القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

جاسم الخطاط
جاسم الخطاط

من نحن

about us

حوارات عامة/المستقبل تحاور المفكر العراقي عبد الحسين شعبان/ الجزء الاول

د. عبدالحسين شعبان
د. عبدالحسين شعبان
  الدكتور عبد الحسين شعبان  

 

المستقبل تحاور المفكر العراقي عبد الحسين شعبان

الجزء الاول

 

الدستور مليء باختلالات وألغام انفجرت بعضها وستنفجر غيرها

 

حاوره: علي الشريفي

حل الجيش واجتثاث البعث أضعفا الوحدة الوطنية

انتقدَ المفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، عدم معالجة أزمة إنطلاق التظاهرات الإحتجاجية في عدد من المحافظات على نحو سريع، وقال: “لو عولج الأمر خلال الايام الثلاثة او الاسبوع الاول لما تطورت الأزمة، ولما وصل العراق الى حالة من الافتراق والاستقطاب التناحري الالغائي الاقصائي”.
 
وبين شعبان في حوار أجرته معه “المستقبل” وينشر الجزء الأول منه اليوم (الاثنين 13 أيار 2013) إن سيناريوهات التصادم المطروحة الآن تمثل خطرا على وحدة العراق، وقال “اذا افترضنا ان الحكومة قضت على حركة الاحتجاج، فانها كيف ستحكم مناطق تكاد تكون بالكامل ضد التوجهات الرسمية السائدة والبيئة التي تتعامل معها تكاد تكون معادية بالكامل”، مشيرا الى أن “العلاقة ستكون مختلة وان الامر سيؤدي الى تمردات واحتجاجات وانتفاضات تتسع يوما بعد يوم، بسبب حالة التسلط وشعور سكان هذه المناطق بالتمييز والاقصاء والتهميش والالغاء وتعطيل ادوار لفئات ومناطق سكانية بكاملها”.
 
وحذر شعبان من المخططات المرسومة للمنطقة ومن بينها “اذا تم تفتيت سوريا، يمكن ان تلحق دير الزور بالمنطقة الغربية في العراق، عندها ستكون هناك اكثر من فيدرالية او أكثر من كونفدرالية”.

- المستقبل: العراق الآن يعيش مرحلة حرجة جدا، يصفها البعض بانها قد تؤدي الى تقسيمه الى دويلات وكانتونات طائفية وقومية، واذا اردنا ان نخفف من حدة هذه النظرة نقول: ان الواقع بالعراق مقلق ومخيف حتى، فهناك صراع طائفي ان لم يتحدث به الناس بشكل مباشر، فانه موجود داخل النفوس، السني يخاف من الشيعي والشيعي يخاف من السني، العربي يخاف من الكردي والكردي يخاف من العربي، وهكذا، كيف تقيم هذا الخوف والقلق الموجود في العراق؟


عبدالحسين شعبان: اعتقد ان هذا القلق مشروع، خصوصا وان الناس اخذت تتحسس المخاطر الجدية التي يمكن ان تترتب على التفتت في المشهد السياسي العراقي، لاسيما بعد مرور نحو اربعة اشهر على حركة الاحتجاج الواسعة التي انطلقت من الانبار وامتدت الى صلاح الدين والى الموصل والى كركوك والى ديالى والى اجزاء في العاصمة بغداد، فضلا عن حالة الاحتقان السياسي التي سببتها التفاعلات السياسية والمخاوف المشتركة من جميع الاطراف كل ازاء البعض الاخر هذا من جهة، من جهة ثانية؛ ارتبط هذا باحتدام المشهد السياسي خصوصا باعمال العنف والقتل والتفجيرات التي حدثت هنا وهناك، طيلة الاشهر الماضية، وكان شهر نيسان (ابريل) الماضي اكثر الاشهر دموية منذ العام 2008، حيث سقط مئات من القتلى بسبب اعمال العنف والتوتر والشحن الطائفي، كل هذه المؤشرات والمعطيات تجعل المواطن العراقي في حالة من القلق، خصوصا وان في ذهنه احداث عامي 2006 و2007، تلك التي احدثت هزة كبيرة في المجتمع العراقي بسبب التطهير المذهبي والطائفي والاغتيال على الهوية وتصدع الوحدة الوطنية، فما ان بدأنا باستعادة بعض اعضاء اجزاء هذه الوحدة ولملمة بعض اطرافها الا وانفجر المشهد مجددا، لذلك اعاد الوضع القائم الى الاذهان صورة سلبية وربما سوداوية عن المستقبل القريب او البعيد عن الوضع العراقي، هذا الامر (واقصد الحركة الاحتجاجية) للاسف الشديد لم تتم معالجته على نحو سريع، لو عولج الامر خلال الايام الثلاثة او الاسبوع الاول لما تطور، ولما وصلنا الى حالة من الافتراق والاستقطاب التناحري الالغائي الاقصائي. كل يريد ان يلغي الاخر، او يرمي الاتهامات على الاخر في بعض الاحيان جزافا، حتى بما فيهم الشركاء الذين كانوا حتى وقت قريب يجلسون على طاولة واحدة وياكلون من مائدة واحدة، وهم مسؤولون جميعا عن الاخطاء والممارسات السلبية التي مرت خلال السنوات العشر الماضية من عمر الاحتلال.

 -
المستقبل: تحدثنا عن القلق والمخاوف العراقية من عودة العنف الطائفي، فما هو المخرج مما يحصل الان من احتقان؟


عبد الحسين شعبان: قبل ان اتحدث عن المخرج، دعني احدثك عن مخاوفي الشخصية، وانا اشعر ان هذه اخطر حالة يمر بها العراق منذ عشر سنوات الى الان.


 
منذ اليوم الاول قلت ان الاحتلال صائر الى زوال لا محالة، خوفي كان ان يتكرس الانقسام الطائفي. هذه القضية خطيرة لانها ستحفر في اساسات المجتمع العراقي وتمزق النسيج الاجتماعي، وتسهم في حالة الاستقطاب وفي حالة التناحر التي هي جزء من افرازات الاحتلال بسبب المحاصصة الطائفية والمذهبية. السيناريوهات التي اردت ان اتحدث عنها وهي خطيرة كلها، السيناريو الاول ربما، هو اذا حصل اصطدام أوسع، فبعد الذي جرى من اصطدام في الحويجة والفلوجة وربما في الانبار، هناك مخاوف من ان يحصل اصطدام اعم واشمل، قد يؤدي الى حرب اهلية. وأضع هنا عددا من الافتراضات، فاذا افترضنا ان الحكومة قضت على حركة الاحتجاج، فانها كيف ستحكم مناطق تكاد تكون بالكامل ضد التوجهات الرسمية السائدة والبيئة التي تتعامل معها تكاد تكون معادية بالكامل، ثم هناك حاضنات في هذه البيئة، لتغذية كل انواع التمرد بما فيها بعض الحركات الارهابية مثل القاعدة وغيرها. هذا هو الافتراض او السيناريو الاول، اي ان الامر سيتحول الى وجود تابع ومتبوع وان العلاقة ستكون مختلة وان الامر سيؤدي الى تمردات واحتجاجات وانتفاضات تتسع يوما بعد يوم، بسبب حالة التسلط وشعور سكان هذه المناطق بالتمييز والاقصاء والتهميش والالغاء وتعطيل ادوار لفئات ومناطق سكانية بكاملها. الوجه الثاني لهذا السيناريو: على افتراض ان الاصطدام قد حدث، لكن ربما بسبب تدخلات دولية او بسبب الضغوط، او الشعور بعدم امكانية القضاء على حركة الاحتجاج، قد تتوقف الاصطدامات عند منتصف الطريق، وهذا سيكرس الامر الواقع، والامر الواقع ربما سيكون اكثر من كونفدرالية، وقد تكون هناك نقاط تفتيش وتدقيق في الهويات، ويكون هناك عبور ودخول، وتكون هناك امتيازات لامراء هذه المناطق للحصول على مكاسب لادارة شؤون هذه المناطق، بالاضافة الى ان يكون هناك دعم خارجي وموارد وهكذا وهكذا، كل هذا سيؤدي الى تكريس الكونفدرالية، والكونفدرالية اذا ماربطتها مع حالة اقليمية قد تؤدي الى مخاطر كبيرة اخرى لان هناك ضمن المخططات المطروحة الان، فيما اذا تم تفتيت سوريا، يمكن ان تلحق دير الزور بالمناطق هذه، عندها ستكون هناك اكثر من فيدرالية او أكثر من كونفدرالية.


-
المستقبل: هل تقصد ان مناطق في سوريا ستتبع العراق؟


عبدالحسين شعبان: لا ليست تابعة للعراق، بل الى المنطقة الغربية تحديدا، حينها قد تكون دويلة او كانتون او مناطقيات، او دوقيات، أو أي مسمى آخر، واذا اخذت المخطط بشكل اشمل، فدمشق ستكون فيها دويلة سنية، وحلب ستكون فيها دويلة سنية، والسويداء ستلحق بدولة درزية، والساحل والجبل سيكونان دولة علوية، وعفرين والقامشلي سيكونان دويلة كردية. هذا الأمر ليس بالضرورة سيتحقق ولكنه مطروح على نطاق بحث. واذا عدنا بالبحث الى مشروع برنارد لويس الذي قال ان المنطقة يجب ان تنقسم الى 41 إمارة او دويلة او منطقة “سنية وشيعية وعلوية ودرزية ومسيحية وكردية”، فإن الامر يبدو مطروح للمناقشة، لكن ليس بالضرورة أن يتحقق كله. أضيف الى ذلك، إن كيسنجر (وزير الخارجية الامريكي) كان يقول منذ وقت مبكر: علينا ان نخلق امارة وراء كل بئر نفط، قبله بريجنسكي مستشار الامن القومي تحدث عن ان العالم العربي والشرق الاوسط ينبغي ان تتحول كلها الى اقليات، لا وجود لاغلبيات في المنطقة التقسيم. التجزئة والتفتيت سيحول كل المنطقة الى اقليات، الدروز اقلية والسنة اقلية والشيعة اقلية والمسيحيين اقلية والعلويين اقلية، (هنا اتحدث عن عموم المنطقة، وليس العراق فحسب)، وتكون اسرائيل الاقلية المتميزة والمتسيدة معرفيا وتكنولوجيا وبين قوسين “ديمقراطيا”، وستكون في الوقت نفسه محضية الغرب، وتحصل على دعم يضمن تسيدها تجاريا واقتصاديا وتكنولوجيا ومعرفيا. هذا ربما هو الحديث عن شرق اوسط كبير ومن ثم شرق اوسط جديد، وهذا هو جوهر سايكس بيكو 2، الذي قد نتحدث عما جرى لنا بسببه بعد مائة عام.

 -
المستقبل: تحدثت عن سيناريوهين لما قد يحصل في العراق، ألا توجد سيناريوهات أقل عنفا وضررا للعراق؟
عبدالحسين شعبان: نعم تحدثت عن سيناريو ذو شقين مبني على فرضية التصادم، اما السيناريو الثاني، وهو ان لا يجري اي صدام، ان يكون هناك تفهم ان الصدام سيؤدي الى كوارث كبيرة، ولكن ترك الامر سينتج خروج على قواعد النظام القانوني وعلى الدولة، حتى وان كانت المطالب مشروعة، فإن ترك المتظاهرين سيؤدي الى تكريس الامر الواقع وهذا الامر سيقود الى كونفدرالية، وهذا الامر سيؤدي أيضا الى جعل الامور خطيرة في الاطار التقسيمي والتفتيتي. هناك سيناريو ثالث، وهو الذهاب الى انتخابات مبكرة، ولكن هناك صراعا حول هذه المسألة، الحكومة تريد حل البرلمان لتدير البلاد نحو انتخابات مبكرة، والبرلمان يريد حل الحكومة على امل التحضير لانتخابات مبكرة، ومن الصعب بمكان التوصل الى تشكيل حكومة تكنوقراط او فنية تقود الانتخابات ولا ترشح فيها، الطرفان لا يوافقان عليه.


-
المستقبل: ولكن احد الطرفين (وهي المعارضة) هي من قدمت الاقتراح؟..


عبدالحسين شعبان: ولكن قدمته ليس لغرض الموافقة، بل لاحراج الطرف الاخر أحيانا. سأضع افتراضا اخر: حتى وان لم يتحقق حصول تصدع بين القوى السياسية التي تقود السلطة بسبب التناحرات، وتم على افتراض استبدال رئيس الوزراء، فاعتقد ان هذا الامر سيقود الى تفتت الجميع، لانه لن يقودنا الى المربع الأول بل الى المربع صفر.


-
المستقبل: هل تقصد ان تغيير رئيس الوزراء سيؤدي الى شبه كارثة؟


عبدالحسين شعبان: نعم، اذا حدث تغيير لرئيس الوزراء دون وضع خطة، او دون الاتفاق على خارطة طريق، او التوافق على جدول عمل عما سيحصل خلال الاشهر القادمة سيعقد الامور ولا يحلها، لان العراقية مفتتة وستتفتت اكثر، دولة القانون ستتفتت ايضا، وسيذهب كل منها في اتجاه، السيد مقتدى الصدر وقائمة الاحرار سيستقطب اطرافا من دولة القانون، السيد عمار الحكيم وقائمة المواطن سيستقطبان ايضا، اطراف اخرى قد تنتقل بين الكتل، علما بان هناك حركة بندولية بين الاطراف المهيمنة على المشهد السياسي، كل هذا قد يعيدنا الى المربع صفر اذا لم تكن هناك خطة طريق واضحة، ولهذا مخاوفي تزداد، لان ما تحقق ولو كان بسيطا، ولكنه مهما على صعيد اطفاء الاحتقان الطائفي او تقليص حجمه او تقليل تاثيراته السلبية، خوفي ان ينفجر الوضع وقد يؤدي الى مخاطر جمة وعواقب خطيرة ليس فقط على مستوى المستقبل، ولكن على الوضع الحاضر ايضا، وهذا الوضع خطير جدا، لهذا اعود الى السؤال الذي بدأته قبل قليل عن سبل الخروج من الوضع العراقي القائم حاليا، فاقول: ان لا سبيل اخر، غير الحوار، غير تقديم تنازلات متبادلة من جميع الاطراف، واقول حرصا ورغبة وشعورا بالمسؤولية، ان جميع الاطراف ينبغي ان تقدم تنازلات كل الى الطرف الاخر. ما حصل بالنسبة للكرد الان، هو تقديم تنازلات متبادلة وجرت تسوية بعض المشاكل، وستبقى مشاكل اخرى عالقة، وستظهر مشاكل اخرى لاحقا، ولكن لابد من اطفاء الحرائق، لابد من اخماد النيران، لابد من تبريد الرؤوس.


-
المستقبل: ولكن ما يؤخذ على العراق، انه يقوم بتأجيل الازمات منذ احتلال العراق قبل عشر سنوات وحتى الان، لهذا وصلنا الى هذه المرحلة من تراكم الازمات غير المحلولة.


عبدالحسين شعبان: هناك اطاران، الاطار الاول هو كيف نتعامل مع المشاكل آنيا، ظرفيا، لحظيا، هل نتركها لتنفجر، ام نطفئ النيران، ونخفض من سقف التوتر وحجم الاستقطاب والتناحر، وتخفيف الوضع المحتدم. على صعيد المدى البعيد، او لنقل ستراتيجيا، هذا يحتاج الى سلسلة من الاجراءات، بالنسبة لي وانا من خارج الاطارات كلها، واتحدث على نحو اكاديمي ومستقل، اعتقد ان هناك اختلالات كبرى وقعت في الدستور، ولابد من معالجة هذه الاختلالات، ولابد من اعادة النظر باجزاء مهمة منها، بالغاء جزء واضافة اجزاء اخرى، وبحذف وتنقيح، واعادة كتابة ربما، بما سيتوصل له الفرقاء من خلال الحوار المعرفي والثقافي وليس من خلال صفقات، الذي تم في الدستور هو عبارة عن صفقات، وكل فسره على طريقته، وهو بشكل عام حمال اوجه، وفيه تناقضات وتعارضات، وفيه الغام انفجر بعضها وسينفجر بعضها الآخر. هناك مشاكل بما يخص المادة 140 أو ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها، وهناك مشاكل بما يتعلق بالسلطات الاتحادية، مثلما هناك مشاكل بما يتعلق بسلطات الاقاليم، او سلطات المحافظات كيف يمكن ان توازن هذه بتلك، علما بان لدينا تركة طويلة عريضة عويصة لنظام شمولي استبدادي ديكتاتوري حكم العراق منذ خمسة وثلاثين سنة، بالحديد والنار وبمركزية صارمة وباساليب ارهابية، فضلا عن وجود تركة ابعد من ذلك، وهو ان التوجه السياسي والاقتصادي كان احاديا في سنوات ما قبل الديكتاتورية الاخيرة، وهي شكل من اشكال الديكتاتوريات، ولكنها مخففة او محسنة قياسا لما حصل خلال الـ 35 سنة الاخيرة. هذا جانب، اما الجانب الثاني لابد من اصلاح او الغاء النظام الانتخابي الحالي او تعديله بما يؤدي الى نتائج مختلفة. لو اجريت الانتخابات وفقا لهذا النظام الانتخابي المعمول به حاليا، سننتج نفس الطبقة السياسية، فهناك قوائم اقرب الى الحيتان تبتلع الصغير ولايمكن ان تكون هناك تغييرات جذرية في ظل وجود نظام انتخابي من هذا النوع يعطي لرئيس القائمة وللكتلة دور كبير في تغيير او اضافة اسماء الى مجلس النواب، هذا المجلس الذي عدد اعضائه 325، كل الذين فازوا منه فعليا، اي الذين حصلوا على القاسم الانتخابي هم 18 نائبا فقط، والبقية الباقية اضيفوا، بطريقة اقرب الى الاضافات الحزبية لبرلمان يفترض ان يكون منتخبا، ثم ما اعقب البرلمان الفهم المخطوء لقصة الشراكة ولقضية المشاركة التي يعتقد البعض انها تقاسم ومحاصصة، وهذا ما هو حاصل فعليا، فهي محاصصة وتقاسم وظيفي وهناك تعطيل لدور الدولة، حيث اضعفت الدولة بعاملين رئيسيين الاول حل الجيش، الذي كان اضعافا حقيقيا للدولة والوحدة الوطنية، العامل الثاني كان قانون الاجتثاث الذي اضعف من امكانية تحقيق مصالحة حقيقية، حيث كان يمكن تطبيق ما يسمى بمبادئ العدالة الانتقالية، والمعروف ان العدالة الانتقالية تقوم على خمسة عناصر، الأول منها يقوم على كشف الحقيقة، ما الذي جرى وكيف جرى ولماذا جرى ومن قام... الخ، اما العنصر الثاني في العدالة الانتقالية فهي المساءلة، وهذه يمكن ان تتخذ اشكالا مختلفة مثل الاعتراف، الاعتذار، اصدار احكام مع وقف التنفيذ، اطفاء قضايا لاعتبارات سياسية، ايجاد تسويات وترضيات لاعتبارات سياسية بعيدا عن الكراهية والثأر والانتقام والكيدية، وهذا الذي حصل وأدى الى ان عشرات الالاف المواطنين الذين خدموا الدولة الآن هم بدون رواتب وبدون تقاعد، فضلا عن ذلك ان قسما من هؤلاء انتمى عن قناعة الى الحزب السابق، والحزب السابق لم يكن ممنوعا او محظورا، بل كان مرخصا وقانونيا، اي تم الانتماء الى حزب قانوني آنذاك، اما ان يحرم الحزب ويجرم لاحقا، فلا ذنب لمن انتمى لذلك الحزب، لانه لم ينتم الان (اي بعد حظره) بل انتمى اليه عندما كان الحزب قانونيا، انا اتحدث هنا من الناحية القانونية.  العنصر الثالث في العدالة الانتقالية هو جبر الضرر معنويا وماديا، العنصر الرابع هو تعويض الضحايا ماديا ومعنويا، كأن تسمى ساحات وشوارع ومدارس باسمائهم مع وضع نصب تذكارية لهم، وغيرها من تعويضات ذات أثر نفسي على أهالي الضحايا، وهنا لا أتحدث فقط عن ضحايا ما قبل الاحتلال بل أيضا عن ضحايا ما بعد الاحتلال، فالضحية هو ضحية بغض النظر عمن كان مسؤولا في إيذائه، خارج اطار جنسه ودينه ولونه وعرقه وقوميته وطائفته.
 
العنصر الخامس في العدالة الانتقالية التي لم يجر العمل على تطبيقها -برغم اني قلت في السابق واكرر القول: إن نظام العدالة الانتقالية هو البديل الصحيح لقانون المساءلة والعدالة أو قانون الاجتثاث- هو اصلاح الانظمة القانونية والقضائية والامنية لكي لا يحدث ما حدث، وهذا الامر بحاجة الى اشاعة ثقافة حقوقية بين المجتمع وخصوصا رجال الامن والجيش، من خلال تعليمهم وتدريسهم مبادئ القانون الدولي الانساني واطلاعهم على اتفاقيات جنيف، فضلا عن تحميلهم مسؤوليات ارتكابهم اخطاء بحق الاخرين، فلا يكفي رجل الامن ان يقول نفذت لأنه جاءتني الاوامر، فهو يستطيع الامتناع عن تنفيذ ما يتعارض مع حقوق الاخرين لانه درس وتعهد باحترام حقوق الانسان وبالشرعية الدولية لحقوق الانسان وبقواعد القانون الدولي الانسانية.
 
هذه معالجات طويلة الامد، لكن كيف السبيل للوصول لها؟، نقول عبر حوار وطني شامل للتوصل الى تفاهمات وليس صفقات، ما حصل هو صفقات، والتفاهمات هي غير الصفقات السياسية.


-
المستقبل: العديد من الأصوات العراقية بدأت تنادي خلال الفترة الأخيرة بتطبيق الفدرالية لتحقيق العدالة ومنع الظلم (كما يقول المحتجون)، هل تعتقد ان الفدرالية مناسبة لبلد مثل العراق الذي يعيش حالة من الاحتقان المجتمعي والسياسي؟


عبدالحسين شعبان: قلت منذ البداية، اي منذ سنوات انا مع مبدأ الفدرالية، ولكن على ان لا تتم الفدرالية عبر صفقات، لان عمر الصفقة قصير ووقتها محدود وافقها ضيق، لكن الفدرالية لابد ان تتم بالتفاهمات والقناعات المتأتية من الثقافة الحقوقية، من خلال التأكيد على إن الفيدرالية تؤدي الى وحدة الدولة وليس اضعاف السلطة الاتحادية. الفدرالية تؤدي الى توزيع الثروة وليس الاستحواذ على جزء على حساب جزء آخر، الفدرالية تؤدي الى وحدة الجيش وليس ان يكون قسم من الجيش غير خاضع للسلطة الاتحادية، الفدرالية تؤدي الى وحدة التمثيل الدبلوماسي والعلاقات الدولية، وغير مسموح باقامة شيء من هذا القبيل تحت اسماء وعناوين مختلفة باسمها، الفدرالية تؤدي الى التعامل بعملة موحدة وخطط اقتصادية موحدة مركزية اساسية.هذا هو مفهوم الفدرالية في الفقه والقانون الدستوري. توصلت بعد أن درست الانظمة الفدرالية في خمسة وعشرين بلدا في العالم تطبيق هذا النظام، الى قناعة ان افضل الانظمة هي الفدرالية. هناك وهم كبير يعتقد ان الفدرالية تقود الى الديمقراطية، ليس بالضرورة كل نظام فدرالي هو نظام ديمقراطي، فالانظمة الاشتراكية السابقة كانت فدرالية، فالنظام في الاتحاد السوفيتي كان شكلا من اشكال الفدرالية، يوغسلافيا كانت فدرالية، جيكوسلوفاكيا كانت فدرالية لكنها كانت انظمة شمولية ومستبدة وفيها صرامة مركزية وفيها توليتارية (متسلطة) وفيها الكثير من الجوانب التي تمنع التنوع والتعددية وغير ذلك. لكن كل نظام ديمقراطي ممكن ان يطبق النظام الفدرالي، بل يمكن ان نقول ان الأنظمة الديمقراطية يمكن ان تنقسم وتنفصل، لانها تحترم المواطنة وحقوق الانسان، والدولة الفدرالية يمكن ان تنفصل، خصوصا بعد أن برزت منذ نحو ربع قرن قضية الهوية والتمسك بها، بعد أن أرادت الهويات الفرعية ان تصبح بموازاة الهوية العامة المشتركة، وساضرب لك مثلا على ذلك، بلجيكا دولة ديمقراطية تحترم حقوق الانسان والمواطنة، وهي من أحسن الفيدراليات في العالم وفيها عشرة ملايين نسمة (فلامانيين 4 ملايين نسمة، والمتحدثون باللغة الفرنسية 6 ملايين)، لكنها تريد ان تنفصل الان. اذن حتى النظام الديمقراطي والفدرالي يمكن ان يؤدي الى الانفصال، بالمقابل هناك انظمة كانت كونفدرالية واصبحت فيدرالية وهي الان اقرب الى الدولة الموحدة، كما هو الحال في سويسرا التي هي عبارة عن كانتونات وفيها فيدراليات لثلاث مكونات رئيسة لغوية وسلالية، وفيها ألمان وفرنسيين وايطاليين، وثلاث لغات رسمية في البلد.

 اريد ان اقول، إن مسألة الهوية اصبحت حاجة لابد من التعاطي معها من موقع الفهم والتوافق، ومن موقع المشترك الانساني، لأن الهوية ليست بركة مغلقة، قد تكون ارخبيلات مفتوحة متصلة مع بعضها في مياه متحركة ولكنها ليست ثابتة. الهوية فيها عنصران اساسيان هما اللغة والدين، انت ولدت في العراق فأنت عراقي، وانت من أب وأم أو من أب عربي فأنت عربي، واذا كانت البيئة التي حولك إسلامية فأنت مسلم، ولو ولدت في الصين مثلا لكنت صيني او بوذي او كونفشيوسي، هذه أمور خارجة عن إرادة الانسان، هذه تعد من الثوابت، اما المتغير في الهوية فهي العادات والتقاليد والفنون والآداب التي تعد عناصر تفاعل على الهوية تتأثر بها وتؤثر فيها، هذا الذي ينبغي ان نفهمه. هناك من يريد ان يقدم الهويات الفرعية وربما المجهرية كأن تكون الهوية المناطقية والجهوية والعشائرية المحدودة جدا على الهويات العامة. ومع احترامنا لهذه الهويات الفرعية والحلقية، ولكن لابد من الاستقرار على ماذا نعني بالهوية. انا مثلا من النجف ولكني اجتمع مع ابن الرمادي بمائة قضية وقضية، منها إننا (أنا وابن الرمادي) عرب، ونتحدث اللغة العربية، ومسلمين، همنا عروبي، وتكويننا عراقي، درسنا بجامعة واحدة، نحن الاثنان تكون مزاجنا وسيكولوجيتنا ما يسمى بلغة الانثروبولوجي “منتلتي” (أي الذهنية او العقلية، أو الوعاء)، أي وعاؤنا الثقافي هو واحد، هذه هي بيئتنا.


-
المستقبل: ولكن الهوية الطائفية هي المتسيدة الآن في المجتمع العراقي.

 

عبدالحسين شعبان: من حق كل إنسان أن يتمسك او يتعطى مع انتمائه الطائفي، ولكن هناك فرق كبير بين الطائفة والطائفية، أنت جزء من طائفة، دون ان ترغب أو تريد ربما، ولدت سنيا فأنت سني، او ولدت شيعيا فأنت شيعي، هذا الانتماء تاريخي فيه طقوس وعادات ومجتمع محدد وتراكمات، وفيه أيضا جزء من تاريخ تكون خارج إرادة الإنسان، ولكن الفرق بين الطائفة والطائفية، هو أن الطائفية تريد التمييز والتمايز والحصول على مكاسب على حساب الغير، تارة باسم المظلومية وتارة باسم التسيد والاغلبية، والاثنان على خطأ. الغريب في الامر إن هناك بعض الطائفيين الآن وما أكثرهم في الساحة هم بلا دين، أي لا دين لهم، واستذكر هنا كلمة الراحل الكبير عالم الاجتماع العراقي علي الوردي عندما وصف هؤلاء بقوله:
 “
إنهم طائفيون بلا دين”، أي إنهم غير متدينين لكنهم طائفيين. المشكلة ليست في الدين أيضا، فلكل دينه وحقه في الدين، بل المشكلة هي في التدين وطريقة فهم الدين، فكلنا نحترم الدين وكلنا من أسر دينية ونحترم المقدسات ونتعاطى معها باحترام واجلال كبيرين، ولكن المشكلة في التدين وتزوير الدين من خلال ضخه في قنوات طائفية، تثير الاحقاد والبغضاء والكراهية والانتقام والثأر وتجريم الآخر وتحقيره، بل واتهامه على مدى سنوات طويلة كأنه ولد مرتكبا جرما وسيظل مرتبكا للجرم الى آخر التاريخ، وهذا شيء غير عقلاني.
 
مشكلة التدين إنه يعيش في الماضي وليس الحاضر، فهو لا يتعاطى مع الزمن ولا مع التكنولوجيا.


الدكتور عبد الحسين شعبان


 

2014-06-16 - عدد القراءات #6894 - تعليق #0 - الحوارات العامة

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي