القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

علي وحيد العبودي
علي وحيد العبودي

من نحن

about us

نقد ادبي/نبيل سليمان في (هزائم مبكرة)..حكاية جلد الذات المبارك

حسين سرمك حسن
حسين سرمك حسن
  الدكتور حسين سرمك حسن  

 

نبيل سليمان في "هزائم مبكرة" : حكاية جلد الذات المبارك 

(نحن من العبث أن نفكر بأنه يجب أن نعدّل في طريقتنا في الكتابة (...) كي نُقرأ في الغرب. فمهما فعلنا ، لا أعتقد أن كاتبا عربياً على استعداد أن يجعل النساء تطير كما عند ماركيز . إذا كان هذا الغرائبي هو المطلوب من العالم الثالث ، فلا تؤاخذوني ، من الصعب أن نستجيب لمقاييس لا علاقة لها بتجربتنا)

                                                         

                                                              الروائي

                                                           إلياس خوري

 

 

(على الروائي أن يقول الحقيقة كما يفهمها ، في حين على السياسي ألا يكشف اللعبة ، والذين فعلوا الأمرين يشكّلون لائحة صغيرة جدا)

                                   

                                                         (غور فيدال)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

# تمهيد :

ليس غريبا أن تشعر وبقوة وحرقة ماحقة أن وقائع رواية "هزائم منكرة" للمبدع الكبير "نبيل سليمان" (1) مازالت حيّة ومؤثرة وفاعلة الدلالات في نفس المتلقي حتى يومنا هذا برغم أنها تتناول حوادث ومتغيرات هائلة عصفت بالوطن العربي قبل خمسين عاما . هل هو حال الزمن الراكد في الأرض العربية ؟ هذه كارثة . هل هو "العود الأبدي" في التاريخ العربي بتحوير كاريكاتيري عن أطروحة نيتشه ؟ هذه كارثة أكبر . هل هي النفس البشرية العربية في مراوحتها المازوخية المقهورة التي تأبى انفكاكا عن ضيمها المستلَذ منذ ألف عام ؟ هذه كارثة مكمّلة . هل هي "البنية" المُنزّلة كقدر ماحق غاصت أرجل ركائزه عميقا .. وعميقا جداً في تربة النفس العربية والعقل العربي ؟ هذه أم المصائب .

ورواية "هزائم مبكرة" هي جماع كل هذه الشدائد المدمرة وأكثر منها. هي التصوير الواقعي – صار مذموما في ظل موجة الحداثة العربية الهجينة والمشوّهة – البسيط والرفيع والمؤثر لمشهد الفاجعة العربية الممتد حتى لحظتنا السوداء هذه . فاجعة يُراد من الكاتب العربي أن يصوّرها على طريقة جماعة الواقعية السحرية في طيران النساء وانطلاق الفراشات من الأنوف والبول الذي يتحول إلى بحر. وتحضرني هنا مداخلة مهمة للروائي "إلياس خوري" في مناقشات محور الترجمة خلال لقاء الروائيين العرب والفرنسيين الذي عقد في باريس في عام 1988حين قال ردّا على ما طرحه الناشرون الفرنسيون من أن الكتابة الروائية العربية بحاجة إلى تعديل "شعري" كي تُترجم وتُقبل في الغرب :

(نحن من العبث أن نفكر بأنه يجب أن نعدّل في طريقتنا في الكتابة (...) كي نُقرأ في الغرب. فمهما فعلنا ، لا أعتقد أن كاتبا عربياً على استعداد أن يجعل النساء تطير كما عند ماركيز . إذا كان هذا الغرائبي هو المطلوب من العالم الثالث ، فلا تؤاخذوني ، من الصعب أن نستجيب لمقاييس لا علاقة لها بتجربتنا) (2) .

وعندما أقول الواقعية فهي بالنسبة لنبيل سليمان ليست الواقعية الفجّة المرصودة بالعين الفوتوغرافية إذا جاز الوصف . إنها الواقعية الفنّية العالية المرصودة بالعين السينمائية الدينامية المشهدية العريضة في الإمساك بجوهر المعضلات وتصميم الحبكة وتنفيذ العقدة . والأهم من ذلك كله هو الشخصيات ، شخصيات البشر الذين يتلاشون في ظل موجة الحداثة وما بعد الحداثة لتحل محلهم الأدوات والوثيقة والحفر الذهني والعوالم الفنطازية . هؤلاء البشر العرب تحديدا كأنموذج لأشد "أشكال" البشر إنسحاقا وانثكالا ومهانة.

# هامش الحكاية العربية أبلغ من متنها :

تبدأ الرواية (238 صفحة) بقسم عنوانه (هوامش) ، وهو تسلسل مُفارِق حيث اعتدنا على أن تكون هوامش أي عمل سردي في نهايته أو مرافقة له في أسفل الصفحة . لكن هامش الحكاية العربية المرير لا يقل أهمية عن متنها أبداً ، إن لم يفقه تأثيرا وعمقا . هامش الحياة العربية هو الذي خرّب متنها .. ومشكلة "العين" العربية أنها غير قادرة – أو قل أنها مدرّبة على ذلك بفعل المحددات الثقافية الدينية خصوصا – على أن تلتقط هوامش حياتها التي تزداد فعلا يوما بعد آخر حتى تغدو كأنها المتن المستتر والفعلي برغم ثانوية موقعه . فالهامش التربوي مدمّر ومخيف ينتج مواطنين "مخصيين" لا بالتعبير الفرويدي حسب بل بالمعنى الثقافي الشامل . والهامش الديني يصدّر قطاعات مذهبية وطائفية ومتحجرة برغم كل تنفّجات التسامح والسلام والمراهنة على العقل . وهكذا يبدأ نبيل سليمان حكايته / حكايتنا بهوامشها :

(عرفتُ هذا الرجل منذ حوالي ثلاثين سنة . كان دائما ينوء تحت وطأة هموم صغيرة وكبيرة لا حصر لها . الناس تُدمن الخمر أو الدخان أو القراءة أو القمار ، وهو يُدمن الهموم . جمعتنا مقاعد الدراسة والطفولة ذات يوم في الدريكيش ، ثم ابتعدنا سنوات قبل أن نعود فنلتقي في طرطوس : أنا موظف في المرفأ الجديد الصغير ، وهو عامل مياوم ، طُرد منذ فترة من مرفأ اللاذقية – الصفحة السابعة من الرواية طباعةً ، والأولى سردا ) .

وفي هذا المفتتح يتحدث الراوي المتكلّم عن صاحب له ؛ "الرجل" بصيغة الغائب ، فيحدّد سمته الأولى التي عرفها منذ ثلاثين عاما ، بكونه "مدمن" هموم . وهو يعلن دهشته من أن يرى إنسانا مدمنا للهموم في الوقت الذي تعارف فيه الناس على السلوك الإدماني في مجالات أخرى من الحياة كالخمر والقمار مثلا . ومن الناحية النفسية فإن هذا النوع من "الإدمان" هو تعبير عن سمة مازوخية متأصلة وذات سطوة قسرية تدفع الفرد إلى معاقرة "قنينة" العذاب والمشكلات يوميا حتى تُصبح عادة راسخة ؛ إن لم تجئه الهموم زاحفةً ، يسعى إليها راكضا . ولو رجعنا إلى حياة الأجيال العربية السابقة ومنذ الخمسينيات تحديدا لوجدنا أن هذه السمة هي من العوامل الفاعلة التي كانت تقف خلف نشاطاتها السياسية التي لا تُصدّق من حيث القوة والصخب الذي يصل حد الفوضى (بل ما يشبه الإنفعال الذهاني الجنوني !) أحيانا . ويجب أن نذكّر أن هذا الميل التدميري الذاتي لا يمنع تمظهره في أفعال ونشاطات اجتماعية وسياسية مجمع عليها ومستحسنة جمعيا ، تصل أقصى مستوياتها في الإستشهاد من أجل "قضية" .

# السرّ لا يكون سرّاً إلا إذا أفشي :

والراوي الذي لم تتحدد هويته بعد ، سوى أنه كان مع "الرجل" على مقاعد الدراسة في قريتهما ثم موظفا في مرفأ طرطوس الجديد الصغير ، يبدأ بتحديد الملامح العامة لسيرة صديقه وظروفها الضاغطة المُربكة ، مؤكدا على سمة استهلالية مفتاحية إذا جاز الوصف وهي أنه "مستودع أسرار" صاحبه . ولا حكاية من دون مستودع أسرار ؛ شخصاً وذاكرة . وهذا من الدروس الأولى العظيمة لسيدة الحكايات ألف ليلة وليلة . فلابد أن تتأسس الحكاية على معقد سر أو أسرار . ويجب أن يحمل هذا السرّ ميزة غريبة ومناقضة لطبيعته ، وهي أن هذا السرّ يجب أن "يُفشى" . ومن دون سر يُفشى لا تقوم حكاية . السرّ المستغلق عدو الحكاية الأول . والحكّاء السارد الروائي هو المتخصص في إلتقاط "إفشائية" الأسرار ، وفضحها . ولا يقدّم لنا الراوي أكثر من أسرار صاحبه منظّمة وكاشفة ، والأهم مرتبطة باسرارنا تلك التي تلوب وتنتظر أن تُفشى لتستكمل دائرة النزوع المازوخي الآسر . ولهذا (كان جليا أنه بحاجة ماسة إلى من يُفضي إليه ببعض ما يبهظه – ص 7).

وكان لدى الإثنين ، الراوي وصاحبه ، الشرط الآخر المهم لانطلاقة الحكاية وهو : الوقت الطويل للمسامرة . وهو درس آخر من دروس سيدة الحكايات . وكثيرا ما نجد أن هذا الوقت يرتبط بـ "الليل" سرّ الزمان وخفائه . لا تُصنع حكاية في النهار أبدا . إنها تُخلق في "الليل" في ظلمات اللاشعور ، و "تُسرد" في النهار ، في ضوء إنكشافة الوعي . والليل ميسّر ارتخاء رقابة الأنا الأعلى وانطلاقة لسان اللاشعور .

والراوي لم يكن مستودع أسرار صاحبه بعد لقائهما الأخير في طرطوس فحسب ، بل منذ أيام طفولتهما في "الدريكيش" قبل قيام  "الوحدة" – يقصد وحدة مصر وسوريا عام 1958- . وهذه ظاهرة من ظواهر الهامش العجيبة التي تُظهر رأسها الآن من وراء الستار . فحياة ذلك الجيل ؛ جيل الراوي ، بل الأمة كلّها ، لم يكن محدّدا بسنوات العمر الفردي ووقائع الحياة الشخصية . كان يتحدد - ويا للغرابة - بالأحداث السياسية . لم يعش أفراده حيواتهم وفق "تقويم" حياتهم الشخصي الذي تفرضه مراحل تطورهم العمري من طفولة ومراهقة وشباب تحديدا ، بل عاشوا حياة أسبق وأكبر مما رسمته لهم "البيولوجيا" . و "قبل الوحدة" سوف يستدعي بالإقتران الشرطي وبالممارسة الجمعية التي تتستر على الروح المازوخية "بعد الوحدة" ناهيك عن "خلال الوحدة" و "في أثنائها" . وينبغي أن لا نغفل "المضاعفات" الوقائعية التسلسلية : "بسبب الوحدة" و "من أجل الوحدة" و "مأساة الوحدة" وغيرها ، سلسلة طويلة ، كما سنرى قريباً جداً بعد أن يخبرنا الراوي بجانب من العوامل "المُعلنة" التي أربكت حياة صاحبه :

- لم يكمل دراسته الجامعية بسب وطأة التكاليف (عامل الفقر) .

- لم يستطع الحصول على العمل الذي يرغب فيه (عامل البطالة والتمييز والمحسوبية) .

- تفرّق أصدقاؤه في الدراسة الثانوية في أنحاء الدنيا (عامل الوحدة والعزلة والتفكك) .

- خلّف في القرية حمله العائلي الثقيل الذي ورثه عن أبيه المساعد (حمدان).

وما يقدّمه لنا الراوي هنا هو سلسلة "أسرار" صغيرة وجزئية ، لكنها مهمة في تشكيل ملامح شخصية صاحبنا الذي لم يعرّفنا الراوي على اسمه حتى الآن . عرّفنا على اسم أبيه ومهنته : المساعد حمدان . وسنلاحظ براعة الروائي في تقديم "أسرار" ملامح شخصية صاحبه ومكوناتها وظروفه على شكل "جرعات" متدرّجة . وهذا "التكتيك" يعزّز تأثير التركيب "السرّاني" للحكاية التي يقدمها لنا الراوي الذي تسلّمها بدوره من صاحبه – وهذا درس آخر من سيدة الحكايات - تُرى لماذا نبحث عن شروط الرواية لدى الغرب برغم فرادة وريادة جهد الأخير في هذا المجال ؟ – ؛ صاحبه الذي يبدو أنه ينظر إلى الحكي والحكاية كمنفذ للتفريج أو كأداة لـ "العلاج" :

 (أجل ، لقد كان بحاجة ماسة إلى من يُفضي إليه بما ينوء تحته. ولو لم أكن أنا ، لكان سواي . ومنذ تلك الأيام قلّما افترقنا . كانت أعمالنا تباعد أحيانا قليلة بيننا ، لكننا كنا نعوّض ذلك دوما – ص 8) .

# الحياة هي فن الحكي المتبادل :

ويبدو أن أغلب العلاقات الإنسانية – وحتى علاقة الأمومة اللانفعيّة طبعا والأم مخترعة الحكاية – تتأسس على الحكي المتبادل الذي يمد الجسور ويمتّنها . وبعد أن تتأصل هذه العلاقة وتصبح مسارب للعواطف وانفعالات الوجدان ، وقنوات متبادلة لمحتويات اللاشعور ، فإنها تجعل حتى الطرف المُستلِم الذي يعتقد بحصانته وترفّعه عن الحاجة العاطفية للعلاج الحكائي يتحوّل إلى "مدمن" حكايات من مقترب آخر ليس هنا مجال تناوله . ولهذا نجد الراوي يعلن :

(لقد فقدتُ به ركنا أساسيا من أركان حياتي ، لا عوض له – ص 8).

يبدو أن محنة "الإدمان" ؛ إدمان الهموم كان متقابلا . لقد جاء صاحبه قبل الحرب بفترة قصيرة ليخبره ، وهو يزفر ، أن الحرب قادمة لا محالة ، وأنها مسألة وقت . وستكون فيها بطولات بعد هزائم سابقة كثيرة . لكن مشكلة صاحبه الآن ، فوق ذلك ، هي أنه يخشى إن إبنه "الملعون نصري" كما يصفه قد يغافله ويلتحق بالمقاتلين . إنه يعتقد أن أوان إبنه لم يحن بعد ! وهي عودة لصراع الأجيال المحتّم في حياة البشر. لكنها بالنسبة لصاحبنا ذات دلالات مضافة سنمسك بها بعد أن نرسم "الصورة الكلية – الجشطلت - gestalt " للرواية .

الآن نتعرّف على اسم صاحبنا فهو "خليل" الذي تزوج من "جميلة" شقيقة "يوسف" بعد أن مات أبوها ، وسُجن شقيقها يوسف وعمّها . لقد قام خليل برعاية الأسرتين الصغيرتين ، وبارك يوسف زواج جميلة من السجن بعد أن حال دونه لبعض الوقت . وهذه الإشارات التي يقدمها الراوي – ومن خلفه الروائي طبعا - هي في الواقع "خلاصات" موجزة لوقائع وعلاقات واسعة سيأتي تفصيلها في المقبل من مسار الحكاية . وهي تقنية يتبعها نبيل في الكثير من رواياته . وسيقول البعض أنها من عطايا الرواية الغربية الحديثة لكنك تستطيع العثور عليها في سيدة الحكايات . بل يمكنك أن تعثر على تقنيتي "الإيجاز" و"الإستباق" في النص القرآني خصوصا في سورة يوسف . ويجمع الراوي التقنيتين في ختام هذه الفقرة حين ينقل إلينا تبرير خليل لاختيار إسم قديم كـ "نصري" لوليده قبل ثمانية عشر عاما :

(لكن خليل راح يتفذلك كعادته في كل أمر مهما ضؤل . ولازلت أتذكر كلماته ترن في أذني منذ حوالي ثماني عشرة سنة :

-إسمع يا أخي : لا يجوز أن أسمّيه باسم آخر . أنت تعرف هزيمتي الأولى أمام يوسف – ص 10).

فيُبقي الراوي أبواب التساؤلات مفتوحة . وقد اتسعت الآن عن "هزيمة" خليل الأولى أمام يوسف ، وارتباط إسم "نصري" بها وكرد فعل عليها .

وخليل في تعاطيه المحيّر مع اندفاعة إبنه "نصري" المتحمّسة ، يرى أن لا وقت له للهزيمة . فهو – كما يقول الراوي - قد عاد مهزوما في حرب عام 1967 التي وإلى اليوم يسمّيها بعض أفراد جيلهم نكسة أو نكبة لا "هزيمة" برغم أنها تحمل كل المعاني الموضوعية للهزيمة الفاضحة والمخزية . وفي هذه الفقرة يشير الراوي إلى أن خليل كان قد أنهى دراسته الجامعية وقت وقوع الهزيمة . ولكنه كان قد أنبأنا في الصفحة الاستهلالية بأن خليل لم يستطع إنهاء دراسته الجامعية بسبب التكاليف !! كما يشير إلى نوع من "الحسد العصابي" "المُبارك" لدى خليل حيث كان يحسد صديقه الراوي لأنه أُصيب بشظية في فخذه ورّثته عرجا دائما ، في حين أنه انسحب مع وحدته من دون أن يطلقوا رصاصة واحدة ! ولا تندهشن حين تسمع – كم سمعتُ أنا – أن مناضلي حركة معينة في مدينة عربية وقد ولت أزمانهم يتفقون مع مخبر أمن متقاعد على أن يستمر في مراقبتهم وملاحقتهم مقابل مبلغ معيّن . ألا تصلح هذه الحادثة لنواة حكاية طويلة ؟ حياتنا كلها حكايات .. و "ما بتخلص حكاياتنا" . وجلّها حكايات هزيمة مبكرة ومكررة ومنكرة . ففي شتاء عام1970 عاد خليل مثل الآخرين مهزوما من إربد الأردنية بعد أن ذبح الملك جاسوس السي آي أي الفدائيين الفلسطينيين . وقبيل التحاقه بالفدائيين كان يستعرض أمام الراوي سلسلة هزائمهم : 1948 ثم الإنفصال .. 1967 وغيرها . ولم يكن يستطيع رؤية أي شيء – إنتصارا أو هزيمة – إلا بعين المازوخي البكّاء مدمن الهموم ومجترّ الخسارات . فالإنتصار بحد ذاته يمكن أن يكون همّا جسيماُ حين يهدّد المخزونات الفردية التي بُنيت أصلا قاصرةً ومثزعزعة .

# مازوخية الـ "لكن" :

وقد حاول الراوي مستميتا أن يُقصي ظلال الكآبة الخانقة التي كانت تخيّم على روح صاحبه . فهو يرى أن خليل موسوس بالهزيمة ، ولم يكن قادراً على الفصل بين هزائم الحكام والشعب المقهور الذي يدفع الثمن :

(أنت موسوس بالهزائم يا خليل . كانت هزيمتك الأولى أمام يوسف . هل نسيت كلامك ؟ الآن صارت هزيمتك الأولى أمام الإنفصال ، أمام إسرائيل ، أمام من ؟ الله أعلم . هل نسيت يوم كنتَ تتلذذ وتحدّثني عن هزيمتك أمام سعاد ؟ أمام المساعد حمدان ؟ أمام الوظيفة ؟ بل ...

وهمستُ في أذنه :

-بل هل نسيت يوم كنت تحدثني عن هزيمتك أمام أم قاسم ؟ ما بك يا رجل ؟

كان يصمت قليلا ، ثم يقول وقد ذهبت عيناه بعيدا :

-إسمع يا أخي : كلها هزائم . لماذا اللف والدوران ؟ هزيمة صغيرة ، هزيمة كبيرة . هل يكذب الإنسان على نفسه ؟ - ص 12 و13 ) .

وهذه مراجعة سريعة يقدمها لنا عن مسلسل هزائم خليل التي دهمته منذ وقت مبكر ؛ هزائم شخصية انتثرت في تربة الهزائم العامة الحاضنة والخصبة . وعبثاً يحاول الراوي أن يفتح كوّة لضياء الأمل والروح التفاؤلية في ذهنه ونفسه . لقد أخبرنا الراوي بأنه كان ، أوانذاك ، ينشر محاولاته القصصية الأولى ، ولم يكن يهتم كثيرا بالكلام الذي كان يدور حول الهزيمة . إنه في طور أن يصبح حكّاءً في ظل مجتمع حكاية كبرى لا تنقطع فصولها . وخليل ينظر إليه هكذا : كحكّاء "شاطر بالكلام" كما يقول . وهما ينظران إلى الحكاية من مقتربين متناقضين . ومقترب كلٍّ منهما له ما يدعّمه من ظروف ووقائع وآمال وخيبات . ففي شتاء 1973 (حرب تشرين) سُرح خليل من الخدمة العسكرية الإحتياطية ، والتقاه الراوي بعد مدة من انقضاء المعارك ، وكان يندب نصيبه الضائع في تلك الحرب ، في حين كان الراوي يرى الأمر عاديا مادام هناك من قاتل غيره . وبرغم أن خليل أعلن أنه مرتاح لما تحقق وأنهم تركوا هذه المرة "خميرة" ممثلة بابنه "نصري" ، إلا أن عصابية الـ "لكن" تنتصب وتُفسد كلّ شىء . وحرف الإستدراك الـ "لكن" هذا هو روح حكاية العصابي مدمن الخسارات ومحور سلوكه . تأتي فتجهض كل توقّع إيجابي وتقوّض أي موقف يتضمن إمكانات النماء والتفتّح :

(قال  [= خليل] وهو يداعب شعر إبنه :

-والله أنا مرتاح . هذه المرّة تركنا خميرة. فعلاً غيري فعل . لكن أولاد الأبالسة لم يعجبهم إلا المنطقة التي كنت فيها ... هناك مناطق طحشناهم فيها طحشا ، في القناة هزمناهم شرّ هزيمة. ولكن ... – ص 14).

لكن - ها نحن الذين نعد أنفسنا أسوياء نستخدم هذه الـ "لكن" – الواقع المدوّخ المختنق بالتناقضات هو الآخر يعزّز هذا الخطاب العصابي الإستدراكي المُجهض . فكل لحظة إنتشاء وبهجة تصعقها لحظة إنكسار وقتامة ، وكل نصر أبيض تمحقه – وفورا – هزيمة سوداء :

(حين زار السادات القدس جاءني يحشرج :

-أرأيت ؟ حتى لو ننتصر أصغر انتصار ، أكبر انتصار ، يطلع لك من يحوّله الى هزيمة جديدة. هل تصدّق : أنور السادات الذي جاء من عشرين سنة على رأس الوفد النيابي المصري إلى الشام ، وجلس في مجلس نوابنا ، وقرّروا توحيد سورية ومصر ، السادات نفسه يفعل هذا اليوم هذا الذي .. – ص 15).

ويبدو أن هذه الـ "لكن" هي الوقفة السلوكية المميزة والطاحنة ليس لسلوك المواطن المعصوب ، بل لأغلب القادة السياسيين. ويبدو أننا إذا واصلنا قياس السلوك العصابي وفق أطروحات نبيل سليمان وعلى مقدار ووفرة الـ "لكن" العملية بوجهها الإجهاضي سنكون – وقد يكون هذا حقيقة لسوء الحظ – كلنا عصابيين قطعا !!

# العصاب التجريبي .. وقلق الهزيمة :

وقد طبعت هذه الـ "لكن" علاقة خليل بابنه نصري ؛ الخميرة كما وصفه ، خميرة البناء السليمة النظيفة التي سيتركها لوطنه . وهي خميرة ربّاها الأبوان ؛ خليل وجميلة ، بطريقة مفعمة بالحرص والرعاية الصدوق . لكن الراوي كان يرى فيها طريقة "تعويضية" بالمفهوم النفسي . يراها مبالغة في التعويض في الواقع . كانا لا يريدان لابنهما أن يمرّ بأي لحظة يكتوي بها مثلما اكتوى بها الأب سابقا . وعملياً فإن الأبوين يربيّان الأبناء بالطريقة التي كانا يتمنيان لو انهما ربّيا وفقها في طفولتهما . نحن نربّي أولادنا بضغوط حرماناتنا وعذابات طفولتنا الباكرة . ولكن هذا الحال يبعدنا عن وصف "صراع الأجيال" الذي وسمنا به علاقة خليل بابنه نصري قبل قليل . فصراع الأجيال يحصل حين يظهر جيل جديد – بعد خمس وعشرين سنة عادة – يحمل مفاهيم وقيم وعادات وأفكار مغايرة وأحيانا مناقضة لقيم وأفكار جيل الآباء . هذا الصراع هو في الواقع مصدر كل تطور . فهو ينطوي على رغبة مستترة ولاشعورية في "قتل الأب" ، هذه الرغبة التي جعلها التحليل النفسي دافعا للحضارة (بمعنى الثقافة) ونشوء الدين والقانون والأخلاق (تحضير المحارم) والفن وغيرها من الأنشطة الإنسانية الكبرى . ومن دون هذه الرغبة اللائبة لن يتحقق أي تحوّل جذري لصالح الجيل الجديد . سيبقى الأب بحضوره الفعلي أو بشبحه المستوهم "إخصائيا" جاثما على صدر الجيل الجديد . ويبدو أن الأب عندنا – كما سنفهم من حكاية نبيل لاحقا – لا وسيلة لقتله ، وهو عصيّ على الفناء . فقد كان خليل من جيل يشعر بأنه "يجلس على نار" حسب الوصف الشعبي ، لكنه يستغرب الآن أن يكون إبنه ممتلئا بالحيوية والحماسة الثورية . يخشى أن يغافله ويلتحق بالمنظمات الفدائية ، وهو نفسه أرسله إلى أحد المعسكرات في جنوب لبنان ، وكان غرّة رفاقه . إنها الخشية من أن تتكرر تجربته في مسار حياة إبنه . إنه "قلق الهزيمة" . دعونا نجترح مثل هذا المصطلح . ويبدو أن هذا القلق ينبني على الخوف من الفشل منذ الطفولة ، ليتسع في أعمارنا الراشدة والبالغة عبر "تدريب" على اليأس كما سمّاه العالم النفساني السلوكي الشهير "مارتن سليجمان – Seligman martin" الذي من المهم جداً أن نتأمل نظريته بصورة مبتسرة : وضع كلبا في قفص زجاجي مقسوم بحاجز إلى قسمين ، والحاجز واطىء يستطيع الكلب القفز فوقه من نصف إلى آخر . وبدأ بتوجيه صعقات كهربائية إلى قدمي الكلب الذي تألم وصرخ ثم قفز إلى النصف الآخر ليتخلص من الصعقات . هذا رد فعل طبيعي أن نتخلص من الألم . لكنه ربط أقدام الكلب الآن ، وبدأ بتوجيه الصعقات . حاول الكلب القفز فلم يُفلح . وعندما تأكد لديه أن لا مفر من  العذاب ، جلس على أرضية الصندوق مستسلما يتأوّه من العذاب بصوت متخافت ! لكن ما هو أفظع دلالة وأخطر تجاربياً ، هو أن هذا الكلب نُقل بعد ذلك إلى قفص مقسوم إلى نصفين بحاجز بحيث يستطيع القفز والخلاص من الصعقات الكهربائية. لكن الكلب وعكس أي توقّع جلس مستسلما يتقبّل العذاب والألم ، ولم يحاول القفز والخلاص بالرغم من أن أقدامه طليقة وغير مربوطة !! لقد تعلّم من "تجاربه السابقة" أن لا خلاص من العذاب . وهكذا نتعلم اليأس ، ونتدرّب على الإحباط والكآبة . لنتذكّر هذا "العصاب التجريبي - experimental neurosis" كما سمّاه الباحثون على امتداد أحداث الرواية برغم أنني اضع في ذهني حقيقة أن الإنسان حسب رأي "علي عزّت بيجوفتش" هو الحيوان الوحيد الذي يرفض أن يبقى حيواناً.

ولعل واحدة من مظاهر علّة هذا العصاب ، هي ديمومة الإنرعاب من شبح الأب متمظهرا في السلطة بكل أشكالها من الأب إلى المعلم إلى الشرطي ، وصولا إلى الرئيس المنتخب حتى الموت . ومن مظاهرها أيضا – طبعاً ليس الأمر بهذه البساطة – هو الخوف من "صعقة" الفشل بدءاً من فقدان كلمة الإستحسان إلى غضب السلطة .. ونقمة العدو . وقد استولى على حياتنا "عصاب الهزيمة" بمعنى أن منظورنا الحياتي تحكمه رؤية انهزامية في كلّ شيء . والمعضلة الأضخم تكمن في "التعميم – generalization" حسب الطريقة البافلوفية ، أي تعميم المُثير ليطول المحفزات المناقضة . حيث تبدأ مراودة الأمل بالنصر نفسه تثير مخاوف الإندحار وتكرار الخيبة . يقول خليل للراوي عن إبنه قبل الحرب – ولا داعي لتحديد أي حرب وهذا من دروس حكاية نبيل سليمان - :

( إسمع يا أخي . الحرب قادمة حتما (..) البطولات يجب أن تكون هذه المرة أكبر من كل ما سلف . هذه المرة يجب أن تكون الخميرة أقوى . لكنها تبقى خميرة ، مثل كل البطولات التي كانت تنطوي عليها ثنايا كل هزيمة سابقة . ما يعذبني فقط هذا الملعون نصري . أخشى أن يغافلني ويلتحق بهم . هل أخطأت يا أخي حين دفعت به الصيف الماضي إليهم ؟ أنت تعرف : أنا لا أبخل به ولا أخاف عليه . لكنني غير مقتنع بما يقول . هذه الحرب أيضا من حروبي . يا أخي أنت تعرف : أوانه لم يحن بعد . لايزال أمامه وقت طويل ، يحارب ، يموت ، ينتصر ، لكن لا وقت للهزيمة ... لقد صار شابا وأنا أردّد عليه ذلك ، وهو ، مرّة يفهمني ، مرّة يقتنع ، مرات يحيّرني . دائما الشباب يبدون كأنهم على نار . هل كنا كذلك ذات يوم ، نحن أيضا ؟ – ص 8 و9) .

إن هذا الجيل هو صورة "حديثة" لذاك الجيل ، وكأننا نستنسخ بعضنا مع فروقات طفيفة بطبيعة الحال . وقد استمر خليل في "دوره" في اتخاذ القرارات وفي "تنفيذها" لاغياً أي فسحة لإبنه من الجيل اللاحق ، فقرّر أن يخوض الحرب الجديدة في لبنان ، فهي حرب من "حروبه" هو كما يقول للراوي (ص 17) الذي يقول إن خليل غادرهم ضاحكا مسرعا قبل أن يحسم أمره في الوجهة التي يتخذ (هل يلتحق بخدمة الإحتياك في الجيش أم بالمنظمات الفدائية التي حافظ على علاقته بها بعد مذبحة أيلول 1970) . لم يعد مهماً أن تكون المواجهة تتضمن هزيمة أو نصراً أبداً . المهم "العملية" بحد ذاتها . وهذا هو الشرط الجوهري لأي عملية "إدمان" من الناحية السيكولوجية . ولا أعلم هل كان الجيل نفسه من المناضلين العراقيين ، الشيوعيين مثلا ، الذين قاتلوا في أثيوبيا بنفس الحماسة التي قاتلوا بها في ظفار ، وبنفس الحماسة التي قاتلوا فيها في أغوار فلسطين وجنوب العراق ، يدركون هذا البعد العميق المتخفّي تحت غطاء المبادىء المُبهرة والمشروعة ؟! لقد انطلق خليل ليلتحق بـ "عمليّته" أو "حربه" ضاحكا .. وهذه المرة (لم تطل غيبة خليل . لا ، إن غيبته هذه المرة أطول الغيبات . لقد أصيب في البقاع – ص 17) .

# الحكاية .. طريق الخلود :

وفي المستشفى كان يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وبحضور زوجته "جميلة" ، قدّم طلباً غريباً إلى الراوي . فقد التمسه أن "يكتب" عن حياته شيئا ، بل عن حياتهم جميعا . هنا يعيدنا نبيل سليمان وبذكاء إلى "الحكاية" وفعلها ودورها ، بل خطورتها . فسيرة الحياة هذه يجب أن تُحكى بعد أن جرت وقائعها على أرض الواقع . من دون الحكاية لا معنى لوجودنا الإنساني . الإنسان "حيوان يحكي" . والفن الأول له بعد أن كان يعود من رحلة صيده الأولى هو أن يحكي ما حصل له .. ما شاهده وما فاجأه .. الأخطار والمسرات المباغتة العجول . أما أول حلم شاهده الإنسان الأول فكان شعراً . وتخيّل الإنسان الأول حين يعود إلى بيته من رحلة صيده ويبدأ برواية رحلته على أفراد عائلته شعرا . سيُفقد حكايته جانبها العملي الإجرائي . ولن يصدّقه أحد أو يتم استقبال حماسته ببرود "شعري" . ومناسبة هذا القول هي أن نبيل سليمان سار بتويفق عال على القاعدة الدقيقة والسليمة التي ترى أن للرواية لغتها وللشعر لغته ، وفي المواقف التي يُضطر الروائي فيها على أن يستخدم لغة الشعر عليه أن يستخدمها بجرعات محسوبة ومقادير مدروسة تناسب الموقف من ناحية ، وطبيعة الشخصيات ومستواها التعليمي وخلفيتها الإجتماعية من ناحية أخرى . ولو لجأ نبيل إلى سرد حكاية خليل وجيله ، حكايتنا ، بلغة الشعر ، فلن تصل من خلالها رسالة ذلك الجيل ولا أبعادها الدقيقة ولا أفكار وأهداف وسلوكيات اشخاصها المحدّدة والفعلية التي تجري على أرض الواقع ، وما سيصلنا هو صورة استعارية غائمة ومسترخية . لغة نبيل هي الأداة الأكبر أهمية وفاعلية التي ستحقق له نقل "الأمانة" التي حمّل خليل صديقه الراوي مسؤولية توصيلها إلى إبنه نصري :

(- إسمع يا أخي : الآن فقط يخطر لي ما لم أفكر به من قبل . آه . كيف يمضي العمر دون أن نحقّق فيه شيئا . كم حكيت عن الأيام التي عشتها بعد الإنفصال في اللاذقية ؟ أيام الوحدة التي لم نكن نفعل فيها شيئا ، لا أنا ولا غيري . كنا نهتف ونفرح فقط . قد تعزّيني وتقول : كنا أطفالا ، كنا مراهقين . كان زمن انتصارات . نعم . ولكن أيام الإنفصال بدأنا نعمل . لم نكن نهدأ . أيام الهزيمة هكذا ، رحنا نفعل . هكذا يجب أن يكون . بعد هزيمة الـ 67 أيضا . لماذا تظن إني التحقت بالفدائيين ؟ هكذا يجب أن يكون ، ولكن ليس بعد الهزائم فقط . أرجوك يا أخي أن تكتب . ولكن بلا زيادات . يجب أن يتحدّث الآباء للأبناء عن عشرين ثلاثين السنة الماضية . يجب أن يعرف نصري وغير نصري ما كان وراءهم حتى يعرفوا أفضل ما أمامهم – ص 18) .

وفي هذا الحديث الأخير ، حديث الإحتضار ولفظ الأنفاس ، الحديث الوصيّة ، وضع خليل خطوطاً إطارية عامة لحكايته التي سيتصدى الراوي لنقلها إلينا . التفصيل والدقة والأمانة الجارحة والثبات والتفاؤلية في التعاطي مع وقائع الهزيمة والنصر . ومثلما نظر خليل إلى الأمور الكبرى التي هزّت حياته نظرة أخرى وهو على فراش الموت ، فإن الراوي لم يشعر بالعبء الذي حمّله إياه خليل إلا بعدما توقفت الحرب ، ونزلت دفعة من المقاتلين المنسحبين من بيروت في مرفأ طرطوس ( ص 18) . لقد هدأت أصوات المدافع إيذانا بنهاية الحرب . ولا يمكن للراوي أن يصوّر حدثا هو في مركز دائرته ومغيّب بدخانه . يجب أن تكون هناك "مسافة زمنية محسوبة" بين الإنفعال بالحدث وتصويره . مثل الملاكم الذي لا يستطيع إصابة خصمه حين يلتحم به تماماً أو يبتعد عنه كثيرا ، أو المصوّر الفوتوغرافي الذي لا يستطيع تصوير مشهد معين حين يلتصق به أو يبتعد عنه لمسافة كبيرة (3) . ولهذا قلنا كثيرا إن أدب الحرب الكبير خصوصا – على سبيل المثال – يُكتب بعد الحرب . وهذا المبدأ ينطبق بدرجة أو أخرى على "كتابة" أي حدث مهما كان بسيطا . ونحن هنا نتحدث عن "الكتابة" كوقفة وتأمل ورؤية واستبار واستغوار يلعب فيها اللاوعي واختماراته دوراً كبيرا .

وحين أكّد خليل على أن يكتب صديقه الراوي وقائع جيلهم التي خاضوا غمارها في الثلاثين سنة الماضية ، فإنه يلفت انتباهنا إلى ظاهرة واقعية خطيرة وسمت تلك المرحلة ، وهي أن أغلب لاعبيها من قيادات وقواعد لم يوّثقوا حتى "يوميات" بسيطة عن تلك الأيام الصاخبة والهادرة بالفعل ورد الفعل وأغرب المتناقضات . لقد رحل الكثير منهم ولم يتركوا أي شيء للتاريخ وللناس من بعدهم ليصبح تاريخهم استطالة هائلة من الحقائق والأكاذيب والتخمينات والتوقعات والإسقاطات يطلقها المتفرجون كل حسب مصلحته وتحاملاته ورغباته ومكبوتاته . ولعل من بين العوامل القسرية التي شكّلت هذه الظاهرة هو أنهم – ويبدو أن نبيل سليمان منهم - أمضوا الثلاثين سنة كلها "لاعبين" على أرضية متفجرة وملغومة ، كانت "الكتابة" فيها تبدو بذخا أو انشغالا شهرزادياً إذا ساغ الوصف . 

# إنخلاع الأنا :

.. والآن يتهيّأ الراوي ليكتب قصّة خليل وجيله بتكليف من الثاني وبرغبة تنامت في أعماق الأول بعد رحيل صاحبه . لكن هذه الرغبة لم تنضج من دون "مقاومات" نفسية و"أواليات دفاعية – defence mechanisms " نفسية أخرى . فليس من اليسير على الراوي أن يكتب عن صاحبه الراحل لأنه سيقرّ برحيله الفعلي وبغلبة إرادة الفناء المرعبة . سيشعر أولا أن لعبة الحياة – حسب الوصف الموفق لمعلم فيينا – ليس فيها تعادل أو أوقات إضافية ، وسوف يتأكد بأن  "أناه" هشّ تماما ، وليس عصيّا على الموت كما يخدعنا لاشعورنا بأحاسيس الخلود والديمومة طول أعمارنا . كم من الآلاف من البشر يموتون حولنا كل يوم ولا نتعظ ، ولا ندرك بأن الموت حق ؟ فقط عندما يتهشم "أنانا" وينخلع جزء منه مُستدخل ممثل بـ "أنا" آخر عزيز . لقد (كانت هناك بالنسبة إلى الإنسان حالة يتصارع فيها الموقفان المتعارضان تجاه الموت ، وكانت هذه الحالة بالغة الخطورة وتُسفر عن نتائج بعيدة الأثر ، وكانت تحدث حينما يرى الإنسان البدائي شخصا يمت إليه بصلة - زوجته ، إبنه ، صديقه - وهم الذين كان يحبهم بالتأكيد كما نحب نحن ذوينا . ذلك أن الحب لا يمكن أن يكون أصغر كثيرا من الشهوة إلى القتل . عندئذ فإنه - في لحظات ألمه - كان يتعين عليه أن يتعلم أن المرء نفسه يمكن أن يموت ، وهو اعتراف كان كيانه كله يتمرد عليه ، ذلك أن كل واحد من أولئك الأحباء إليه كان - بكل صدق - جزءا من ( أناه ) المحبوب . ولكن حتى رغم هذا فإن حوادث الموت هذه - من ناحية أخرى - كانت لها مصداقية بالنسبة إليه ، حيث أن شيئا ما من الغريب المعادي كان يقيم داخل كل من هؤلاء الأشخاص الأحياء . ومن المؤكد أنه كانت لقانون "التناقض الوجداني - AMBIVALENCE" للشعور الذي يحكم إلى يومنا هذا علاقاتنا العاطفية مع أولئك الذين نكن لهم أشد الحب - مشروعية أوسع نطاقا بكثير في الحقب القديمة . هكذا فإن أولئك الموتى الأحباء كانوا أيضا أعداء وغرباء يثيرون في الإنسان القديم قدراً من الإحساس العدواني" (4).   

والجزء الذي سوف ينخلع من أنا الراوي هو هنا خليل . فيبدأ أولا بإنكار موته مثلما أنكر جلجامش موت خلّه وصاحبه أنكيدو ، ومنع دفنه إلى أن ظهرت ديدان التفسّخ من أنفه . إذا كان أنكيدو – وقد صار جزءا من أناي - يموت ، فمعنى هذا أنني قابل للموت :

(.. كنتُ قد تخففت من عبء موته في غمرة الحرب والحصار . ولكن كل شيء استفاق بعد ذلك . راح نصري يلاحقني كيما أنفّذ الوصية . لا . لم يكن خليل موسوساً بالهزيمة قدر ما كان موسوساً بالنصر . لقد فقدتُ به ركناً أساسياً من حياتي ، لا عوض له . أربكني موته .. إستعدت سنواتنا الأولى معا ، وتهتُ بين حياته وحياتي .. وحين وصلتُ إلى لقائنا الجديد في مرفأ طرطوس صعب علي الأمر . خشيتُ أن يكون نصري محقاً . لقد بدت لي حياة خليل التالية حياتي أيضا . وأنا لا أريد أن أتحدث عن ذلك الآن – ص 18 و19).

 


الدكتور حسين سرمك حسن


 

2014-06-17 - عدد القراءات #285 - تعليق #0 - النقد الأدبي

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي