نسيْ

ودمعه بتنزلْ من عيوني طعمها

مالح ، معو

مرورهْ ،

وشكلا

ملبسي – ص 239 و240 ) .

وفي دراسة نقدية عن رواية " الأحمر والأسود " لستندال ، قال الناقد الفرنسي " روجيه نيميه " وهو يتحدث عن إحدى صور ستندال الفنية التي حفلت بها الرواية الشهيرة والتي ملكت عليه لبّه :

هنا .. يجب على المخرج أن يضرب رأس الممثل بقطعة من الديكور ..

فبأي قطعة من الديكور عليك أن تضرب رأسك وانت تلاحق الصور الشعرية الرائعة لجوزف حرب ؟! ..

أعود للقول إن الشاعر يدرك أن ما يصوره كخطايا كبيرة ما هي في الحقيقة إلا أخطاء صغيرة .. فلا يمكن مقارنتها – مثلا – بالمجازر التي يقترفها الطغاة أو بالمجاعات التي تلتهم الآلاف .. ولا بحرائق نيرون .. وكمحاولة في التفسير يحيل مشاعره الجسيمة بالذنب على " كثرة بياض روحه " .. فهل يكون شعور صاحب الحس المرهف بالذنب أشد من أولئك الطغاة والجزّارين ؟ .. هذا يذكّرنا بمفارقة المثل العامي : " ضمير المؤمن صاحي ، وضمير الحقير ميّت " !! . وقد يندهش المتلقي حين نقول أن أطروحات التحليل النفسي تؤيد ذلك . فـ ( اعتبارا من لحظة نشوء الأنا الأعلى يسقط قلق الإنسان من افتضاح أمره ويمحي كليا الفرق بين اقتراف الشر وإرادة الشر لأنه لا يمكن لشيء أن يبقى مخفيا عن الأنا الأعلى ولا حتى الأفكار والخواطر . ويبدي الضمير المزيد من الصرامة في سلوكه ويدلل على المزيد من الريبة والتشكك كلما اشتد الميل بصاحبه الى الورع والتقى . والمفارقة تكمن تحديدا في ان أولئك الذين سيدفع بهم ضميرهم إلى قطع أبعد شوط على طريق القداسة هم الذين سيتهمون أنفسهم في خاتمة المطاف بأنهم كبار الخطاة . وبذلك تجد الفضيلة نفسها وقد حرمت من قسم من المكافآت الموعودة بها لأن الأنا الطيع والزاهد لا يتمتع بثقة مرشده . ان الضمير المتشدد والمتيقظ هو بالضبط السمة المميزة للإنسان الأخلاقي ،  فإذا اعتبر القديسون أنفسهم خطاة فانهم لا يفعلون ذلك اعتباطا وبلا سبب إن آخذنا بعين الاعتبار التجارب والاغواءات التي يتعرضون لها على نطاق واسع لتلبية دوافعهم الغريزية . والأنا الأعلى لا شعوري إلى حد كبير ويظل محتفظا بقدرته على الحكم والعقاب إن فعلنا ما يخالفه أو حتى لمجرد تفكيرنا فيه فالنية عند الضمير مثل الفعل سواء بسواء ) (8) :

( يمكن زغيريْ هـ َ الخطايا . وشكلْ إحساسي

فيا أكبر مِنَا . يمكن أنا صاير مريضْ بهالخطايا ،

ومعتقدْ إنّا كبيري كتير قدّ

المجزره ،

قدّ

المجاعه ،

ولا أنا نيرون فيكيْ

يا

دنيْ ، ولا

لصّ سنبلةِ القمحْ .

يمكن لأني كتير أبيضْ هـ َ الخطايا

كتير

سودا .

يا

بياضي ، لوْ خِطِيْ مرّه الحمام

غراب أسودْ يا حمام بتنقلب ْ – ص 238 ) .

.. هكذا تتوالى صور " الخطايا " الموجعة الواحدة بعد الأخرى بلا انقطاع .. تجترها النفس الآثمة مرة تلو المرة حدّ أنهاك الذات .. ولا علاج لها بغير دواء من جنسها .. بالإمساك بجمرة العذاب الأبدي .. بجلد الذات الدؤوب وبعزم :

( بتمرق على راسي صورْ

                 خلفا صورْ

كِلّا خطايا

وما حدا قِدران يغفرها إليْ إلّا العذابْ

الْ بشعرو جايي منا

هيّي

وعمْ تِمرقْ على راسي الصور – ص 241 ) .

ولأن من عادة جوزف – وهذه من سماته الأسلوبية الراسخة كما قلت سابقا – أن يعود لمعالجة الموضوعة الواحدة أكثر من مرة .. معالجة متفردة وليست تكرارا مجردا .. معالجة من زاوية أخرى تمسك بدلالات وأوجه جديدة مكملة للظاهرة المطروحة .. يشبعها " بحثا " و " تحليلا " شعريا .. نجده يعود إلى موضوعة " الخطايا " وما يترتب على الإحساس بالذنب من مشاعر مرة ثانية في قصيدة " صاير عتيق " :

( صاير ْ

عتيقْ .

وكِنتْ غالي

وصِرت ما في شيْ فيّي

بها لعمرْ

غالي – ص 307 ) .

الخطايا ، الآن ، لا توصل إلى تقريع الذات ، وجَلدها كما حصل في النص السابق ؛ جلدها بأضعاف مضاعفة من سياط الجزاء التي لا تستحقها ، ولكن إلى شكل مؤجل من أشكال الموت .. الشعور بالعتق والتقادم وتآكل القيمة والطاقات والحضور حدّ أن الشاعر لا يعدّ من بين معروضات الألبسة البالية :

( صايرْ

عتيقْ ،

لحدودْ إنّي بهالدني ما في ولا

بيّاع بالي بقلب دكّانو

بعلقني

مع

البالي – ص 308 ) .

إنه جسد يتهرّأ فلا تنفع معه أشغال الإبرة .. وروح تجف وتتضاءل فلا تنفع معها أي محاولة للإنعاش . لم يعد الشاعر محافظا على تمركزه النرجسي الطفلي أصلا .. كونه مركز الكون ومحوره بفعل تمركزه على ذاته " ego centric " . لقد ولّت الأيام التي كان يشعر فيها بأن الشمس تشرق من أجله .. وأن الأرض تدور في خدمته :

( ما بنرتي .

مْمَزّق ،

ومِهري صِرت .

ما في خيطْ يمكن يشفق عليّي

ولا بتطيقْ

إبري

تقشع

خيالي

صايرْ

عتيقْ

الشمس م َ بتشرقْ لتخدمني ، ولا

هـَ الأرضْ

عم بتدورْ

كرمالي – ص 308 و309 ) .

ومثلما يكون للخوف رائحة .. فإن للشعور بالذنب رائحة أيضا لا تنضح من الجسد فنلغي وجودها من أحاسيس الآثم بالمناقشة النظرية المنطقية .. لكنها تنضح من النفس بصورة تلاحق هذه النفس فتجعلها " تقرف من حالها " ، وهذا أخطر ما توصل إليه حالة البحث عن القصاص لخطايا يعتقد الفرد أنه لم يدفع ثمنها حتى الآن .. والأكثر فداحة أنه لن يدفع ثمنها مهما قدم من تكفيرات ورسوم تعويض :

( صاير

عتيقْ .

وريحتي ريحة خطايا . وكلّ ما إقعدْ

معيْ ، شُ بحِس

إنّي قْرفتْ

من حالي – ص 309 ) .

وكي أظهر حقيقة الدور الخلاق للشعر في تأسيس صحتنا النفسية وديمومتها ينبغي المقارنة بين الشاعر الذي يعالج و " يحلل " مشاعره الآثمة شعريا وبين الإنسان العادي الذي يتحول لديه مثل هذا الشعور إلى عصاب . فقد لا يستطيع الفرد العادي التخفف من عقدة الشعور بالذنب ( إلا إذا ورط نفسه – عن غير قصد ظاهر منه – في متاعب ومشاكل وصعوبات مالية أو مهنية أو عائلية أو صحية لا يحصد منها سوى المشقة والعذاب . بل قد يستفز عدوان الغير عليه أو عدوان المجتمع بارتكاب جريمة ، فإذا حل به العقاب ، هدأت نفسه وزال عنه ما يخشاه من توتر مقيم . فكأن هذا الفرد في حاجة مستمرة إلى عقاب نفسه سواء أكان هذا العقاب ماديا أو معنويا :  ماديا بارتكاب جريمة أو إدمان على الخمر أو تهاون في رعاية الصحة ، ومعنويا بارتكاب ما يضر بسمعته أو بالتغافل عن انتهاز الفرص التي تفيده ، أو بالتكاسل والإهمال في عمله ، أو يتقبل الأهانات دون الدفاع عن نفسه ، أو برؤية الأمور على شر ما يمكن أن تكون عليه . والانتحار أقصى حالات عقاب الذات ) (9) . ( وقد لاحظنا أن بعض المرضى العصابين الذين لا يجدي معهم أي جهد علاجي يمكن أن يختفي مرضهم حينما ينخرطون في بؤس زواج تعيس أو يفقدون ثروتهم أو يصابون بمرض عضوي خطير. أي إن شكلا من أشكال المعاناة قد أفسح المجال لشكل آخر وكأن كل ما يهم الفرد هو الاحتفاظ بمستوى معين من المعاناة ) (10) . هذا ما يشبع الروح المازوخية التي تبحث عن المكافآت المعذّبة .. عن جزاء عقابي يتناسب مع الذنوب المتكدسة في أعماق الذات .. وقد تخلق هذه الروح المازوخية في الفرد ( إغراء بارتكاب ( أفعال خطيئة ) لا بد عندئذ من التكفير عنها عن طريق اللوم الذي يوجهه إليه ضميره السادي ( كما في كثير من الشخصيات النمطية في الروايات الروسية ) ، أو عن طريق التأديب الذي يصدر عن سلطة القدر الأبوية الكبرى . ولا بد أن يفعل المازوخي لكي يجتذب عقابا من القدر – هذا البديل الأبوي – شيئا غير مستحسن ، أن يتصرف ضد مصالحه الخاصة ، أن يحطم الآمال التي يقدمها له الواقع الحقيقي ، بل يمكن أن يحطم وجوده نفسه في عالم الواقع ) (11) .

وهذا ما يقوم به جوزف حرب لكن عن طريق علاجي عظيم الإبهار .. يجلد ذاته بسياط الشعر .. ويغرقها في خلقه المضني .. لقد ورّط نفسه في " عمل " لا تأتي منه غير الصعوبات والأذى .. وعبر أكثر من خمسين عاما من " التكفير " الشعري عن " خطاياه " المتصورة ، كان يقوم بنوع من الإنتحار الشعري البطيء .. من تدمير الذات الشعري المنظم .. من أجل أن يخفف عنّا – كمسيح مغدور – عذابات آثامنا التي لا تموت .. وليثبت أيضا حقيقة يحاول الكثير إنكارها وهي التي أعلنها شكسبير على لسان " هاملت " عندما قال : " هكذا يجعل الضمير منا جميعا جبناء " .

 

الدكتور حسين سرمك حسن  


 

2014-07-04 - عدد القراءات #231 - تعليق #0 - النقد الأدبي

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي