القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

فوزية المرعي
فوزية المرعي

من نحن

about us

نقد أدبي/ضياء الخالدي في (قتلة)...الفن العظيم ينتعش حتى في الجحيم (جزء1)

حسين سرمك حسن
حسين سرمك حسن
  الدكتور حسين سرمك حسن  

 

ضياء الخالدي في (قتلة) :الفن العظيم ينتعش حتى في الجحيم

 

بقلم: الدكتور حسين سرمك حسن

 

(لماذا تضيق بغداد بناسها ؟ تتغير ملامحها مع نهاية كل يوم ؟ المباني تشيخ ، والبيوت تنشطر إلى وحدات سكنية صغيرة ؛ أرصفة مدمّرة ، وحدائق تختفي . أشجار تنتظر سفّاحها يحمل منشاراً ليقطعها ، فتسقط وهي باكية ، بينما الأطفال الصغار يهللون .

ذاكرتي تحمل بغداد أخرى ، فتيّة ، شعرها أسود وخدودها متوردة وخضراء . بغداد النظيفة من درن أحزابها ومغامرات جنرالاتهاالريفيين . أشعر بأنها ستنتهي بموتي ، أو أنتهي بموتها ، وكلانا أصابه الضعف) .    

 

(التاسع من نيسان أذهلنا . أي شعور علينا أن نحمله ؟ كيف تبدو دواخلنا وقد شاهدنا الهمفيات والجنود الزنوج والشقر في أزقتنا ؟ سقطت تماثيل السيّد الرئيس ، وهرب صاحبها إلى المخابىء السرّية، وإلى البساتين ، قبل أن يُمسك بلحيته الكثة المخيفة . كانت أعمارنا تختبىء بين شعيرات لحيته ، ليترك لنا بعدها الدهشة والغضب والفرح والحزن والصدمة . هكذا نحن مثل طقسنا المتقلّب ، لا حدود واضحة تُظهر لنا الأشياء في شكلها الحقيقي. دائما ثمّة مفاجأة علينا انتظارها) .

 

                 ضياء الخالدي

                                                رواية "قتلة"

 

(على الروائي أن يقول الحقيقة كما يفهمها ، في حين على السياسي ألا يكشف اللعبة ، والذين فعلوا الأمرين يشكلون لائحة صغيرة جدا )

                                                           ( غور فيدال )

 

# عثرات وهنات :

سؤال الجدوى والوظيفة : 

في بعض المواقف ، يقدّم الكاتب معلومات مهمّة ومصوغة بلغة جميلة رائقة ، لكنك حين تنتهي من قراءتها ، تعود لتتساءل عن "الجدوى" منها ، وعن دورها ووظيفتها في هذه المحطة السردية من الحكاية أو تلك ؟ يتكرّر هذا الأمر كثيرا . فحين يتحدث عن حي السيدية يكون الحديث مناسبا لأنه يسكن في هذا الحي ، ومتابعة تحولات الحياة العنيفة فيه جزء مهم من حكايته . وهذا ينطبق على حي التراث الذي كان يسكن فيه وجاء هاربا من انحطاطه الاجتماعي . وتأتي الإشارة إلى حي الأطباء معقولة لأنه الحي المرفّه المتحضّر الذي كان يحلم بالعيش فيه . ولكن أن تنتقل إلى وصف حي الجهاد لأنه يحاذي حي الأطباء الذي كنت تحلم بالعيش فيه .. وسيارة الكوستر التي انفجرت فيه والجثث المحترقة .. إلخ .. ثم الحديث المطوّل نسبيا عن "جبار الأبتر" المعاق في الحرب ، وكيف انبترت قدمه اليمنى في المعركة .. وحاله وهو يستجدي الأن .. وإلى آخره من معلومات سوف يتركها الكاتب ولا يعود إليها ، فإن هذا السلوك سوف يفتح علينا بابا سرديا لا ينتهي لأنه بلا وظيفة وبلا جدوى . فحي الجهاد يحاذي الحي الفلاني وإلى يمين حي الأطباء حي آخر . فهل نصفها كلها ؟ ونصِف الشخصيات الإشكالية فيها ؟ سننتقل من حي إلى آخر لنجد أنفسنا أخيرا في البصرة !

إذا كان الكاتب يذكر كل شيء يراه أو يمر بذاكرته أو تحيله إليه سلاسل الأماكن والحوادث فمعنى ذلك أننا سنكون أمام كتب في التاريخ أو الجغرافية أو الأنثروبولوجيا "الأناسة" ، وليس أمام حكاية . أي معلومة تُذكر يجب أن تكون ذات جدوى ودور ، وهذه تنبع من صلتها بالشخصية الرئيسية أو الحدث المركزي . وعندما تكون للشخصية تداعياتها فإنها يمكن أن تنفلت إلى حدود بعيدة ، والكاتب هو الذي يلجم تداعياتها ويجعلها منضبطة بحدود الجدوى السردية . وبخلافه ستحصل استطالات وذيول تُثقل جسد الرواية وتوصلها إلى الترهّل .

# إستطالات :

عندما تُخبر شكرية ، حمدان ، بأن الشيخ مؤيد لم يقتل أباه، وإن من قتله شخص طيّب ، وتتسرب شكوك الإنفضاح المخيفة إلى نفس عماد ، يفكر بفضيحة انكشافه أمام أهل المنطقة وكونه إرهابيا ، ويبدأ بالتألم لضياع ليالي الصيف فوق السطوح وأغاني يوسف عمر ، ويعرج على طفولته في ملاعب الغولف في حدائق المنصور وهو يحمل حقائب المضارب للأجانب .. والشرقيون لا يدفعون مثل الأوربيين .. إلخ (ص 45 و46) .

ومن الواضح أنها استطالة لا صلة لها ، لعل سببها تماهي الكاتب مع بطله وتلبسه همومه حدّ استدرار الشفقة من القارىء . والأمر نفسه يُقال عن شرح طبيعة حي الحمراء الذي تسكنه "سلمى" ووجود "تكية" فيه .. والتكية فيها دراويش ..والدراويش أقاموا حفلا للطعن بأسياخ الحديد حضرها "عزت الدوري" متمايلا يمينا وشمالا .. إلخ . وكلّها استطالات لا صلة لها بالمسار السردي الراهن ، وتؤدي إلى برودة حركة السرد اللاهثة الرائعة التي صمّمها الكاتب .

وقد يؤدي ضغط الخزين الكبير للمعلومات إلى انسرابها بصورة تراكمية بفعل احتشادها مستنفرة في ذهن الكاتب . فقد تحدث عماد عن الطبيعة المتناقضة لعلاقته بالسياسة ، وكيف أنه يحبّها لكنه لا يريد المغامرة في معتركها . إنه لا يمكن أن يضطلع بإسعاد الناس في السياسة إذا كانت ستسبب له أذى جسدياً . ولهذا فهو يحلّق في سير وحكايات الساسة كنوري السعيد وهتلر وستالين وتشرشل وغيرهم . وإذا به ينتقل بصورة مفاجئة ليقدّم لنا هذه المعلومة :

(ذهب هاني الفكيكي أواخر الخمسينات إلى دمشق ، لإعادة ترتيب أوراق البعث هناك ، وأخذه العجب حين وجد الرفاق السوريين يجلسون في مقهى يجمعهم بالشيوعيين والقوميين – ص 73) .

صحيح أن الكاتب قد يقول أنه يريد الإشارة إلى أن احتمالات الأذى الجسدي والتصفية أكثر انتشارا في العمل السياسي في بغداد منه في دمشق مثلا ، لكن الصياغة متراخية والربط غير واضح .  

وتأتي استطالة أخرى تقطع نمو الأحداث وتصاعد احتدامها ، عندما يتعهد عماد بمعرفة حقيقة الشاب المقيّد الذي كان ديار يعذّبه في مقر الشركة ، مقابل أن لا يُعذَّب أو يُقتل . فعماد يأخذنا في رحلة وصفية عن حي البياع وشارع عشرين التجارية الصاخب فيه .. وكيف أصبح مثل الشورجة كسوق صغيرة للبضائع .. إلخ من تفاصيل أصابت المسار السردي بالبرود والتخافت (ص ص 97 و98 و99) .

وحين يودّع صديقه بلال بعد نزوله من الباص يحدّق في وجهه ، ويستعيد ذكريات سياسية "متخصّصة" :

(كان يبتسم عبر النافذة ، وملامح وجهه قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاما أراها الآن وقد التصقت بقسماته . أيام كان الباشا والملك الصغير قد ودّعا البلد والحياة ، وكذلك الزعيم ، والأخوان عارف ، بينما البكر وصدّام كانا في نشوة الحكم - ص 109) .

وهي استطالة ذاكراتية سياسية "مخطّط" لها و"ملصقة" بوجه بلال من دون أن تكون لها التلقائية السردية التي تتناغم مع الموقف الحكائي القائم ، خصوصا أن عماد كان قد حدّد لنا ذكرى سلوكية وحيدة مع بلال في حي المنصور الذي انتقلت عائلته إليه صيف النكسة حيث كان أحد الاصدقاء الأربعة الذين ذهبوا معه إلى سينما روكسي في شارع الرشيد لمشاهدة الفيلم الذي اختاروه وكان فيلم "أم الهند" (ص 108) .

وهذه ممارسة سلوكية مراهقة وترفيهية لا تناسب الإستدعاء التراجعي لرموز الرئاسة السياسية . من المربك أن يكون ذهن الكاتب مشحونا حدّ التخمة بتفاصيل المحنة السياسية الحارقة برغم مشروعيتها ، فهذه التخمة – وهي سمة من سمات الشخصية العراقية – تسمّم تلقائية القصّ ، وتوقعه في مصائد متناقضة .   

وكمثال على تناسب طريقة التفكير مع الإطار الفكري والسلوك العملي هو موقف "بلال" من الأحداث عموما ، ومن شكرية خصوصا .   

وحين يغادر عماد مقر الشركة بعد الشجار الحامي مع ديار وعبود، ويستعيد الليلة الحمراء التي مارس فيها الأخيران الجنس مع الصبيّة "ميّادة" يقول : (السماء تلبدت بغيوم سود والهواء يبرد ، وميادة اغتُصبت بإرادتها – ص 155) .

ما هي علاقة ميّادة ، بعد أن شاهد مراهقا يحمل رشاشة وهو يدخل حي الشرطة الخامسة بسيارة التاكسي مع زوجته للإختباء في بيت بلال هرباً من ديار وعبود . وحتى لو كانت ميادة "رمزا" لمفهوم أو شيء أوسع ، فهو ترميز متناشز وغير دقيق . فميادة صبية بغي مارس معها ديار وعبود الجنس كما يحصل مع أي بغي أخرى . وحاولت اغواءه هو الذي رفض وقرر النوم على أرضية المطبخ . لكن دلالات حضورها تعني أشياء أعمق على انحراف ديار الذي لا براء منه ، والذي بدأه باغتصاب الصبية "هناء" سابقا .

وما هي علاقة الحديث عن الكتاب الذي يتحدث عن أسرار هروب نوري السعيد ومقتله ، والحديث الذي يسبقه عن كتب بلال الصفر عن التنجيم والجن والسحر  (ص 158) .

وفي الصفحة (159) قال عماد : قالت "أم إياد" إن زوجها ينتظرني في حجرته . من هي أم إياد ؟ إن إبن بلال هو "مصطفى" وليس إياد !

ثم يقول في الصفحة (165) : (تذكرت أول صورة إباحية شاهدتها في حياتي مع صلاح) ، ولا نعلم من هو صلاح ؟

وفي الصفحة (45) يقول: (بصيرة العجوز ستقدمني لقمة سهلة للزنازين والمقصلة) أين المقصلة في العراق ؟

وعلى الصفحة 175 ، وقبيل وصول عماد الهارب إلى داقوق ، رنّ هاتفه الخليوي وكان المتصل عماد ، يؤكّد له أن ديار غفر له ووافق على شروطه ، ولكن عماد كان قد أخبرنا قبل ذلك (ص 90) بأن حمدان وسلمى قد انسحبا من المجموعة بعد أن علما بقتل شقيق طرزان الحمراء خطأً .. فكيف عاد إلى ديار ؟

وفي حديثه عن هروب "عبود الحدّاد" قال : (لقد ترك البلاد قبل أن تشيع اسطورة أبو طبر في أحياء العاصمة بصفته القاتل رقم واحد ، وقبل شهرة المصارع الورقي عدنان القيسي ، وأيضا قبل شهرة السيّد النائب بتأميم نفط العراق - ص 27) . ولا علاقة لسلسلة الحوادث والتواريخ هذه بتحديد تاريخ مغادرة عبّود للبلاد . ولو واصل ضياء الحديث على هذه الشاكلة : قبل أن .. وقبل شيوع . وقبل شهرة .. فسيستمر في العد إلى أن يأتي الصباح ليسكته عن الكلام المباح !!  

# تناقضات :

من المهم أن تكون أطراف أي موقف أو صورة سردية متناسبة من ناحية نوعية المزاج والعلاقات والعواطف المصاحبة . فحين يكون الموقف مثيرا للقلق والمخاوف والتوتر ، فإن من الطبيعي أن تكون النتيجة استثارة وامتعاضا في نفس الشخصية المعنية ، وإسقاطا للمشاعر الكامدة يلوّن المكان والموجودات . في الموقف الذي جاء فيه حمدان ليخبر عماد بأنه عرف قاتل أبيه وأثار تعليق شكرية رعب عماد ، قام الأخير بمحاولة لكسب الوقت بجعل حمدان يغادر البيت ، وقد تحقق له ذلك :

(وعندما أغلقت الباب الخارجي شعرت بأن طعم الهواء في رئتي منعش للغاية – ص 46) .

وهو يقصد أن تخلّصه من عماد قد أراحه تماما بعد اختناقه باحتمالات الإنفضاح ، إنفضاح جريمته ، ولكنه بهذا أجهض الموقف التوتري الكلّي الذي تفاعل معه القارىء ، وأنهاه عند هذا الحد "سرديا" ، في حين أنه مستمر انفعاليا في ذهن القارىء الذي ينتظر محاولته مع شكرية التي أوشكت على فضحه .

وليست التداعيات مرغوبة وتخدم الموقف الراهن دائما . يجب أن تكون محسوبة ليس نوعا وكمّاً حسب ، بل توقيتا ايضا . جاء حمدان في اليوم التالي ليعرف من شكرية هوية قاتل أبيه . قابله عماد في البيت وراح يصف عينيه وهما تفتشان عن شكرية التي جاءت تدب بخطواتها البطيئة (ص 47) وهنا تحقق انفتاح المشهد لأن المطلوب من مجىء عماد هو مقابلة شكرية ، والهدف هو الحصول على معلومات منها عن قاتل أبيه . هنا يبدأ عماد بوصف الحديقة وملابس الزوجة وذكر الفاختة وهي ترسل هديلها الذي ذكّره بطفولته في بستان الحاج راضي ! والمعني الأساس هو حمدان الذي يبغي استجواب شكرية ، والقارىء ينتظر ذلك ، ولا علاقة له - في هذا التوقيت تحديدا - بذكريات الطفولة ، القارىء ينظر بعين حمدان الآن ، ويخمّن استجاباته ، ولا علاقة له بطفولة عماد .                                                               ومثل هذا يُقال عن الطبيعة النوعية للإنفعالات المصاحبة للذكريات ، وهي انفعالات إيجابية مسرّة لا تناسب ، بل تُضعف ، الإنفعالات السلبية المؤلمة المصاحبة للموقف الراهن وتطفئها .

# توقيت غير موفّق :

ثم نأتي لنتساءل عن سرّ "التوقيت" الذي اختاره ضياء ليجعل ديار يكشف طبيعة الدافع الأساسي والحقيقي لمشروعهم في "قتل السيّئين" ، وذلك على الصفحة 138 حيث أعلن ديار لعماد أن عملهم طول الفترة الماضية كان "دافعه المال وأشياء أخرى" ! لقد جنّ عماد الذي كان يعتقد أن نوايا ديار بيضاء وسليمة تريد تنظيف البلاد من السيئين . ولكن سيثور تساؤل ملح : ما هو المبرر الذي جعل ديار يكشف مخططه السري أمام عماد من دون سبب ضاغط ومحرج ، الأمر الذي أهار المخطط بأكمله ، ودفع عماد إلى صبّ نقمته عليهم وشتمهم والهروب منهم ؟

كان من الممكن لديار أن يجد تبريرات لأي موقف محرج مثل موقف الفتاة المراهقة التي دخلت الشقة باكية ، وارتمت على قدميه شاكية من أن أهلها سيقتلونها .. أو مفاجأته عماد بمعرفته بهجمة بلال على العجوز شكرية التي أوشكت على الموت .. إلخ . أي موقف كان من الممكن تبريره والإستمرار في استغفال عماد ، من دون أن يقوّض مخططه . لقد استعجل ضياء في كشف اللعبة بلا ظرف يبرر ذلك كأن - على سبيل المثال - يطّلع عماد على عملية تنسيق بين ديار أو عبود والشيخ مؤيد بدلا من أن يخبراه بذلك بصورة مباشرة لا تحقق نقلة درامية مبررة .

المهم أن صداما كلاميا حادا وحارقا حصل بين عماد من جهة ، وديار وعبود من جهة آخرى، كان من المتوقّع أن يتوّج بخروج عماد مهما كانت التطمينات والتهديدات ، لكنه تخاذل وخضع لأمر ديار بالبقاء ، مبرّراً ذلك بعودة تبريرية باهتة إلى ذكريات طفولته لا تتناسب مع اضطلاعه بدور أساسي في مخططات لقتل الناس وتجنيد الشباب والتفاهم مع الشيخ مؤيد .. إلخ :

(لا أعلم لماذا حملتني الذاكرة إلى أبعد نقطة من طفولتي . وأنا أتوسل أبي أن يأخذني معه إلى ملهى في الميدان في الأربعينيات . كنت متلهّفاً لمشاهدة جعفر لقلق زاده .. كنت أتمنى أن أكبر بسرعة لأعرف الأسرار والحكايات التي تخص الكبار . العالم كان مقفلا على طفل صغير مثلي – ص 143) .

لقد كشفا له بوضوح صادم ومستفز أن الغاية من أفعالهما هو أن يبقى الشارع العراقي غير مستقر ، فلهما مصالح كبرى في ذلك ، وأنهما يكشفان له سرهما لأنهما يريدان أن يجعلاه اسماً كبيراً مستغلّين حقيقة كونه "من الداخل" ، ولم يغادر البلد ، وبإمكانه - لو أغمض عينيه قليلاً عن العثرات التي لابدّ من تحطيمها - أن يبرز إلى الواجهة ، ويُنتخب فتكون لديه سلطة مطلقة يحقق بها ما يريد (ص 139) .

وفي حوارهما مع عماد أحالا أذهاننا إلى ظاهرة مدمّرة يتعامل معها الكثيرون بطريقة التهوين ، أو بالطريقة "النعّامية" ، وتتعلق بالجنسية المزدوجة .. وموضوعة العودة من المنافي لتسنّم المسؤوليات الجديدة . هناك حقيقة أخفاها عنّا كل من حصل على الجنسية من بلد ثان ، ولكن كشفتها بصورة رائعة وشديدة التأثير الروائية "إنعام كجه جي" في روايتها "الحفيدة الأمريكية" من خلال المشهد المتستر عليه من قبل أخواننا العراقيين المهاجرين ، والذي تردد فيه عائلة الحفيدة الخفيفة حد الإستهتار بكل القيم ، قسم الحصول على الجنسية الأمريكية في قطعة فنية يمكن أن تكون من بين كلاسيكيات السرد في مجال عذابات الحصول على الجنسية المزدوجة ، وتأثيراتها  المدمّرة للنفس البشرية المؤمنة التي ترفض الشِرك ؛ قطعة مزّقت بها الأستار عن هذه المحنة التي تستر عليها كل العراقيين ، ولم يتحدثوا عنها بسبب عذاب الضمير والوجدان الحي المؤسس في أعماقهم عبر آلاف السنين . تصف أنعام كجه جي عذاب أمّها البسيطة وغير المثقفة والتي لا تعرف الحداثة العولمية : 

" إستقرت على رفّ المدفأة في غرفة المعيشة صورتنا التذكارية التي نبدو فيها ، نحن الأربعة، واقفين في حديقة بيتنا وقد اتخذنا هيئة رسمية في اليوم الذي أصبحنا فيه أمريكيين . يا له من يوم انتظرناه بفارغ الصبر .

لا يحتاج من يتأمل الصورة لفطنة كبيرة ليعرف أن أبي ارتدى للمناسبة ، البذلة الكحلية التي فصّلها له (مجّودي الخياط) في سوق بغداد الجديدة ،  أما الصبي الأشقر النحيل الذي هو أخي جايزن والشابة السمراء التي تبدو وكأنهم استعاروها من أسرة أخرى ؛ أنا ، فقد لبسنا ما أمرتنا به أمّي ، بدون مناقشة .

هي وحدها التي لم تتهندم ، ولم تمر بقلم الكحل الأسود الرفيع على جفنيها العلويين ، زينتها الوحيدة التي تتمسك بها . كانت قد ارتدت فستانها القديم الأزرق الواسع الذي نعرف حالما نراها فيه أننا في يوم التنظيفات الكبرى . ولم تنفع احتجاجاتنا في زحزحة عنادها .

-العناد وحمة وُلدت بها "بتول" .. خلقة من الله

هذا ما كانت تقوله جدتي عن ابنتها البكر ، أمّي

بتول لم تتهندم وتتزين مثل الآلاف الذين غصّت بهم المنطقة المحيطة بجامعة "وين ستيت" في ديترويت . كانت البلدية قد صفّت آلاف الكراسي في الشارع العام ، وجاءت الحشود السعيدة من عرب وبورتوريكيين وصينيين وهنود واحتلت الأماكن . كل وأحد  يرتدي أفضل ما يملك من ثياب كأنه في عيد ، بل أندر من العيد لأنه لا يتكرر مرتين .

مشت أمّي مبتعدة عنّا كمن يمشي في جنازة . وجلست ملمومة على نفسها تحتضن حقيبتها اليدوية وكأنها تتستر على شيء ما في داخلها . وبدأت ترمق شزراً جيرانها في الصفوف الأمامية والخلفية ، أولئك الذين لا تسعهم الفرحة بحلول موعد تجنيسهم . إنه عرسهم الجماعي. اللحظة التي ستطرد عنهم الخوف وتبعد شبح التشرّد إلى الأبد . اليوم الذي سيؤدون فيه يمين الولاء للوطن الجديد الفائض الخيرات . وبعد أداء القسم ، سيحق لكل منهم أن يدفع بصدره إلى أمام ويتباهى :

" آي آم أن أميريكان سيتيزن " .

حين بدأ مكبّر الصوت ينقل خطاب حاكم الولاية وهو يقرأ النص الذي يعلن الولاء للأرض الجديدة ، حين نهض حشد الرجال والنساء واقفين وارتفعت أصواتهم جميعا مردّدة وراءه عبارات القسم بانفعال وتوكيد ، حين راح الأمريكان الجدد الحاصلون على الجنسية ، للتوّ ، يتعانقون ويتبادلون التهاني .. حينها سمعت صوت أمي يتحشرج وكأنها تختنق ، والتفتّ إليها ورأيت وجهها الأبيض الوديع وقد صار قرمزيا كمن داهمتها حمّى ، والدموع تهطل غزيرة من عينيها وتفرّ متبخّرة من سخونة خدّيها ، مثلما يحدث عندما تتساقط قطرات الماء من إبريق الشاي على عين الموقد الكهربائي .

مددت يدي وتلقفت يد ماما المتيبسة ، بينما الجموع تضع أيديها على مواضع قلوبها وتلهج بالنشيد الوطني الذي تعزفه فرقة للجاز :

" يا ربّ احفظ أميركا

غاد بلِس أميركا " God Bless America

وكان صوت السيدة العراقية " بتول الساعور " ، أمّي ، هو النشاز الوحيد الذي يولول بالعربية :

" سامحني يا أبي ..

يابا سامحني ..... "

كيف حضر جدّي يوسف ؛ أبو أمّي ، إلى شارع الجامعة في ديترويت ؟ - ص 27و28و29" (10) .     

# مداخلة من باحث نفسي :

في مقالة (إرجعوا أيّها الأوروبيون إلى عوائلكم)، أطلق الباحث والطبيب النفسي الدكتور "محمد العبودي" ، صرخة كانت مكتومة في نفوس كثيرين عجزوا أو خجلوا أو جبنوا عن إطلاقها ، وتتعلق بمقدار صلاحية العراقيين ممن اكتسبوا الجنسيات الغربية الأوروبية والأمريكية خصوصا ، للتصدي لقيادة البلاد بعد الإحتلال . يصرخ محمد العبودي بكل جرأة صرخة حق هادرة :

(أحسّوا أنهم ابتعدوا عن مخالب الأخطبوط الصدّامي، وهم يوقّعون أوراق اكتساب الجنسية، ولكن فاتهم شيء آخر هو أنهم وقّعوا على شهادة وفاتهم العراقية ! نعم ، إنهم أصبحوا كزملائهم الذين استشهدوا في سجون الطاغية؛ شهداء ولكن في الغربة – ص 82). (11)

ثم يمسك بالمفارقة المضحكة المبكية :

(المفارقة المضحكة المبكية أن شهداء الغربة عادوا إلى الوطن بعد سقوط الصنم وجدرانه المخيفة، وهم يحملون بين جنباتهم أوراقاً لم يجدوا من يستطيع قراءتها، كما أنهم لم يفهموا ما يقوله سجناء العراق. وهيهات لهما ذلك فهما عالمان لا يلتقيان إلا في عالم الخلود. فأنّى للطير أن يفهم ما تقوله السمكة! عاد وترك حياته وعائلته وجاء مرعوباً لازال يحمل نفس الخوف الذي اصطحبه معه عند الهجرة، فجاء مختفيا خلف جوازه الأوروبي ومحميا في المنطقة الخضراء، لا تربطه بهذه الأرض غير ذكريات مقتضبة لعالم لم يعد كما كان أبداً. لقد تعلّم أن المال في الغربة وطن، فحرص على أن يعبّ منه ما استطاع إليه سبيلا. ولأنه عاش في بيئة يحرص فيها المرء على سلامته كثيراً، تراه لا يكاد يغادر المنطقة المحمية غير مجازف يحمل عائلته معه، فهو قادم للخطوط الأمامية من الجبهة، وواجبه تجاه عائلته الصغيرة أن يبقيها هناك بعيدا عن الشمس والمفخخات حيث الكهرباء والماء نعمتان لا يثمنهما أحد في أوربا – ص 82 و83).(12)

ويكمل العبودي صرخته التشخيصية الدقيقة بالقول :

(المشكلة تبدأ عندما يريد أن يحكم هنا ويدير شؤون الرعية، وهو لا يكاد يفهم شيئا مما يقولون. نعم إنهم بحاجة لمن يقول لهم رحمكم الله يوم هاجرتم، وكتب في صفحتكم أنكم شهداء المهجر، فلا تفسدوا ما كُتب لكم، وعودوا إلى عوائلكم فأنتم أوربيون حلّت فيكم أرواح عراقيين شرفاء استشهدوا هناك في المهجر – ص 83). (13)

إن من يردد قسم بلاد المهجر ويحصل على جنسيتها ، هو في الواقع – وحسب العبودي - يوقّع شهادة وفاته كمواطن عراقي ، ويتسلّم شهادة ميلاده – مثلا - كمواطن أمريكي من اصل عراقي . ولهذا تبعات نفسية كبرى .

# لمحة ذات مغزى :

وقد تبدو الإشارة التالية "المظهرية" التي طرحها عماد عن لون وطبيعة بشرة "عبّود الحدّاد" شريك ديار ، والعائد من المهاجر ، إشارة عابرة وسطحية ، لكنها في الحقيقة تعبّر عن إحساس قطاع واسع من سكّان هذه البلاد ، الذين يعتقدون أن من هاجروا قد "أفلتوا" من الضيم الجمعي الذي أوقعه بهم النظام السابق :

 (إنها قسمات شخص ترك الوطن منذ زمن . أعرف تلك البشرة الطرية التي تصنعها أجواء أوروبا ، فبشرتنا نحن العراقيين كالحة دائما بفعل شمس الصيف وبفعل الهموم والمصائب. بالتأكيد هو يعيش في لندن أو باريس أو أمستردام أو غيرها. لا يمكن لمحافظات البلد الثماني عشرة أن تنتج بشرة نقية كهذه - ص 26).

ولكن علينا أن لا ننسى أن من بقوا في الداخل كثيرا ما يجعلون المهاجر خصوصا "كبش فداء" يلقون على عاتقه أعباء خساراتهم وآلامهم ، ويُسقطون عليه إحباطاتهم ومسؤوليات آمالهم المحبطة .

# الأجيال الجديدة تتغيّر والقيادات الثوريّة تتخشّب :

لكن الشجار الكلامي المحتدم بين عماد والمتآمرين ديار وعبود ، كشف أبعادا نفسية واجتماعية آخرى من أهمها مسألتان حساستان : الأولى هي النظرة إلى الطبيعة السيكولوجية والتربوية للأجيال العراقية الجديدة التي شكّلت نفسيتها وشخصيتها عوامل جديدة بعد الستينات مغايرة تماما لتصوّرات عماد "الكلاسيكية". قال له ديار:

(صورة الوطن التي تحملها في ذهنك ماتت . صورة الستينات وما بعدها . الأجيال العراقية التي وُلدت في زمن القمع والحروب والحصار كوّنوا صورة أخرى للبلد ، وعلينا نحن الكبار أن نعيها ، وندركها في كل خطوة أو مشروع ننفّذه - ص 139).

أمّا الثانية فتتمثل بتخلّف الجهات المرجعية السياسية ، الثوريّة خصوصاً ، عن إدراك هذا التغيير في شخصية الأجيال العراقية الجديدة خصوصا ، والشعب العراقي عموما. ومن جديد لا أحد من القيادات السياسية والدينية والتربوية في العراق يريد الإقتناع بأن "الشخصية العراقية" قد تغيّرت برغم أن من معطيات علم الإجتماع المعروفة أن شخصية كل جيل تتغير كل ربع قرن في ملامحها الأساسية . فكيف بأجيال تعرضت لأبشع عمليات غسيل الدماغ وقتله ومسخ القيم عبر الموت والتهديد والترغيب والترهيب والحصار والأهم سلاح سياسة "التقتيل" التي صممها الأمريكان ونفّذتها أدواتهم المحلية . إن عدم إدراك هذه الحقيقة سيسبّب خسائر اجتماعية كبرى . ولعل واحدا من أهم الأسباب – من وجهة نظر ديار - هو بقاء القيادات السياسية "القديمة" – يرمز لهم هنا بعماد - التي تناط بها مهمة تغيير المجتمع على جمودها وتحجّرها وقناعاتها المتصلّبة وأطروحاتها النمطية -  stereotype . هذا ما كشفه الحوار الختامي بين ديار وعماد :

(قال ديار :

-كنّا نعبد الحزب الشيوعي . أنا أسألك : كيف تصفه الآن ؟

بقيتُ صامتا فأكمل :

-عاشقوه مساكين ومحكومون بتاريخه ، لا يستطيعون الفكاك منه . مثل أغنية قديمة ، أو فيلم بالأبيض والأسود ، لو أدخلتها في سباق الأغاني مع أغان حديثة في إحدى الفضائيات ، فإنها لن تفوز حتى لو كانت من الروائع . السبب أن الجمهور ، وهؤلاء الشباب ، وحتى بعض الكبار ، لن يصوّتوا . الحزب مات . ينبغي وضعه في المتحف وفي الذاكرة . مثل حزب البعث . والدور القادم على الأحزاب الإسلامية ، وهكذا . الغبي من يبقى على الثوابت – ص 144) . 

 

ومن المؤكد أن هناك قدرا كبيرا من التضارب والتصور الخاطىء في دعوة ديار هذه ، لكن على الجميع الإنتباه إليها ، فجانب مهم منها هو حقائق سلوكية على الأرض العراقية .


يتبع... 

هوامش :

 (1) قتلة – ضياء الخالدي – رواية – دار التنوير - بيروت - الطبعة الأولى – 2012 .

(2) و(3) تاريخ العنف الدموي في العراق – باقر ياسين – دار الكنوز الأدبية – بيروت – 1999.

(4) (6) و(7) ثورة 14 تموز 1958 في العراق – ليث عبد الحسن الزبيدي – دار الرشيد للنشر – بغداد – 1979 .

(5) سوف تصدر قريبا عن دار ضفاف .

(8) بؤس البنيوية ؛ الأدب والنظرية البنيوية – دراسة فكرية – ليونارد جاكسون – ترجمة ثائر ديب – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 2001 .

(9) رسائل حميمة – شاكر خصباك –

(10) الحفيدة الأمريكية (رواية) – إنعام كجه جي – دار الجديد – بيروت – 2009 .

(11) و(12) و(13) أحاديث نفسية – د. محمد رشيد العبودي – بغداد – 2010 .

(14) الأسطورة والسياسة- تركي علي الربيعو و د.فاضل الربيعي – دار الفكر – دمشق – 2007

(15) و(16) و(17) هرطقات - جورج طرابيشي - الجزء الثاني – دار الساقي – لندن – 2008  .

(18) طريقة التحليل النقسي والعقيدة الفرويدية – رولان دالبير – ترجمة د. حافظ الجمالي – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة الأولى – 1983 .

(19) نُشرت في موقع "الناقد العراقي" .

 

2014-07-03 - عدد القراءات #246 - تعليق #0 - النقد الأدبي

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي