القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

د. هاشم عبود الموسوي
د. هاشم عبود الموسوي

من نحن

about us

مقالات/الشعر النسوي العربي بين التقليد والإبداع

جعفر كمال
جعفر كمال
  جعفر كمال  

 

الشعر النسوي العربي بين التقليد والإبداع

علم الصوت المُدَوَّر

واستنباط الدواخل التوليدية

عند الشاعرة السودانية روضة الحاج

    يُعَد الشعر النسوي العربي السوداني بميزته التنويرية معبراً نوعياً، عن النظم الدلالية الظاهرة في علم الصوت الجمالي تفرداً، بكم بلاغي يتيح خلق جوابات اجمعت بُعد المتفرقات  الصوتية، وقربت من توارد الأفكار المتباينة صفاتها الشيئية، خاصة حال تشخيص اللحظة الشعرية بيان رؤيتها، من نطفة شجى الفروق اللغوية الحسية المستأثرة بجدل معطيات الشاعرة، تلك النبظة المحتدمة ارهاصاتها لخلق التظهير الإلهامي من معيون الباطن المتأمل، أن يكشف عن تناقض الرؤيا في مُشْتَهَى الذات الشاعرة، من معلوم عناصر الوعي المغاير في خلجات الوحدة الشعورية الدالة على الضد النوعي، لأن المتضادات التوليدية للفكر تخلق مزايا مبتكرة للإبداع، اِنطلاقاً من فاعلية التمدد التنوعي الثقافي، ومن ثم تأثير اختلاف التمدد التناقضي المنساب في وحداته المرهفة داخل الوجدان، وهذا يُشار إليه بإيضاح المعاني، والتقريب من الكناية، وجدل الواسطة، بحساب تَمَيّز الكلام البالغ في الفصاحة لجوازه وحسنه، ولي أن أقول إن الشعر السوداني اِتْستَقى حسيته من نظم جوانية المعرفة الصوفية، من مبدأ توسع الحبكة التجاورية التي ائتلفت فيها وتفرقت حقيقة التنوير، وتصرف المجاز في ماهيتها الفطنة، المعبرة عن متخيلات الفطرة الملهمة، كون شاعرية المتخيل تتحسس التأمل الروحي كنبوءة ناطقة في تصوراتها التبليغية التي تنسجم فيها: معطيات اللون اللفظي، و معطيات الصوت الرمزي الذي يكسب المعنى قُوّةَ إخْصَابٍ، دونما خلاف فيما بينها في التهذيب، لأن اللفظ الفصيح يُمَثِلْ المنتج التفاعلي الحسي للمعاني، بين الذات والمعطى لها، وبين الشاعر والثقافة المتناقضة، يقول ابن مضاء، وهيغل فيلسوف التناقض يتفق معه: "إذا ألبس عليكم شئ من غريب اللغة، فالتمسوه في الشعر*". ويقصد في عبارة: "غريب اللغة" إشارة لتشبيه مساق التناقض فيها.

    وبعبارة أخرى نقول أن المعاني الفصيحة في الشعر السوداني ترتقي لحالة الإدهاش والمفاخرة، كونه يكشف عن مخبوءات الذات المحصن ذوقها، باعتباره المُرَكّبْ لطاقة الحدس في المنجز الموضوعي، الذي حقق اشراقات الصوت الحسي بيقينه في مداخله ومخارجه، ولهذا فإنك لم تجد في الشعر السوداني أزمة المتاع الإيقاعي الوافر في معطيات الصوت، وكما عبر النفري بقوله: "من علوم الرؤيا الباطنة تتحسس منابع الصوت*" وديفيد هيوم يقول: "لا يوجد شئ أكثر إدهاشاً من السهولة التي تحكم البنية الصوتية قراراتها*" إذن فالموعز الدلالي لهذه الفكرة هو احتساب الدقة ومرونة التمثيل الرائق في بنية مجسات الصوت، الذي يُمَثل المساق التثويري المركب في النص، مهما اختلف الجنسَ الأدبي. فإنَّ الحال الدالة على توضيع الصوت تدل على إضافة فنية خاصة في القصيدة المدورة، وقد كانت وما زالت الأسماء التي أدت فعلها الواضح في إدْرَاك الإرادة لتحقيق الأثر الشعري، تعلن عن اِمْتِلاك جناح العبور إلى نفوس القراء، والشاعرة روضة الحاج كانت ولما تزل تفعل وجودها باستقلاليتها، كونها نجحت كل النجاح في تحويل الأنظار النقدية إليها.

    وقد أجدني مبيناً الفروق في تقدم قصيدتها النفسية على الكثير من شاعرات العرب، باستثناء البعض المهم من شاعرات العراق ولبنان، وتفاعلات بان رياض الشعر الموريتاني بحصيلة تعد تطوراً للتجربة، فالشاعرات اللواتي أثرن التطور والتحديث في أعمالهن، قد سبق وأن تناولتهن في الفصول التي نشرتُ بعضاً منها، ممن سهلن كمال الايضاح والمكاشفة. كونهن شكلن تميزاً واضحاً فيما يتعلق الأمر بالوجوه الإبداعية المختلفة، في مسيرة الحركة الأدبية العربية، ولا أغالي إذا قلت إن الشعر السوداني قد أثر تأثيراً بالغ الأهمية بما يشبه الأفكار المجددة، على خلاف الكثير من الحركات الشعرية العربية وخاصة في سوريا ومصر وفلسطين، حيث نجد الشعر النسوي في تلك البلدان أصبحَ محدوداً ومُضَمّراً، يرواح بذات الصيغ والملامح في الشكل والمضمون، باستثناء البعض على مستوى شاعرة من كل بلد من هذه البلدان. فمن مصر الشاعرة فاطمة ناعوت، ومن سوريا الشاعرة لينا شدود، ومن فلسطين الشاعرة هيام قبلان، سواء كان هذا الوعي محصناً بالذكاء أو مختلاً وقابعاً في مبدأ التقليد التأليفي، ومن المبدأ القائل في نظرية "والتر ستيس" وهي: "أن مبدأ التحقق من نجاح المنطق يتأسس على مبدأ التنويع*" وبتقديري فأن ستيس تغلب على نظرائه في هذا المنطق الصحيح، مثل: باركلي و وليم جيمس.

    ولو احصينا الانتقالة النوعية في الشعر النسوي السوداني نجد انهن أخذن بالحركة الإبداعية إلى متسع من التشكيل التنوعي الأنموذي الذي يحصن موقعهن تاريخياً وبشكل مؤثر ونافع، خال من الخلل والتقليد والتنثر. وقد اخْتَلفَ الشعر السوداني في بعض جوانبه إلى اِتجاه سمي ب"شعر التبراع". كما هو الحال في الشعر الموريتاني، والذي سوف نأتي على شرح أسلوبية هذا الجنس في الفصل العاشر، لما له من تحديث وما عليه من الرفض المجتمعي. أما الولادة هذه فأجدها تحديثاً بارعاً وجريئاً، لأنه شكل دليلا لنضوج الاستمرارية في نجاح التجديد والتنويع الإبداعي للشعرية العربية عند شاعرات هذا البلد.

    ولعل الدافع إلى تطورات الشعر في السودان، هو ردة فعل الشاعرة السودانية الناجم عن اِغْتِصَابِ الحريات، خاصة ما اخْتَصَّ في تقييد حرية اختلاف الجنس بين المرأة والرجل، وإلزامها بقوانين العائلة والمجتمع الصارمة، والتَضْيِيق على الحالة التنويرية في الكتابة والنشر، ولهذا نجد التفاعل في التحدي أصبح ضاهرة مميزة في التنوع الإبداعي النسوي، الذي حقق للمرأة تجاوز الاعتبار النفسي السري، وهو الاندفاع إلى تغييرات الذات التي يمكن أن تُحسنَ العلاقة بين الشاعرة، والذات الرافضة لمبدأ الخنق الإبداعي، كذلك هناك سبب موضوعي آخر أدى إلى هذا الاختلاف، وهو تعدد الثقافات العالمية الوافدة إلى الأرض السودانية، من خلال ثقافة الفرد وتعامله مع الثقافات الأخرى، وهذا يدفع المتابع بشكل عام إلى اكتشاف تنقيح الثقافة الأم بالثقافة الزائرة، والعكس صحيح، خاصة عملية التجانس التأثري العضوي بين هذه الثقافات، ولهذ نلاحظ حوارية الاتساع في القصيدة السودانية حققت التخلق الملموس في الذات الشعرية، من حيث دقة الانسجام وإعلاء المزايا اللغوية التي تؤدي إلى التطورات الصوتية، وهذه الممايزة أجدها عند الشاعرة روضة الحاج تحقق قيمة نافعة وناضجة، يستجيب لها القارئ بشهية مبهرة.

    لا شك أن عملية التطور والتغيير الحاصلة في القصيدة السودانية احدثت تنافساً نوعياً بين الشاعرات على مستوى مختلف الأعمار، ومن المقارن به أنه لا يتفق الانجاز في طبيعة النص عند شخصيّن أو أكثر، بل يبقى التنوير المعرفي عند الفرد مختلفاً في بنيته ونوازعه وميوله، هذا لأن الإلهامية الشعرية لا تتماهى بقيمتها واهميتها وتأثيرها وحسب، بل تتضاد وربما تلتقي في بعض المحطات وذلك باختلاف قدرة الشاعرة من حيث تطور وتوسع وتناغم ثقافاتها وعلومها في حوارية وتداعيات تلامس سعة مساحة إلهامها، وطبعا هذا يعد تطوراً مهماً يأخذ بالشعر إلى أن يجعل من القصيدة ملموسة وباقية أطول عمراً في ذهن المتلقي، وقد رسخت جمالية القصيدة السودانية تميزها عن نظيراتها المعاصرات في المحيط المجاور، بدليل اختلاف الحرفة الممولة ذاتياً من مصب انتقالات دقة النحو في معالجات التورية، حيث يستَفَيض الشعر في هذا البلد بمعانيه في كليته، وينتشر بحرفية يجدها القارئ محسوسة بما تبوح به المعاني بالتسجيع الوافر، والبيان الدال على سعته. ويبدو لي أن الشعر السوداني تأثر تأثراً مباشراً في المقامات الحريرية، وكلام ابن الجوزي في الموعظة "508 – 597". وهو عبدالرحمن بن علي بن محمد الجوزي. وأشعار ابن الحجاج "391" وآراء ابن كثير، ومواقف، ومخاطبات النِّفَّري وهو محمد بن عبدالجبار النفري. والأدب الأوروبي المترجم، أما إذا استعملتُ التنوير للحَسَبِ والتقريب، أروم إلى ما قاله المتنبي عن جمالية الشعر:

              مَعَاني الشِّعْرِ طِيبَّا في المغَاني  -  بِمَنْزِلَةِ الرَّبيعِ مِنَ الزَّمَانِ*

    في وقت ليس بالبعيد لم تكن القصيدة السودانية واضحة الملامح والشيوع، إلاّ من شاعرات يمكن عدهن على عدد الأصابع، لذلك اعتبر الشعر النسوي السوداني حديث الانتشار والتأثير والادامة والوضوح، خاصة وأن وسائل الاتصال عبر الفضاء الافتراضي الرقمي أدى دوراً مهماً في إتساع النشر، والعكس صحيح ففي أحايين كثيرة عمق من النشر السلبي، حيث لا تدقيق في قيمة النص أو عدمه على المواجهة والتحدي، ولذلك فأن هذا الوسيط المجاني والسهل أي " صفحات النت" سهل إشاعة "التنثر" لكي يسمى بعض من ليس لهن علاقة بالموهبة الشاعرة، شاعرات بالاسم على مستوى، فكان الفعل مستفزاً للذوق والإنصاف، وقد لعب الرجل المحطم عاطفيا دورا مدمراً للحقيقة، وهؤلاء وجدوا بعض النسوة المقلدات يسهل الحديث معهن، بدءا بمديح نصوصهن الفارغة من  الشعر، ومن ثم تفريغ شحنات الكبت العاطفي معهن، حتى صدقن بأنهن شاعرات. بينما نجد الشاعرة المميزة تحيط نفسها بتمويل ذاتي عفوي يدل على نقاء شاعريتها والحفاظ على شخصيتها، وهي بالتالي لم تك يوماً بحاجة إلى المديح المشحون بالتغزل والانانية والكذب. وهذا الدليل هو ما أرغب الوصول إليه، حيث تقودني قراءة النص إلى آفاق أنطوت عليها همم بعيدة المدى يتسع فيها التميّز والنقاء، وهذا يؤكد جدية الشاعرة، لأن النقاء هو المصدر الذي يحقق للنص تطورات نجاحه على صفحة الإبداع التنويري الملح. وفي هذا المجال أود أن أوْضِحُ أمراً:

    إن المناهل أو ما سمي ب"المدارس" النقدية المعاصرة لم تك دقيقة في اِحْتساب مَجانِب الصَّوَابِ التي تبين الفارق الجمالي بين طرق الشعر من موضع الشعر، المفترض بها أن تعتمد الخبرة الموضوعية والدقة والحياد بين النص والشاعرة. وأن يُسْتَمَدّ تَدْوّار تنوعه بحيادية الإيضاح والتقريب، وبالفحص والإتقان، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأفكار المولدة في الجملة الشعرية التفاعلية، التي تعتني بطرح قيمة ونوعية حدود المحاسن الإبداعية في قرارات التهذيب النوعي في النص. باستثناء بعض النقاد أمثال: أ. د.عبدالرضا علي، والناقد الأستاذ يوسف سامي اليوسف، ود. محمد آت العميم، ومحمد برادة، وفاطمة المحسن، و د. عبدالاله الصايغ. و أ. فاضل ثامر، . وذلك فيما اختص بعناية موارد علوم اللغة، وأبعادها الفنية والجمالية، ورجاحة الموقف، على أساس أن الشاعرة تَبْحَثُ في الإدراك الكُلّيّ المركَّب في الأبعاد الشعرية، فتكون المصدر والمبلغ الحقيقي لجمالية أدواته وأصُولهِ، لكونها تسامت بقوانين الأحكام الشعرية، بحدود تقمص معطيات الأفكار من واعز كميتها المعرفية، وفي هذا تقدم "ديفيد هيوم" وأسماها ب "الأفكار البسيطة أو الانطباعات البريئة". هذا لأن الشاعرة الموهوبة لا يمكن أن نساويها مع شاعرة التقليد، خاصة وأن الشاعرة الحقيقية هي مبدعة بنصابها، لأنها كونت نفسها ذاتياً على أحسن تكوين، حيث نجد نصوصها تكثر من حساسية الخلق التنويري على الأصل، وهذا ما ينقصه عند المقلدة. فالذي وصلنا أن بعض النقودات كانت ومازالت تساوي بين الشاعرات المبدعات والمقلدات على حد سواء، وللأسف في وثيقة تاريخية واحدة. فقد تبنى هذه الفكرة الكثير من النقاد التقليدين الذين أحبوا أن يتسموا بالنقاد، أو تخيلوا هم هكذا! ولكن تلك هي المدارس الهابطة يحتشدون خلف أبوابها.

    فالنقد الذي نطلب أحكامه يجب أن يكون قد تعدى سقاء النظرية المحفوظة، تلك التي اعتمدت بنية العناصر التالية:

    أمَّا أوّلاً: كونها اِسْتَهْلَكْت طرائق بنيتها التقليدية.

    وأمَّا ثانياً: التزمت بالصيغة الروتينية المعتادة.

    والثالثة: حرصت على سياق أسلوبها المعقد والمبهم.

    ولهذا فقد أدت هذه العوامل إلى تهتك ميزة تلك الأسلوبية ماهيتها المعنوية. فأصبحت مكرورة في تعابيرها ومفاهيمها وغاياتها.

    لذلك فالأنساق المفاهيمية النقدية الحديثة يجب أن تتبنى المعالجات النقدية المثبتة في أسلوبي النقدي، الذي أعمل على أن يكون متميزاً عن سائر النقودات المفترض أن تكون مصنَّفة في هذا العلم، فيكون توجهي معبراً عن حداثة تختص بالنقد المغاير بالتهذيب والترتيب. ألا وهو: - علم الصوت المدور، في مفهوم الشاعر الناقد، الذي أرَدْتُ له أن يُبَرِزُ طرائق فاعلية الصوت في المركب الشعري، وتصنيفه حكماً يعالج علم الصوت الجمالي، على اعتباره سقاء نفحة الحروف المقارنة بأصواتها، المولدة للمحاور الحسية، التي توسع الإشراقات الإيقاعية في النص، حتى يشاجي العامل النفسي في ما يتبناه البديع الصوتي، حين ترق ولادة خصبة، فيكون النمو الوظيفي متطوراً في منجزه، من الجوانب العلمية المُحْدثَةِ، وطبيعة الاتجاه المفاهيمي الحيوي في النص المستقل، القائم على فلسفة فيض المعرفة التي تتسامى فيها بداهة الذات، التي تنطوي على مثنوية: تناقض التجلي، و الانكشاف على التجلي. وما يصاحب تلك الولادة المتواصلة في تشخيص حالات علم التشكيل الصوتي. أوْجِزُهُا في النقاط التالية:

الحكم الأول: تشخيص التفاعلات التشخيصية في الصوت الداخلي في الصورة الشعرية، واستجابتها لمفهوم العلاقة مع المَحاوِر الحسية، وتبيان خصوبة التَّدْوار مع متلاقحات السهولة الفنية عند الوسيط.

الحكم الثاني: معالجة السلوك المجتمعي العام للشاعر \ الشاعرة، ومدى ارتباطه بالمؤثرات الدينية أو العنصرية أو القبلية ، أو تحرره من هذه الحالات، وانتمائه إلى التنوير التطوري للمجتمع الحضاري المُخَلّصْ الحقيقي للحريات.

الحكم الثالث: مكاشفة تأثير التربية العائلية على اتجاه ذات سلوك معقد، قد لا يشجع المبدع على تنظيم ماهية مفاهيمه الخاصة، وهذا يقود تلك الحالة إلى منشأ مضطرب، يخل في الرؤى التصورية، وتناسب مقدراها الصوتي.

    ولكن للأسف الشديد وجدت الكثير من النقودات وقد تَبَنَّتْ المديح، وأدب التغزل، مع أن النص الذي يمدحه هؤلاء خاو من معالجة وإبانة واستنباط باطنة المعنى، فيكون التحليل مشوهاً وكريهاً ومحتقناً، وقد أسماه الإمام الزيدي "محمد بن المطهر 729هجرية" ب "النص الجاف الخفيف، الذي لا ينفع ولا يعاد*" ولَمْ أرَ في هذا ما ينصف المهنية النقدية أخلاقياً، لأن النقد لا يخضع لقائل يقول: من أجل عينيك أو زنديك كتبت النقد. ولهذا وجدتُ من الحكمة أن أزور بعض الدول العربية، وأبحث عن الشعر الحقيقي في مهده، وأقلب صفحات حماسة الناشر الورقي في اقنائه على مصانفة الصحيح الإبداعي في صفحته الثقافية. ومن بيان الحقيقة نشير إلى أن كتابي هذا سيحتوي على الشاعرة الملهمة، ونبتعد به قدر الإمكان عن التقليد عند الكم الهائل ممن يدعيّن الشعر، وللفرق نشير إلى ما يدل عليه كتابنا من حقائق ووقائع. نبتعد بجدارة عن الأخوانيات والمجاملات، فالشاعرة الحقيقية تواظب على تهذيب الذات الشاعرة، فتكون نبظة أزلية في الجملة الشعرية. ومن حقيقة هذا التمييز يخبرنا الآمدي عن الفروق في الصح من عدمه في قوله عن التناظر بين حالتين: " مهما يتشابهان ويتشاكلان وإن هذا نظير ذاك فلا يزاد الخطأ على الصحيح شيئاً*" ولذا فإن ما أصاب شاعرية المعاصرة من علل وأوهام هو كثرة التقليد والتعقيد، حيث أن الكثير من المشرفين على الصفحات الثقافية وخاصة المواقع الالكترونية ينشرون النص على علاته، دون تدقيق أو تشذيب، بل على العكس من ذلك نجدهم يخطؤون المبدع المتكمن من لغته وفنيته، لأن المقيمين على تلك المواقع تكثرهم انعدام المهنية الأخلاقية والجدية المحايدة.

    في دراسات سابقة تناولت عدداً من الشاعرات العربيات وهن: "نازك الملائكة. لميعة عباس عمارة. بشرى البستاني. فاتن نور. فاطمة الفلاحي. جمانة حداد. مليكة العاصمي." وأَشْرِتُ إلى قدرات كل شاعرة حسب تنوع ملامح موارد الاشتقاق الدال على حسن استخدام الملخص النوعي الإبداعي، وورود إيضاحه، وجوازه وحسنه من أجل اقتناء البديع، ولهذا وجدت من الحكمة أن لا أغضَّ الطّرفَ عن الشعر السوداني، الذي امتلك قدرة الوضوح في مَساق تنوعه التنويري، على خلق محاسن المجاز في مصدريه: الاستعارة والتشبيه، وفي المنزلة الفصيحة مثل الكناية فيما تَضْمُرُ وتَعْني، وأجدني في هذا المجال الحساس بعيداً كل البعد عن التهويل والتعظيم، حتى نعطي لكل شاعرة حقها وما يلائمها على الوجه الذي ذكرناه في مقدمتنا لهذا الكتاب، فلا بُدَّ من المباينة التطورية بين شاعرة وأخرى فيما نوضحه للقارئ، ومن أجل هذا المبدأ يقودني حال النقد إلى شاعرة تفضي بالغرض المطلوب، لبيان استقلالية بحثي المستمر، عن قامة تحقق قيمتها العلمية اللغوية والفنية، أثراً واضحاً في مسيرة الحركة الأدبية العربية والعالمية، وبهذا نكون قد لامسنا قناعة مشبعة بالجوانب التنويرية الخلاقة، تتفق مع ما نويت عليه وهو الإتيان بجزالة سهولة النقد وإنَافَتِه، على جهة تبيان النصوص المحسوسة بتمامها وطلاوتها ورفعة مراتبها. ولهذا بحثت واستقصيت جيداً عن الأفكار النافعة ومدى تأثيرها على المتلقي، من لدن قامة شعرية حققت محاسنها اللغوية، وذلك من خلال تعدد الأجناس الشعرية في أعمالها، هذا لأنها عاشت على أرض معطاء وخصبة أطالت الأسفار فاضافت تميزاً لخصوصيتها، ألا وهي الشاعرة السودانية روضة الحاج.

    أفتتح تناولي للشاعرة بقصيدة عنوانها: " اليوم أوقن أنني لن احتمل" سوف نأتي على مناقشة استنباط وحدة التكثيف في مضمون النص الذي بين أيدينا، وما تعنيه ماهيته من مؤثرات استعارة الصوت الرمزي، وتبلور منزلة النشاط الحيوي المشبع بالشاعرية التي صاغت المعطيات الإنسانية، وما مَثَّلَته صبوات مهارتها من اعتبارات تطورية، تتلاقح فيها المفاهيم التصورية الناجعة، تكون قد استقتها من واقع ثقافتها المختلفة، فيكون الاختلاف بمجمله في تجربتها، كحاصل بيان ثمرة جهودها المستقلة التي تُكَوَّنْ الشاعرية المنيعة بجمانة معدنها النقي، وقوانينها الصارمة التي تسهم في تلاقي اللغة بالجذر الرومانسي، مع الإحساس الخاص جداً بتناغم مشاعرها مع تصوير جوانية الأداة المتحركة في المضمون، الذي يصاحب واقع الحال في بنية شعرية مشبعة بالأحداث، وهذا يدلنا على أن الشاعرة تمتلك الحرفية الثابتة بجواباتها الشاملة المُحصَنة بثقافةٍ مُخَلِصّةٍ.

    ومن أجل تَصْنِيفْ أعمال الشاعرة روضة الحاج التي تعددت فيها المحاسن العرفانية، وتنزهت مضامينها من وهم، وخطل، وعلل جسمية، خاصة في ما اِخْتَصَّ بالنحو والعروض والوزن، والتناسق البنيوي الفني، بين الإفادة الذهنية للصوت الذي يحقق صورته الحسية. وبين الحرص على تأويل ما يحتمله التوافق مع التدقيق في إعطاء البلاغة التوليدية مناعة أكثر سعةً وعمقاً. فالنص الذي بين أيدينا لمسناه وقد تهذب به الكلام إدهاشاً في معطيات البيان المبصر في نظمه وغاياته، بحساب جواباته المقروءة المحمولة على الربط التكويني من مستوى منهج الشاعرة الخاص، الذي أرادت له أن يمثل وعيّها التنوعي أن يصاحب التجديد ضمن مساقات الأنظمة المتطورة، أو ما يتعداها من أساليب تبحث في الحداثة وذلك ما اسميته باستنباط دواخل الفصيح التوليدي. كذلك ما يصاحب هذا النص من سلبيات تقنية، سوف نأتي على ذكرها في سياق تحليلاتنا ضمن ما يتناوله شرحنا.         

القصيدة

هذا أوان البوح يا كل جراحي تبرجي

ودعي البكاء يجيب كيف، وما، وهل

زمناً تجنبت التقاءك خفية

فأتيت في زمن الوجل

خبأت نبض القلب

كم قاومت

كم كابرت

كم قررت

ثم نكصت عن عهدي

أجل

    من منظوم الكلام عند الشاعرة، نستطيع أن نستنبط النبض الصوتي، كعنايتنا باللفظ التفاعلي الذي يُسَيّر المحرك الشعوري، من فاعلية تداعيات المتخيل الحسي، المحمول على التثَوير التحولي فيما تورده معطيات الدلالة، ابتداءً من المعطي الايجابي في تنوع القيمة النوعية، وغضارة بكارة الخلق التي تسري في المعنى. وانتهاءً بالذي تصاحبه المدركات الجوانية للمعرفة خير إدراك للحصول على معانقة المتلقي. نوجزها في سياق النقاط التالية:

أولا: الحوار الداخلي. تبلور مع مصبات التعبير عبر سقاء لغوي بالغ التحويل بدلالاته الاستقرائية.

ثانياً: جوهر إسرار المعاني. تَمَثَّلَ في اِخْتِلاف المطابقة في الذات التي تتابع التجلي، والاشارة في ما نذكره من ذلك تقسيمان.

التقسيم الأول: التناص بين الأنا المقيدة، وبين الأنا التي تطمح أن تفك وتلغي القيود الوضعية. أما التقسيم الثاني: عرض الجذر الرومانسي أن يفضي بميوله إلى الإقناع بالتلقي العاطفي.

ثالثاً: لغته المُجادلة الذاتية. تمنح معطيات المعاني الجامحة تنوير الوظيفية المنقحة بأساليب التبديل، أن تحدد تصريف الخلق الذاتي ببعده عن التقليد.

رابعاً: تداعيات ميول النجوى، يتمثل في عطاء الذات الشاعرة، من سقاء الورود المشاعري الذي يؤول موقفها، إلى حد استيعاب حدود تصورها، كي تجد مخرجا منطقياً يعزلها عن تلك القوانين الموضوعة قسرياً على الإنسان، خاصة وأن الحب خارج تلك الحدود. والشاعرة تعبر وتقول: "هذا أوان البوح يا كل جراحي".

    ولهذا فإن كل ما ينقله المعطي التنويري للتجربة هو تطابق مؤثرات التصور التي تلبي محصلات الملائمة بين الزمكان والذات، وهذا يعني إطلاق حرية المنظور التفاوضي للعاطفة المثقلة بالعادات والتقاليد النفعية، لا سيما وقد آن زمن التحدي لتلك االقوانين المجتمعية القاسية، وذلك بأخذ منطق التحرر الفكري لمواجهة الضد بالكشف عن مكنونات القلب علانية، لأنها تقول: "هذا أوان البوح.." صحيح أن التصور في هذه الحالة تقليدي، لكن المنطق يقول إنها أضمرت ما في نفسها للتطبيق، كونه اِنتقالاً من الشكوى في العيون والقلب، إلى تحدي ذلك الزمن الذي أنزل بالناس تعاليم رثة، هيَّأ لها حشواً من قوانين نفعية، كقولها: "ودعي البكاء يجيب كيف، وما، وهل." فتكون المواقف الجدية تصوراً لمعطي اخلاقي يعبر عن حتمية تحرر العقل الموضوعي من المفاهيم المسكونة بالتخويف الذي يصعب فهمه، وللعقل برهان على تدارك الحقيقة من دونها، كقولها "زمناً تجنبت التقاءك خفية \ فأتيت في زمن الوجل" وللخروج من هذه الحالة نقول انتصر المعطي المعرفي على التصور الوضعي، لأن المتطور الفكري حقق تطوراً مختلفاً بالاتجاه الايجابي، تمرده على المسار الديني الانكشاري المتطرف، وفي الوقت ذاته استفاد من تطور عناصر البراكسيس، باقامة أشكال جديدة للنظم الاجتماعية، وبهذا نكون قد تخلصنا من الخوف الآتي من القوانين التي تؤسسها الظلمة الادماجية عند أصحاب الفكر المتطرف، الذي ينظر إلى أن الموسيقا حرام، والأغنية حرام، وهكذا تَصَانِيف.

    إذن فالصورة التي رسمتها الشاعرة، يمكن تحليلها من حيث اختلاف ميزاتها الصوتية، التي تستبطن المعطي الحسي، لتآلف الحالات التنويرية التالية:

أولاً: الوعي الذهني، حالة استقبال ما تفرزه العلاقة التي ترتبط إرهاصاتها بالوعي التفاعلي مع حالة الولادة الشعرية الخارقة للمألوف العادي.

ثانياً: المثالي الذاتي، وهي حالة الاختلاف بين شاعرة وآخرى، وتشمل مستوى التفاعل، وخلق معطيات صُوَرُ الميتافيزيقا التي تحاور الآخر بتثوير عاطفي.

والثالث: معطي البناء الثقافي التفاعلي الذي ينشط الخبرة الإبداعية، على جهة الصوت التفاعلي أن تكون رمزاً للتصورات، أي: تصور التصور، الذي يدلنا على حكم الدلالة في: معنى المعنى، وقد تكون هذه الميزة مرتبطة ارتباطا عينياً بالكناية، التي تتسامى حالاتها مع لحظة الإلهام لولادة نص ناتج عن إشراق وفيض الخبرة المتمكنة، وليس نص الإمكان.

    هذه الحالات الثلاثة وجدتها تميز الاتصال المعنوي، الذي تبثه المجسات التفاعلية على أساس تلاقي مبغى النِيّاتْ، كالمشاعرية للفراق والنوى، المولدة للمصبات الحسية، وحالها كأنما اِشْتَدَّتْ بها الهَوَاجِسُ للشكوى المبيتة في الروح أن تثار للعلن في تشريفها الحسي: "هذا أوان البوح يا كل جراحي تبرجي". ونحن نلمس هذا المُبْتَغى العاطفي في أغلب قصائدها. والآمدي يدلنا على أن نحتسب للنجوى دلالتها في مثل هذه الحالة: " أن الشعراء المتأخرين اصطلحوا إنهم جعلوا الحائلة بينهم وبين من يَهْوَوْنَه يتصل بالفراق بالنيّة"* ولهذا نقول مادامت الموضوعات الخارجية تتجاوز التفكير العادي، نجدها بالضرورة تقوم على نضج تداعيات النضوح الإشراقي في نظم تقوى الوجد، أي اختلاج حواس الورع العاطفي، بالتقاط تفتحات الذهن التفاعلي، أن يبلغ ذروة الذائقة الصوفية بحاصل تجليات نبوغها المبتكر، المتفاعل مع قُدْرَةِ اسْتِحْضَارِ التأمل المُلْهَم لتوليد المعاني والتصورات، في حالة: "الفراق والنوى" ولهذا فهي تؤكد في أغلب أعمالها على اعتبار أن الصورة الشعرية لا تخضع للمبدأ التجريبي في عملية الكتابة، إنما تتماهى بالمهارات اللغوية لخلق تحول خاص يؤديه الإلمام التصوري المباشر لتثوير النَّجْوَى، أي التخابر الداخلي للعقل، عبر المدرك الذاتي الذي تستمع إليه النفس، ولهذا اتاحت الخبرة  الذهنية سر الوحي في صدق المبغى الحسي المعلن في جواباتها .

    نقرأ هذه المثالية الكلاسيكية في المصب الحواري المنتج بين: أنا الشاعرة، وبين ما يؤكده الملقن للذات المبدعة: " كم قاومت \ كم كابرت \ كم قررت \ ثم نكصت عن عهدي \ أجل ". قد نجد هذه الجمل القصيرة فيها من المباشرة ما يغني، ولكن هل هذا هزل يضعف القصيدة؟ أو هل الشعر تقنيص؟ وهل القيمة النوعية المفترضة في هذا العمل تشكل عائقا للفهم، فيكون الإيهام والتعقيد عامل مشكلة في إزَاحَةِ التأكيد بين الإنتاج الإبداعي، وبين المفاهيم التي نقرؤها والتي تسهل معطيات اللوح الفكري "المعنى"، المنتج التوليدي لبوح رؤى فنيات النص. إذن ماذا نقرأ في " كم " الخبرية؟ التي تجمع الجمل القصيرة الثلاثة، ولا نقول حوار لأنها خالية تماماً من التَّصَوُّر. إذا قلنا إن علاقة "كم" التي تُثَوّرْ منبع جوابات المَاهِيَّة الشعرية، قد شكلت حِسْيَّتَها مُعْضِلَةٌ في تثبيت النسبة بين الألفاظ  والافكار، خاصة إذا اعتبرنا التفويف يعمل ب "كم" على استسقاء المعنى من تنفس التوتر النابض في هذه الجمل، أو لنقل: إن التأويل المعلن يبين مفهوم بيان السؤال في المعنى المطروح للتلقي والاستفادة منه، على اعتبار كونها تجمع عناصر الموضوع وقراراته، بالهتاف الوافر في الوظائف الفنية، الموصلة لغايات ما تميل إليه الدلالة. خاصة وأن الانجاز الذي أشاع النزوع الافتراضي في حركية ابانة الخاتمة، يكشف لنا عن المقصود البيني في تلك الجمل القصيرة، في قولها: "ثم نكصت عن عهدي" والذي أكد هذه الميول، هو انتهاء الحكم بالقناعة في ثيمة " أجل " ففي هذا الصدد يمكن أن نطرح تساؤلاً: هل شاءت الشاعرة فعلاً النكوص؟ بالتأكيد لا. لأنها أدخلت أسلوبية التجريب في خبرية "كم" والقطع في هذه الناحية هو عتاب محض لا غير، لأن في قراراتها الحقيقية هي لا تريد النكوص، وإنما أرادت المجاز، كون كل ما تستبطنه من عاطفة في قراراتها البينية هو استفهام الذات الممولة لحقيقة التصوّر الذهني، والتأكيد المنطقي في هذه الحالة هو: " لكنه رغما عني أطَلَّ "، ونسمي هذا النوع بالاستطراد في الكلام المنثور المنظوم، في ما يناظره من التصريع في الكلام الموزون.

    تستمر الشاعرة تنتقل بالحوار غير المباشر مع الحالة الحبية، بعد أن كانت تتخذ من اللوم والعتاب والشكوى لنفسها مناشدة الزمن لتأكيد وتوثيق حبها، لكنها اليوم بعد أن "أطَلَّ" حاصرته في استمرار طاعتها وانتمائها له، لأنها هي الجزء الملبي لرغباته بقولها: " صادرتني حتى جعلتك معلما فبغيره لا استدل" ولا أدري لمَّ قالت "فبغيره" بينما في "صادرتني" والمصادرة تعني الاستيلاء أو الاحتواء منه عليها. لأنها لو قالت: اِحْتَوَيْتَ القلب \ فكان القلب ميالاً. وهذا أسهل وأليق مما قالته. لأنه إذا كانت "المصادرة" هي المشار إليها لتأكيد المعنى، فهذا يحسب عليها كخطابٍ مباشرٍ، إذن لماذا "فبغيره" وهنا أصبح الخطاب غير مباشرٍ في ثيمة "معلماً" وهذا لا يدخل في الاستعارة كونه خطاباً غير تفاعلي مع المؤثرات الحلمية، في: "جعلتك معلماً" وهنا مال الاحتمال إلى التذلل كطالب العفو والمغفرة، بقولها: "فبغيره لا استدل" ولكن من الناحية التأملية لم يكن التصور الرومانسي يُخِلَّ بالحقيقة المطلوبة، بمعنى أن المقصود مغاير في حقيقة الصورة الذهنية، وما توعز إليه دلالاتها الحسية، أي أن الصوت الرمزي يعبر عن معنى يخاطب معنى، مع إنها أي العاشقة مشبعة بالقناعة والخضوع الأنثوي له، مدفوعة بالطاعة إليه دون أيما تفكير يميز شخصيتها، لأن شخصيتها مذابة فيه، حتى إبداعها فبدونه يصبح "فجة" وقولها: "اجبرتني حتى اتَّخَذْتُكَ معجماً \ فتحولت كل القصائد غير قولك فجة" رغم الضعف النحوي إلا أن الصورة الشعرية كاملة. لكن أين الخطأ في النحو الذي نلمسه؟ لو نأخذ فعل أجبر الذي هو رباعي متعد بحرف التاء ومصدره إجبار، إذن هو أجبرها "ألْزَمَهَا، أرْغَمَهَا" لأن تكون ظله لا غير، وفي الحب لا إجبار، لأن الحب هتاف الروح للروح، ولكي لا يكون المعنى آخذاً هتاف السجع، فالأصح أن تبتعد عن قول "اجبرتني". فلو قالت: "أرشدتُ نفسي.." نقول اللفظ الفصيح يأتي بالمعنى البليغ: أما قولها "كل القصائد غير قولك فجة" الخطأ في "غير"، والأصح أن تقول "بغير"، في سورة عمران، آية 27 يقول القرآن: " بلا نهاية لما تعطي أو بتوسعه" أو نقول بغير برهان، أو بغير عمد، أو بغير فائدة. وفي صورتها السابقة تقول: "لكنه رغمي أطل" والأصح أن تقول: "لكنه رغما عني أطل" "رغمي" كلام محكي، واطل بحسابها -بان، لأنها بالتأكيد لا تعني - ظلمة الليل*.

وفي قصيدة أخرى نقرأ:

عش للقصيد

     = =

كم قلت لك

إني أخاف عليك من درب طويل

كم قلت لك

عنت مسافات الطريق وزادانا دوماً قليل

كم قلت لك

إني أحاذر أن تحار إذا مضينا

ثم لا نجد الدليل

في هذه القصيدة تعبر الشاعرة عمّا تمتلكه من إحساس لجنتهُ في نفسها، فقام الشعر يعبر عن لهفة تود أن تذيع لواعج ألحت بها، فحل المحسن البديع بلغتها كالأنفاس المنتظمة تعلو في الشعور والعاطفة، وتهبط في الإيماء إلى الخوف على آلاء حبها، ولم يعد هناك إلا الحبيب معبراً عن الحياة التي تنشد، تارة يقترب فتزيد فرحاً، ويبتعد فتخاف عليه من الليل والدرب الطويل وقولها: "كم قلتُ لكَ إني أخاف عليك من درب طويل". تلك تصورات تلح عليها من مناشدات في نفسها، فلن تجد سوى أن تذكره بما كان بينهما، أن يبتهج لحياة جميلة، إذن فهو الشوق الذي يصنع النداء، ليكون الشعر نظاماً مُطَوعاً للميتافيزقا بأحسن حالاتها. وروضة الحاج شاعرة بعيدة عن التقليد والنسخ والقصر، بل شاعرة أعدت عدتها من أصلها بالإحراز والإتقان، فجعلت من الحالة الشعرية نتاج التأمل الذاتي للحالات الشعورية التي تسكنها، وهنا نسترشد بما تقول: "عنت مسافات الطريق وزادنا دوماً قليل". وهذا قول يلائم الكناية، أما الخلل الذي كان من المفترض أن تتفاداه الشاعرة قولها: "عنت مسافات الطريق، فلو لم ترد "المسافات" لكان الشعر أكثر جودة ورقة، على اعتبار أن الطريق تمثل المسافة أو تعبر عنها، فلا ضروروة إلى إضافتها على المؤشر الدلالي الذي تمثل في ثيمة "الطريق" والأصح ف"المسافات" لا تأتي بفائدة للنص لتحسين المعنى، لأنه يقوم بعضها مقام بعض، وهذا هو وجه الكلام، حتى لا تكون جوانب الشعر منهكة، وصياغته مجردة من البديع، والبديع ضروري كونه يعتمد جانب الإسناد المجازي من واعز قوة الاستعارة، فلو لم ترد "المسافات" لأزداد التأويل على وجه المعنى أفضل رؤية، ويكون تركيبه مفيداً لتكثيف المعبر النوعي، أما الجودة المتصالحة مع المعنى فهي "عنت" وعنت تأخذ معان كثيرة ومهمة، والشاعرة هنا تقصد المشقة والصعوبة، لأنها عبرت عن الحالة تلك ب: "وزادنا دوماً قليل" فالمجاز أصبح جارياً على خلاف ثيمة "المسافات"، لأن "الزاد" هنا لا يعني الطعام، بل المشبه به الذي هو الانسجام العاطفي، والقطع المعنوي الذي يؤكده المعنى يشير إلى أن العلاقة بينهما لم تحصل على درجة الكمال. فالوجود اِنْحَصَرَ فيه هو ليكون موضوعها الدائم، على اعتباره يمثل التصور الأنموذجي في حياتها، أي يفترض أن يكون الحب بينهما أكثر قوة وذا شأن، وفي هذا يرى "كانط أن التصور يحسب في الذات". و"برادلي يرى أن التصور هو مطلق". وأنا أميل إلى فلسفة كانط، لأنه لا يوجد تصور مطلق، وهذا تؤكده الشاعرة أيضاً في قولها: "إني أحاذر أن تحار إذا مضينا \ ثم لا نجد الدليل." والدليل الذي أرادته الشاعرة أن يكون الأنموذج للعلاقة الحبية بينهما. تواصلاً بنواصي تقدم نواجيها نداء ملح في قولها:     

ومضيت رغماً عني يا فؤداي، لم تعد

وهتفت استجريك عد

وهماً ظننت الماء ذياك السراب

ومضيت تصرخ فيَّ

ما بيدي اسافر في اليباب

وأنا وراءك في القفار أهيم في الأرض الخراب

نرى أن روضة الحاج تنزل في شَجَنِ الشعر العاطفي منزلة كبيرة، وتجيده وكأن مضمونه العاطفي واحد، أي إنها لا تتصالح على أن يكون الشعر له وجهان، وأنا هنا أشير إلى علم البيان وخاصة الذي أشار إليه "الآمدي" وهذا تفعيل للاختلاف في تفريق التعليل والمغايرة، ثم إنه يَردُ في البلاغة على منزلتين: اللغة وعلومها. ومن جهة أخرى تأتي على جهة الاستطراد، من تفعيل صفة الاشتباك الفلسفي في الحصاد الحاصل في النص بين: الميتافيزيقي والواقعي. فنجد أسلوبها مازال فتياً بريئاً، ربما لصغر سنها، وقد نلخص هذا الرأي في هذه الحالات الثلاثة التالية:

أولهما: أن تكون العاطفة موضوعها الأساسي.

ثانيهما: يكون الحوار مبنياً على أساس الخوف من المجتمع، بينما وهي الشاعرة المثقفة لا أجد لها رأياً يجانب الأفكار المبنية على التخلف والتضليل والمتجارة بالأفكار الدينية خاصة.

والثالث: جميع نصوصها محرومة من خبرة الآخر، إلا من خبرتها هي، وهذا لا يكفي، فنقول بنيتها للقصيدة غير مستفادة من تجارب عالمية، ولا أقصد التقليد، بل تهذيب الفكر بتجارب عميقة المعارف.

    والواضح لنا من هذه الاحتمالات الثلاثة أن الشاعرة سوف تبقى محصورة بدائرة ضيقة قد تنتهي بسرعة، ولنا من أمثالها كثر من الشواعر والشعراء، مع أنهم كانوا على مستوى بديع النجاح، ومن أجل هذا يغلب على شعرها النزعة الخيالية المعادة، حيث نجدها تندمج بقوة في الصور العاطفية بأسلوب تقني حديث، تحت بنية فنية تتلخص في أسلوبها، في قولها: "ومضيت رغم عني يا فؤادي، ولم تعد \ وهتفت استجريك عد". فالشعور الذي يتعمق بالصراع بين الأنا الملهمة في عشقها، وبين المغادر الذي لا يريد أن يعود، بينما هي يسودها أمل أن تبني له الحياة وتبسطها تحت قدميه، وهو يروم الطريق البعيدة، وكأنما هناك قوة خارجة عن إرداته، تسيطر عليها الذات الأخرى في قولها: "ما بيدي اسافر في اليباب". وهنا نجد الشاعرة تتكلم في الضمير "أنا"، ومباشرة تلحق الكلام بالضمير هو. وكلا الضميرين قد أدى لأنتاج عمل أدبي مُتَكَافِئ بصورة مقبولة، وفي هذا تقول: " وهماً ظننت الماء ذياك السراب \ وأنا وراءك في القفار أهيم في الأرض الخراب". لم تلبث الشاعرة حتى تستعيد قوتها وتجدد عزمها على المواصلة بالبحث عنه، سواء كان هذا البحث في الجنائن أم في الأرض الخراب، وهي تريد الإشارة إلى "الأرض الخراب" وهو مكان الرمال المتحركة في جوفها، بينما تريد السراب مدعاة للحصول على الأمل واللقاء، مع إن السراب وهم عرفه الناس منذ أزل، ولكن الأمر سيان عندها، لأنه لا محال أن يبتعد عنها في غور غير معروف. وهي تؤكد هذا المنحى معللة مذهبها الذي تراه مقدساً، أنْ يجمعَ في تأثرهِ بالهوى وبالميول والعواطف، وحالها أشبه بحال الأم فهي تخاف عليه من السفر في هذا:                

قد كنت أخشى يا فؤاد عليك من طول السفر

قد كنت أخشى الليل حولك

والبروق العاصفات والريح تزأر والمطر

قد كنت أخشى أن اقول لك ارعو

فجيب منك الدمع كالمعتاد

مابيدي ولكن ذا القدر

تقوم هذه القصيدة على عنصرين أساسيين هما: الشفاعة، والنصح، اللذين يطلقان وحدة العلاقة القائمة بالمقدار الحيوي في النسبة، سواء كانت في المفرد المستقل، أو في المفرد الجمعي. ولذلك حددت الشاعرة نسبة الفكرة، كي تجعلها تدل على المعاني بالصورة الواضحة في قولها في المفرد المستقل: " قد كنت أخشى يافؤاد عليك من طول السفر"، وفي المفرد الجمعي تقول: "قد كنت أخشى الليل حولك \ والبروق العاصفات والريح تزأر والمطر." فنقول اللغة الواضحة تحقق للشاعرة تميًّز تأويل رؤيتها بلاغياً، من واقع فصاحة الألفاظ وجزالتها، وحسن الأسلوب وظهوره بصورة لائقة، فيكون المعبر عن العلاقة الواضحة بين الألفاظ من جهة السياق والنظم، وفي المعاني من جهة الدلالة والكناية، يدلنا يحيى بن حمزة اليمني بقوله: "أن شيئاً من الكلام وإن عظم دخوله في البلاغة والفصاحة، فإنه لا يدانيه معجزاً للخلق على وجه إعجازه*" ولذلك فالنشأة البلاغية في هذا النص محكومة بدلالاته التي وهبته قوة ارتباط حققت المتعة المتلاقحة في مراعاة الإكمال وتحسين تمثيل الصورة المضمرة جواباتها من علم البديع وإحرازه، حيث أن السمات الناجحة في الأوضاع اللغوية عند الشاعرة توهبها قيادة اللغة إلى أحسن تبويب، وطبعاً هذا محصور في ثقافة نشأة امتدادها المعرفي، مع تحفظها الذي يعبر عن الصعوبات التي تواجهها في مجتمع متخلف يقيد حريتها، وهي العارفة والقادرة على فهم ما يدور حولها من رفض لتحرر المرأة، وما يصاحب رأي المرأة المثقفة من قمع لإبداء رأيها بوضوح في القوانين الوضعية، التي تكون مصيرية لتبيين مواقفها وموقعها على صفحة هذا الرأي. والشاعرة تعرف جيداً أن هذا الصراع بين القوى المعلومة بقمع الحريات بكل ما اوتيت من قوة، تحت شعارات دينية رفعها أناس يخوفون ويخونون بها الذي لا يتفق معهم بالرأي وخاصة الأديب، لتحقيق غاياتهم المستبدة، فالحريات اعتبروها عدوهم الأهم. ونجد هنا الشاعرة تعبر عن هذه السلطة المستبدة بقراراتها "بالقدر" في قولها: "مابيدي، ولكن ذا القدر". وقولها في ذات السياق، نتابع.  

وضللت قلبي في الطريق

نصبته في الحالكات سنا بريق

فرحا تغني للحياة مع المساء

ومصبحاً تشدو كما الطير الطليق

عش للمساء والنسائم والسحر

عش للقصيد يزور بيتك رائعاً

مثل القمر

ودع الترحل في دروب الشوق

درب الشوق يا قلبي وعر   

مع إنها بدت في نهاية القصيدة متفائلة قليلاً، مع الحذر الكامن في نفسها دون أن تتخلص منه، على اعتباره موروثاً مجتمعياً تقليدياً، ولهذا فهي تدعو الحبيب الذي اسمته بالمراد "القلب" إلى العودة إليها، وأن لا يذهب في الطريق الوعرة المظلمة، تخشى عليه أن تقول له: " قد كنت أخشى أن اقول لك ارعو." وللغة العربية ملخصات ذكية وحكيمة استفادت منها الشاعرة بتوظيف ذكي، نجدها تخاطب الحبيب بكلمة "ارعو" التي تعني الكفَّ عن الغيَّ، وتأتي الردع، ويقول قائل: "ومن البَليّة عَذْل من لا يرعوي" ولكنها في النتيجة تجد نفسها مضطرة أن ترسم له الحياة، على أنها السناء وبريقه في قولها: "فرحاً تغني للحياة مع المساء" ولذا فإن الذي تعنيه الشاعرة بهذه الانتقالة ومدلولاتها أرادت أن تضع سيناريو للتأويل القادر بشرحه على أن الحياة جميلة السنا، وعلينا أن نستغلها ونجعلها ممكنة ورائعة، وفي التوليفة تقول: "يشدو المساء والنسائم والسحر، والقصائد زواره، وهو رائعا مثل القمر." إذن فالاستعارة هنا تمثلت بوصفه رائعاً مثل القمر، فكان التشبيه به مقصوراً صورة بمعنى، ونعني بقولنا الجملة المركبة، إذن فالمختار في صياغة هذا التفصيل مرسوم من أجل تشبيه المفرد بالمفرد، "هو \ القمر" بمظهر الأداة ذو النَفَس الناعمة، وأمَّا صورة التمثيل فهو اِنْعِكاس الذات الموحية على الواقع، أمَّا استعارة "القمر" فالمعنى وارد على جهة الكناية في "يشدو المساء \ والقصائد زواره". ولكن بالتأكيد ليس كل استعارة هي كناية. وابن الرومي يقول في هذا:

وَإنْ أضَاءَتْ لنَا أنوارُ غُرَّتِهِ  -  تَضَاءَلَ النَّيَّرَانِ الشَّمسُ وَالقَمَرُ. *

 مع إنها لا تنقض المعنى عند ابن الرومي، بل هي تستجير به، والطباق غير موفق بين القصيد والقمر، كون الطباق هنا لا يعالج المعنى بل يبتعد عنه من جانب "الروعة"، فالقصيد وهي تعني الشعر، أن يزور بيته، "مثل القمر" استعارة لا تتفق مع الدلالة المختارة للمعنى، فضوء القمر ليس ضوؤه إنما هو إنعكاس نور الشمس عليه، فلو ذهبت الشاعرة للقول: عش للقصيد يزور بيتك \ "شكلاً مضاءً في لحيظات السمر". "البيت بين هلالين لكاتب المقالة". أو: عش للقصيد يزور بيتك \ "كاهتزاز الضوء من وجنات ذياك السمر". البيت بين هلالين لكاتب المقالة" فالشعر إذا لم يك يتحلى بذوق الكناية يكون عسراً، وبشار يقول: "إذا كان ذواقاً أخوك من الهوى". ومع هذا فما زال الشعراء يصفون الحبيب بالقمر! أمَّا نصيحتها الأخيرة له أن يدع الترحل جانبا ويبقى قربها، لكنه عنود، ففي هذا السياق نجد الصورة الشعرية تارة واردة من باب التمثيل، وتارة تجعلها في مساق الاستعارة الممولة بالتنبيه. ولهذا فإنَّ الزمخشريَّ في تفسير له بهذا المعنى يقول: "أن التشبيه أكثر ما يطلق على ما كانت الأداة فيه ظاهرةً، فأمَّا ما كانت الأداة فيه غير ظاهرةٍ، فهو التمثيل، فإنَّه لا يقال له تمثيل إلَّا إذا كان وارداً على حد الاستعارة.*" وهذا يندرج في سياق القالب اللفظي المحكم في بداية القصيدة إلى السياقات الرومانسية المختزنة في العقل العاطفي، المعتادة أن تكون أشبه بالمصطلحات الجاهزة للتأثير على الآخر، وكأنها لا تعني الموقف الشعري، أو الموقف الذي يخصبه الفعل الفني في النظم الشعرية.

    وفي نص آخر لها: "وقال نسوة" قصيدة تحكم الاقتصار على جمالية الحكاية الشهرزادية على لسان النسوة، تتألف من الوحدات الصغيرة في بنيتها الفنية، وفي الوقت ذاته تحمل المعاني سياقاً لغوياً، المراد منه أن تكون الفكرة واحدة، أي أن يكون المعنى معطوفاً بعضه على البعض، يصل بعناية فائقة تحت موسقة إيقاع واع، يكشف عن جمالية التنقلات بين التحويل والموازنة في اتفاق الإظهار والإضمار، يسوقهما النبض المنتظم في الوزن، الذي يتيح للمضمون الميل للتعاقب بين اللغوي وعلم البيان، عبر إنشاد تحكمه المعطيات اللفظية، سواء كان في اللفظ الصوتي، أو الأرتباط بالممول الحسي، وهو عبارة عن نداءات غير مسموعة، بل محسوسة يصل إلهامها إلى الذات العاطفية، تتصرف فيه الكناية والرموز في مكانات متعددة، تحت عنوان علم الدلالة، Semantique. الذي يوسع مفهوم التصرف في مساحة الرؤيا الوجدانية والمعنوية، وتلك مفعلة بالمفاهيم المبسطة للتلقي، والمرتبطة ارتباطاً مباشراً بمقدار كبير من الحرفية. ولو قلنا إن مدلول العنوان يقع تحت التفسير البلاغي " المجاز " فهل تريد منا الشاعرة أن نحتاط للتفسير والتحليل والاستتباع لكل واردة في المعنى في البعد والكم والعمق الدلالي؟ وإذا كان هذا فهل تصلح هذه القصيدة للعامة؟ وبعد أين السهولة التي دأبت عليها الشاعرة في نصوصها الأكثر أهمية؟ كل هذه الأسئلة سوف نجيب عليها مع تحليلنا من حيث المبدأ لوحدات هذا النص.

وقالَ نسوةٌ من المدينة

ألم يزل كعهده القديم في دماك، بعد

عذرتَهُنّ سيدي

أشفقتُ

ينتَظِرنَ أن أرُدْ

وكيف لي وأنتَ في دمي

الآن بعد الآن قبلَ الآن

في غدٍ وبعدَ غدْ

وحسبما وحينما ووقتما

يكونُ بي رَمقْ

وبعدما وحينما وكيفما اتفقْ

عذرتَهن سيدي

فما رأينَ وجهَكَ الصبيح

إذ يطلُ مثل مطلعِ القصيدْ

    "وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ، امْرَأةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ" "يوسف 30" يعتبر الطباق توظيفاً حسناً للتناص بين البيت الأول من هذه القصيدة: "وقال نسوة من المدينة" مع آية يوسف 30 موفقاً من جهة الأداة والتقريب للمعنى. ولا أغالي إذا قلت أن هذا النص من أكثر أعمال الشاعرة تميزاً، لأنه يقع تحت مفهوم جنس التفعيلة المولدة لرشاقتها، والإيقاع شبيه بإيقاع "هل كان حباً" للسياب، أو قصيدة " الوصايا العشرة" للشاعر أمل دنقل. لكنها بالتأكيد مستقلة في مفاهيمها وايعازاتها وعلومها التي اعتنت بنظام فنون النسوة، أو العبث النسوي بأسلوب أدبي دال عليه كونه داخلاً في مسماه: تأثير علم المخاتلة في الكلام. والإفادة بما يبتغي النحو من حلاوة الألفاظ  دون افراط  في حقيقة الغرض من التشبيه بمعنوية عالية المجاز. لأن ما ورد في المبالغة في قولها عبرت عنه بالإفهام، وقول المتنبي لما فيه من المبالغة بكونه مجازاً ينشد:

"بدتْ قمراً ومالَتْ خُوطَ بانٍ = وفاحتْ عنْبَراً ورنَتْ غزالا*"

    والرد الذي يحمل في طياته ترادف الصفات الحسنة الذي لا مراء فيه في قولها: "وكيف لي وأنتَ في دمي". فالرقص على إيقاع الوحدات التصويرية يتخللها اللُّجَيْن المشاعري الذي يلاقح فنية التعاقب وشدة الملاءمة للمعنى، الذي يجيز عطف إحداها على الأخرى، أي من جملة شعرية إلى ما يليها، بحيث نجد هذا الأسلوب يمسك الخدر التشكيلي في نَبْض النص بقوة، بحيوية تتلاقى فيه تقنية عالية الدقة، تحصنها لغة شفافة ذات تهذيب ذكي. ولا أرى بداً إلا أن أحفظ القصيدة من القراءة الثانية، لبساطة إيقاعها، وقوة معانيها، وتأثير أناتها على نفسي كقارئ. لأننا أمام وزن الرقص الإيقاعي عند أبي القاسم الشابي. أقول هذا لنفسي ليتني كتبت هذه القصيدة. وأنا الشاعر، هذا لأن هذا النص سيكون من معجزات المعاصرة، حيث نجد تنظيم الوحدات الذكية في النص تحاورنا في النقاط التالية.

أولاً: الذكاء المجازي في البنية، خاصة وهو يلاقح الشكل بالمضمون، فيكون اللعب على الإيقاع أغرودة رشيقة.

ثانياً: المصاهرة في روحانية الجمل الشاعرية.

ثالثاً: المساجلة النوعية في قوة الكناية.

رابعاً: النشوة في أصوات الألفاظ وقوانيها الصرفية.

خامساً: التعليل اللغوي الصوفي، وأبعاده الروحية، في مناداة إطاعة الغيب المُلَقّنُ للنجوى.

    أرادت الشاعرة أن تقول للنسوة لستُ مرتابة، لأنه ليس محطّاً للريبة، وتعلن: " ينتظرن أن أرد" إن ترادف المزايا في إعظام حال الموصوف في رفع شأنه، يبين أن حبيبها مازال في نفسها على أحسن هيئة، فهو هاد لحبها لأنه الغذاء والحياة لوجودها، سواء كان قبل الآن أو بعد الآن، وهذا التأكيد سيق من أجلِ قضاء كبح التساؤلات، غير أن يكون رأيها ظاهراً من الدلالة في الوضوح الملزم في مدحهِ، وهذا التبليغ ورد على جهة الاتصال إيضاحاً لها أن تمتلك الثقة بما تقول، لأن هذا الأعلان وارد على جهة الاستطراد، أي إنها تتخذ من فنون العاطفة تقربا له، ومن ثم تخرج إلى العتاب معه، واشتقاق قولها: "عذرتهن سيدي" لأنها لا تريد "الشقشقة" في نيتها معهن، بل تريد البيان في فصيحها، والغاية هي تثبيت عدم هزيمتها أمامهن، لأن تلك التساؤلات لم تأتِ من فراغ: " ألم يزل كعهده القديم في دماك، بعد." وبعد تعني التأكيد على الوجود، والتسكين الموسيقي في المواصلة الحسية للمعنى، مع إنها لها محلاً من الريبة في قولهن. ويمكن إجازة مفهوم: "بعد" أن يكون وارداً على جهة الاستئناف في مَحَزِّها ومفصلها، كون سياق الجملة التي قبلها تبطن الشك في قولهن: "ألم يزل؟.. " أي إنه وارد على جهة العطف من الريبة، التي تضمنها البيت الشعري، فيما يبطن للمعنى من تعريف، فقولهن في القريب لا يتساوى مع ذات المعنى في مفهومه البعيد! على اعتباره أي السؤال يحمل صيغة التشهير، فيقابله التأكيد، ويبقى عندهن يحمل جوابات الشك والاستهزاء .

ولا عرِفن حين يستريحُ ذلك البريق

غامضاً وآمراً يشُدني من الوريد للوريد

لو أنهن سيدي

وجدن ما وجدت حينما سرحت يومها

    لكنها تعرف الألغاز والاشارات الخبيثة، فأطْلَعَتْ النسوة على مكنوناتها العاطفية علانية، ولنفسها سراً، عن دلالة موقعه في حياتها، مع إنها تعرف جيداً مقصودهن فقالت: "ولا عرفن حين يستريح ذلك البريق \ غامضاً وآمراً يشُدني من الوريد للوريد" إذن هو تحصيل القناعة لما تؤكده النفس للنفس، بعد أن أشادت من قدره ورفعت من منزلته أمامهن، وكانت واضحة بضوء شموسه، وهذا الوصل دائم العلاقة في رأيها، المعطوف في القوة الواضحة في العاطفة على النفس، لرفع الإيهام والتشكيك، وقولها: "لو أنهن سيدي \ وجدن ما وجدت حينما سرحت يومها \ أورق المكان حيث كنت.". فنقول أن المفرد الغائب "هو" في ترتيب هذه القصيدة العذبة، الذي شكل أحد أهم مكوناتها، أمام الجمع "النسوة" والضمير المتكلم "الشاعرة" فالضمير هنا هو السابق الجمعي الذي أوحى أن القصيدة مركبة بمساق بلاغي، تسري على هداها بسريان سلس نحو القبول والأهتمام، كونها عطفت الألفاظ على المعاني الملائمة بعضها لبعض، لما أرادت له الشاعرة للنص تدفق لأسرار معنوية، ومجسات عاطفية معلنة، وكل هذا مركب في البراعة الذكية عند الشاعرة.

 

 

جعفر كمال

الهامش:

1- ابن مضاء: اللسان ج6 ص87 .

2- ديفيد هيوم: طالع كتاب "مبحث في الفاهمة البشرية ص122.

3- ديفيد هيوم نفس المصدر

4- كتاب فلسفة والتر سيتس.

5- أنظر كتاب المواعظ وغرائب الأخبار. وكتاب مناقب عمر بن عبدالعزيز. للجوزي.

6- انظر ديوان أبو الطيب المتنبي.

8- كتاب الموازنة، لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، ص24.

9- عمانوئيل كانط: كتاب نقد العقل المحض ص98.

10- برادلي 1846 – 1924 : كتاب مبادئ المنطق ص 64.

11- كتاب "الطراز" ليحيى بن حمزة العلوي اليمني

12- انظر كتاب "الكشاف"

13- انظر ديوان ابن الرومي.

14- اقرأ كتاب: "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" ص 288

15- الأعمال الكاملة للمتنبي.

16 - http://merrikhabonline.net/showthread.php?t=23352

17 - http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=67797

18 – اقرأ كتاب: المحصل في كشف أسرار المفصل. للإمام يحيى بن حمزة اليمني ص201 الطبعة الأولى.

19 – كتاب "المخاطبات" للنفري وهو محمد بن عبدالجبار. أخذ هذا اللقب من بلدته نفر القريبة من الكوفة. "معجم البلدان"

ملحوظة: سوف يصدر الجزء الأول من كتابي الشعر النسوي العربي نهاية هذا العام، يحمل الأسماء التالية: نازك الملائكة، لميعة عباس عماره، بشرى البستاني، جمانة حداد، مالكة العاصمي، و  روضة الحاج.

الجزء الثاني: نتناول فيه الشاعرات: فاتن نور، فاطمة الفلاحي، هيام قبلان، فاطمة ناعوت، شاعرة سورية، وشاعرة من موريتانيا.

 


 

2014-06-24 - عدد القراءات #6714 - تعليق #0 - مقالات أدبية

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي