القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

البيت الثقافي في نينوى
البيت الثقافي في نينوى

من نحن

about us

قضايا وآراء/تظاهراتكم قد فسدت، فعودوا لبيوتكم - الجزء الأول

صائب خليل
صائب خليل
  صائب خليل  


تظاهراتكم قد فسدت، فعودوا لبيوتكم - الجزء الأول 

 

من الصعب أن يطلب المرء من الذين يحسون بالظلم، ان يتركوا قضيتهم ويعودوا إلى بيوتهم، لكن المظلوم مثل غيره، لا بد أن يرتب "تدابيره" وإلا فأن "حنطته ستاكل شعيره"، وهذا ما حدث ويحدث لمتظاهري الأنبار والموصل خاصة...للأسف الشديد.

لقد انطلقت تظاهرات المدن "السنية" من منطلق صحيح هو الإحتجاج على الظلم (الشديد أحياناً) ونظمت نفسها (أو تم تنظيمها) بشكل جيد (إلى درجة تثير التساؤل) والتزمت عدم التخريب والعنف وعدم حمل السلاح، لكن ما هو صحيح توقف عند هذه النقاط، أما الخطأ فكثير وكبير، وابتدأ فاضحاً وانتهى مفضوحاً...

 

فضيحة البداية كانت في الشعارات والهتافات الطائفية و "المزعطة" التي عبرت عن نفسها بالشتائم والتهديدات المسعورة ورفع الأعلام المثيرة للضحك المر، والأناشيد الحماسية التي ليس لها "رباط حجي"، وكان واضحاً أن التظاهرات طائشة ليس لها "والي" يوجهها نحو وجهة منتجة.

تشي بالحقيقة المرة، الأعلام التي رفعها المتظاهرون لكل معاد للعراق: جيش الناتو الحر، علم تركيا، وعلم كردستان – التي تحولت خلال هذه الفترة بسرعة وثقة إلى إسرائيل العراق بكل مواصفاتها، وأهمها الإبتزاز العلني الصريح، وبمساعدة هذه التظاهرات!

 

في التعامل مع حكومة كردستان كشفت التظاهرات أول نفاق لها، فبينما يصيح أمير عشائر الدليم (غير المزيف) الشيخ ماجد عبد الرزاق العلي السلمان ويذكر المتظاهرين بفرض الأمر الواقع على الأراضي العربية (السنية) بقوة السلاح من قبل قوات الإقليم (1)، وتؤكد حنان الفتلاوي وجود 500 عربي من كركوك معتقلين في الإقليم(2) فأن المتظاهرين يرفعون علم كردستان ويدعون البارزاني الذي يحتل أراضيهم وينسق للفتنة باستدعاء شيوخها العرب من قطر (3) والذين لا يجمعهم مع حكومة الإقليم سوى "الصداقة" لإسرائيل والتآمر على كل عربي لا يعجبها في المنطقة.

 

لكن المتظاهرين نظموا أنفسهم بسرعة وعالجوا الأخطاء فأنزلوا الأعلام المهزلة، وكذلك توقفت الشعارات الطائفية التافهة والشتائم وبدا وكأن الأمر يسير في طريق صحيح..

واستجابت الحكومة بلجنة الشهرستاني ولجنة أخرى لتقصي الحقائق حول السجينات، وحققت اللجنتان نتائج ممتازة، أو لنقل أنها إيجابية بدرجة أو بأخرى، فأطلقت السجينات والآلاف من الموقوفين بتهمة الإرهاب أو بدون تهمة(4) وتم سحب لواءين من الجيش والشرطة خارج الموصل استجابة لمطالب المتظاهرين(5) ووقف مجلس محافظة الأنبار موقفاً عقلانياً، فأعلن أن الحكومة نفّذت جميع مطالب المحتجين وأن الباقي على مجلس النواب، وحذر من تسليم المحافظة للقاعدة مرة أخرى.(6)

 

 فما هو رد التظاهرات المنطقي؟ الشيء الطبيعي في مثل هذه الحالة أن يمسك المتظاهرون بتلك الإنجازات ويسجلونها أنتصاراً كبيراً لهم ويفاوضون على إكمالها ووضع أسس يصعب على الحكومة التهرب من تنفيذها أو العودة عنها، وأن يكسبوا الشارع العراقي كله بإظهار حسن النية والقدرة على العمل وتحقيق المطالب المشروعة، وتحويل تظاهراتهم إلى رمز عراقي لنشاط شعبي منظم وشجاع تمكن من تحقيق المكاسب لأصحابه، فتشجع بقية الفئات التي تشعر بالحيف في ظل هذه "الديمقراطية" الشديدة الفساد، أن تقتدي بهم وتصحح مسار الدولة، دولتهم، وتدفعها نحو الأمام بالرغم من أنوف من يريد لها أن تعود إلى الخلف، من كل العصابات المنتشرة في كل الكتل السياسية التي في البلاد.

 

فما الذي حدث بدلاً من ذلك؟

أولاً استعملت مبادرة الحكومة لضربها وتحويل القضية إلى "تحدي" وكأنها لعبة أطفال، فهاهو النجيفي يقول لمتظاهري سامراء: أجبرتم الطرف الأخر على البحث عن الحلول! (7)

وكأن من العيب أن تبحث الحكومة عن حل لتظاهرات شعبها، وكأن القضية بين الحكومة والمتظاهرين صراع لي أذرع وكسر عظام، وليس مطالبة بحقوق وسعي لتعديل خطأ! أن خطاب النجيفي الإستفزازي يدفع بالمتظاهرين إلى "الإنتشاء بالنصر" والإغراء بالمطالبة بالمزيد، كما انه يدفع بالحكومة إلى التريث وربما التراجع عن قراراتها أو تنفيذها، ويكشف أن وراءه أجندة تسعى أن تديم ا لمشكلة وأن لا يتم التوصل إلى حل لما يطالب به المتظاهرون. أجندة من يتربص التقسيم للعراق والفتنة لشعبه وعلى هذا يجب أن ينظر إلى أمثال النجيفي وأخاه في الموصل، الذي كان أول المهرولين لخيانة ناخبيه ومحاولة "التفاهم" مع محتل أراضيهم في الموصل وأن يكون له حصة في النفط المنهوب من قبل تحالف لصوص كردستان مع شركات النفط الغربية. وهاهو أثيل ينتفض دفاعاً عن أخيه وزيارته للدويلة التي غدت وكر إسرائيل الأول في الخليج، دويلة قطر. (8)

وبدلاً من الترحيب بإنجازات لجنة الشهرستاني والبناء عليها فأن هدف الأجندات الخفية كان تحطيمها، لأن نجاحها يعني تحطيم أجنداتهم غير المعلنة والتي تهدف إلى إدامة المشكلة بأي ثمن. (9)

ولا يريد هؤلاء من هذا التصرف سوى إيصال الحكومة إلى الرضوخ لمطالبهم الهادفة في النهاية المتمثلة بوضع الحثالات المناسبين لإسرائيل والإحتلال الأمريكي على قمة السلطة في البلاد، كما فعلوا كلما جاءوا بالبعث إلى السلطة فيه. وانتبه النائب كريم عليوي إلى ذلك فقال : "كلما تحقق الحكومة جزء من مطالب المتظاهرين تخرج هناك مطالب اخرى غير مشروعة"(10)

 

ومن ناحية أخرى، نجح بعض هؤلاء الذين اخترقوا القوات المسلحة العراقية بإطلاق النار على المتظاهرين بهدف تخريبي واضح لإشعال الحرب الأهلية، وقد ثبت بالدليل الواضح أن الجيش كان قد بدأ إطلاق النار وبلا أي مبرر، سوى الرغبة بتحويل التظاهرات إلى مذبحة دموية تكون نواة لنهاية وحدة العراق. وما يثير التساؤل أن المالكي تصرف (كالعادة!) بأن لم يتخذ أي إجراء في الأمر، سوى ما اعتاده من تسويف القضايا من خلال لجان التحقيق التي تكون مهمتها مط القضية زمنياً وإيصالها إلى مرحلة النسيان في الوعي الشعبي، وكأن هؤلاء الذين أطلقوا النار لم يكونوا يطلقونها باسمه على المتظاهرين، وكأنهم لم يكونوا يطلقون النار على حكومته وبلده، حتى إن لم نقل على شعبه!

 

قرأت اليوم أن النائب علي شلاه دعا متظاهري الأنبار إلى الحذر من المندسين بينهم وأن "لا يقعوا فريسة لأي حادث خاطئ قد يودي بالسلم وبحياة أي عراقي سواء اكان معارضا أم مؤيدا بوجود عناصر غير سلمية في محيط التظاهرة قد تسيء لهم كما حصل في الفلوجة مع قوات الجيش." (11)

وهنا يتساءل المرء سؤالين، الأول يتعلق بالإشارة إلى "ما حصل في الفلوجة مع قوات الجيش"، والتي نعلم جميعاً والحكومة أيضاً أنها كانت من الجيش وليس من المتظاهرين، وهذا مثار العجب في المثال، والسؤال الثاني ألم يكن من اطلق النار من جانب الجيش مندساً؟ (إن لم يكن فالمصيبة أعظم!) فلماذا لا يوجه الشلاه نصيحته إلى رئيس كتلته وحكومته والقائد العام للقوات المسلحة إذن، ويأتي له بمثال ما حصل في الفلوجة مع الجيش؟ إننا ما نزال لا نفهم لماذا تجاهل المالكي هذه القضية، وستبقى هذه النقطة من علامات الإستفهام الكبيرة الكثيرة والمتكاثرة في سجل هذا الرجل.

 

وهكذا عاد الجنون إلى الساحات وعاد الهياج كما كان... ورفعت شعارات الإستفزاز الحمقاء مثل "بغداد صبراً"، و "بغداد إلنه وما ننطيهه"، وعادت "المزعطة" (وما هي كذلك) لتكون سيدة الموقف في الساحات، فقام متظاهرون ضرب مشايخ العشائر الذين جاءوا لنصرتهم والبحث عن طرق لتلبية مطالبهم! (12) وهدد المتظاهرون بـ "تدويل قضيتهم" (13) ليزيدوا الطين بله، ويذكرون الناس بما يحدث في سوريا والسيناريو الي أدى إليه. وهكذا نجحوا في تأليب الشارع العراقي، وخاصة الشيعي، ضدهم بدلاً من كسبه، بالرغم من موقفه السلبي من الحكومة!

 

كان هناك بعض المواقف واضحة وإيجابية محدودة، خاصة في ديالى، التي استغل فيها مجلسها إيجابية الرد الحكومي فشكل لجنة سلمت الشهرستاني مطالب واضحة ومشروعة، تتمحور حول الملفات الأمنية والخدمية وغيرها(14) وطالب الوقف السني فيها باستعادة وفتح 41 مسجدا مغلقاً و"مغتصباً"(15)

وبدا أن الإحتجاج في ديالى يصب في مطالب أهلها. وقد نجح هؤلاء في مقاومة الأجندات المشبوهة وقيادة احتجاجاتهم نحو أهدافهم، على العكس من الفوضى السياسية هي التي تلف تظاهرات الأنبار والموصل، (رغم محاولات مماثلة للسيطرة عليها). ولكن عدا ذلك ليس هناك شيء ينبئ عن تحقيق انتصار أو نجاح بالضغط على الحكومة للإنصياع لمطالب شعبية محقة.. لم يكن هناك تنظيم يهدف إلى هدف واضح، على الأقل بالنسبة للمتظاهرين، وليس قادتهم الذين يعرفون ما يريدون جيداً. فليس هناك قوائم مطالب متفق عليها، لا يوجد استفتاء بين المتظاهرين أو أية جهة أخرى معترف بها بشكل عام، حول تلك المطالب.

 

لم نعرف مثلاً أسماء المساجين الذين يطالب المتظاهرون بإخراجهم، خاصة بعد أن ادعت الحكومة الإفراج عن عدد كبير منهم، ليفهم الناس أن هناك فعلاً المزيد منهم ويقف مع المتظاهرين بمطالبة الحكومة بتبيان موقفها من كل مسجون أو معتقل منهم. فالجهات التي تطالب بنصرة المظلومين تحرص عادة على شخصنتهم في الوعي العام للبلد، ليصبحوا رموزاً إنسانية تجبر الحكومة على إعطاءهم حقهم، وهو بالتالي من صالحهم. لكن الإختلاط يخدم من يريد إطلاق سراح المجرمين بخلطهم بالضحايا، تماماً كما تم إطلاق سراح مجرمي كنيسة سيدة النجاة بخلطهم بالضحايا أثناء تحرير هؤلاء من أؤلئك. وهكذا اختلطت البرئيات اللواتي تظاهرتم من أجلهن بالمجرمات والعاهرات... (16)

ولم يعترض المتظاهرون على تشويه مطالبهم بهذا الشكل، ولم يحاولوا إنقاذها من خلطها بالوسخ الذي يهدف إليه من يحاول قيادتهم!

 

إن إختلاط المطالب المعقولة بالمطالب المختلة، يخدم من لا يهمه سوى "المطالب المختلة" مثل المطالبات بشأن البعث وإلغاء القوانين بشكل عام وتعسفي، بل حتى المطالبة بإلغاء الدستور والحكومة المنتخبة. والتي من الواضح أنها فرضت على المتظاهرين فرضخوا لها بخنوع مثير للدهشة.

 

لقد دلت الأحداث أكثر من مرة أن ممثلي السنة لا علاقة لهم بمشاكل السنة، ولا يمتون إليهم بأي شعور عاطفي أو عقلي أو إحساس بالواجب. فعندما اجتمع مجلس الوزراء لمناقشة كارثة الفيضانات في صلاح الدين، تغيب وزراء القائمة العراقية عن الجلسة، مما دفع بمحافظ صلاح الدين أن ينتقدهم و يشكر حكومة بغداد ! (17) وقال إن "وزراء القائمة العراقية لم يشاركوا في جلسة اليوم على الرغم من كونها جلسة خاصة بمناطق هم يمثلونها". والحقيقة أنهم لا يمثلونها، ولا يمثلون سوى من جاء بهم وزور لهم الإنتخابات، وهم يعلمون ذلك بوضوح تام، فأياد علاوي لم يحضر في البرلمان لأي دفاع عن سنة أو غيرهم، سوى للدفاع عن الهيئة العليا المستقلة لتزوير الإنتخابات التي قدمت له أكثر مقاعده!

وكرر أعضاء القائمة العراقية نفس التصرف في عدم حضور جلسات البرلمان المخصصة للتصويت على بعض مطالب المتظاهرين ومطالبهم أنفسهم كما يعلنون، مما أدى إلى فشل تمريرها، وكما أعلن ذلك بوضوح كل من صالح المطلك وحيدر الملا! (18)

 

لكن على الجانب الآخر لم تتكاسل "العراقية" عن التقدم بطلب لمنح “ فدائيي صدام “ رواتب تقاعدية، على أساس أنهم كانوا "يخدمون البلد" بتطوعهم كفدائيين لإرهاب الشعب! (19)

وبالنتيجة فأن ضغط "البعث" والعصابات التي تقف وراءها أميركا وإسرائيل كان أقوى وأوضح من ضغط المتظاهرين، واستطاع الأولون تحقيق مطالبهم حتى قبل مطالب المتظاهرين، حتى أن الكثيرين، مثل النائب المستقل حسين الاسدي شكى أن لجنة الشهرستاني تعيد إحياء البعثيين (20) وكتب القاضي منير حداد بسخرية مرة "يطالب بمساواته بالبعثيين"، مثلما طالب أهالي ضحايا حلبجة يوماً من حكومة إقليمهم مساواتهم بجلاديهم من البعثيين والجحوش الذين قدمت لهم حكومة كردستان المكارم السخية، وهؤلاء وأؤلئك في خندق واحد تديره من الخلف أميركا وإسرائيل، ويحظى دائماً بالأفضلية، تماماً مثلما حظي عملاء إسرائيل في الأردن بمعاملة افضلية من حكومة العراق!

 

وقد خدمت التظاهرات هذا الخندق الإسرائيلي، خاصة في مراحلها الأخيرة. فالمالكي ذهب إلى الأردن ووقع عقوداً يعلم الله ما تحتويه من فضائح تبشر بها كل تعاملاته النفطية مع هذا الذيل الإسرائيلي الممتد داخل الوطن العربي، دون أن يسأله حتى خصومه حتى اليوم، عن تفاصيل ذلك الإتفاق الذي نستطيع المراهنة بثقة، وبالإكتفاء بمقدماته، على فساده وإجرامه بحق العراقيين. ولا يتخلف عن الإستفادة من هذا الحال الذيل الإسرائيلي الذي يخترق العراق نفسه، ليزيد في ابتزازه الذي يزيد عن 50% من حصته، إبتزاز الـ 17% السيء الصيت، ليضيف إليه مطالبة بـ 4 مليار دولار (21)

واليوم وقد جاء موعد الموازنة في الوقت المناسب لكردستان والقائمة العراقية، وهاهم يشلون القرار ويخنقون الدولة ما لم ترضخ لمطالبهم في سرقة حصة جميع المحافظات الأخرى وتوجيه مبالغ هائلة للشركات النفطية التي تعاقدت معها بطرق لصوصية. (22)

ويتم كل ذلك بدعم من العراقية، بعلاويها وعيساويها وكل الذين تظاهروا بأن دمهم يحترق على الناس ومعاناتها، فتتساءل عالية نصيف قائلة بأن "معظم اعضاء القائمة العراقية يطالبون بتلبية مطالب المتظاهرين فيما يخص الخدمات وفرص العمل وغيرها، في حين أنهم اليوم يتسببون بالإخلال بنصاب الجلسة المخصصة لإقرار الموازنة المالية، وذلك تضامنا مع توجهات التحالف الكردستاني، فهل يعلم المتظاهرون بذلك؟ وهل يوافقون على هذا التصرف؟"

إسمحوا لي أن أجيبها واثقاً، أن أغلبكم لا يعلمون، ومن يعلم منكم لا يدري ما يفعل، ومن يدري من هؤلاء لا يستطيع أن يفعل ما يريد، وأن التظاهرات تسير بأيدي أخرى، ورغم ذلك تشاركون فيها، فهل أنتم سعداء بما آلت إليه أموركم، فها أنتم تتظاهرون من أجل تمكين كردستان من سرقة حصتكم، ومن أجل أن يعود البعث والقاعدة يتسلطون على مقدراتكم لحساب الأمريكان ولحساب جيوبهم!

العراقية ليست سوى هراوة أميركا لضرب العراق الحالي (مثل حكومة كردستان وهراوات أخرى) كما كان البعث هراوتها لضربه في الماضي. يجب أن تدخل هذه الحقيقة في وعي السنة وغيرهم وأن ينعكس ذلك الوعي في الإنتخابات القادمة. على من يهرول إلى أي ذيل إسرائيلي يحتمي به ضد وطنه أن يعلم أنه لن يسامح على ذلك وأن تلك ستكون وصمة عار أبدية كما كانت على كل خونة بلادهم في الماضي. إن كانت بلاده اليوم في حالة ضعف واستسلام يتيح لكل السفلة أن يتحركوا بلا قلق، وأن يصرح كبيرهم بلا خجل أنه كان عميلاً لعدد كبير من دوائر المخابرات الأجنبية وهو يضحك بصلافة، فإن هذا الحال لن يدوم وسيعود البلد ومبادئ ناسه لتعامل الخونة بما يستحقون من معاملة، كما كان الأمر دائماً في التاريخ.

 

ومثلما لم يستغل الموقف الإيجابي للحكومة لتحقيق مطالب المتظاهرين، لم يستغل اعترافها بالخطأ بشأن المساجين والسجينات من اجل مطالبتها بتصحيح النظام الذي أنتج الخطأ وإقامة تحقيق حول من قد يتعمد الخطأ ليسيء لدوافع طائفية أو تخريبية، وكانت هناك فرصة جيدة لمثل هذا التصحيح، خاصة أن هناك منظمات دولية قد وقفت مع هذه المطالب وأكدت تلك الحقائق(23) وكذلك أكد خبراء قانونيون الحاجة الى تعديل القوانين الحالية الخاصة بالتوقيف والحبس مثلاً(24) وأوضحت شخصيات قانونية عراقية حيادية، بصراحة وجود عمليات تنكيل وتعذيب تمارس ضد السنة لأغراض التغيير الديموغرافي ، مثل نائب رئيس محكمة التمييز السابق القاضي منير حداد(25) وبين أن 90 % من دعاوى المخبر السري في المحاكم العراقي كيدية، وقال أن وظائف المخبر تذكر بمهام الرفاق الحزبيين التي أودت بالكثير من أبناء الشعب العراقي، وحمل المالكي المسؤولية مطالباً إياه بموقف.

 

وبالفعل وعدت الحكومة بالتخلي عن المخبر السري، وكان يمكن أن يتم تصحيح الخطأ في المجالات الأخرى بنفس الطريقة لو ان المتظاهرين تصرفوا وفق مصالحهم ومصالح الشعب وليس وفق ما تتطلبه أجندات قياداتهم المقادة من إسرائيل. وبالمناسبة فأن "المخبر السري" من الإبداعات التي نشرها الأمريكان في كل مكان وصلت إليه أيديهم في العالم حتى في أوروبا ضمن حملة "الحرب على الإرهاب". وواجه شكل من اشكال "المخبر السري"، المتمثل بشاهد لا يعلن إسمه، يكون عادة أحد عملاء الأمن السري للبلد المعني أو السي آي أي، انتقادات شديدة في هولندا وبريطانيا وغيرها.

 

بدلاً من ممثلين يحرصون على مصالحهم ومصالح البلد، قدم للسنة ومنذ الإنتخابات الأولى، ممثلين من بقايا البعث ومتملقيه وحثالاته الأمنية خاصة بقيادة المختص بالقتل والتعذيب (أياد علاوي)، فقبلوا مضطرين أو مستسلمين فوصل حالهم إلى ما وصل إليه، وهاهم يقبلون أشكالاً آدمية تثير التقزز لقيادة تظاهراتهم مثل الشيخ المزيف علي حاتم السليمان الذي حولها إلى ساحة للتعبير عن تحدياته وتخلفه العقلي والثقافي والأخلاقي، ووسيلة للإنتقام من فشله الذريع الذي استحقه عن جدارة في الإنتخابات. فهاهو يمنح اعضاء مجلس الانبار وقائد شرطتها مهلة سبعة ايام للتنحي عن مناصبهم(26) بل "أمر" من أسماهم "من جاء من خارج المحافظة" بـ "الرحيل منها بشكل نهائي".

 

هذا الرجل المسخرة يتكلم باسمكم، مثلما يتكلم باسمكم القميء طه الدليمي فكيف ستتخلصون من وزر صورتهم المرتبطة في ذهن الناس باسم محافظتكم؟ وكيف ستردون على من يذكركم بأنكم تركتم القاعدة والمتخلفين يدعون قيادة تظاهراتكم؟ كل محافظة فيها حثالاتها، لكن أن تكون تلك الحثالات هي الصورة التي يذكرها الناس عن تلك المحافظة أو المجموعة، قضية جدية على المدى البعيد. إن ما سيترسب في الذهن العراقي عنكم وعن تظاهراتكم لن يكون جميلاً، وإنكم تشقون اليوم الشعب العراقي شقاً خطيراً. إنكم لا تخسرون ببقاء تظاهراتكم مستمرة بعد انحرافها، الشيعة العراقيين فقط، وإنما كل سني يعتز بسمعته أيضاً ويرفض أن ترتبط بتلك الصور القبيحة المتخلفة، وبالنتائج الخطيرة التي تهدد تظاهراتكم بها مصير الوطن، ويحقق بها قادتكم دون أن تعلموا، مخططات إسرائيل وأذنابها، ولن تخرجوا من كل هذا إلا بالذكرى السيئة لدى الناس!

 

رغم كل ذلك فقد حققت التظاهرات أهم مطالب أصحابها وهو لفت نظر الجميع إلى معاناتهم التي كانت الحكومة ترفض حتى النظر فيها، وبينوا ان هناك ظلماً أصابهم، وحصلوا على مكاسب في إزالة هذا الظلم. لكن كثرة الأخطاء جعلت ثمن هذه المكاسب غالياً بلا مبرر. وجعل تراكم الأخطاء أن تتوقف المكاسب وتراوح في مكانها منذ فترة ولم يعد لإستمرار التظاهرات إلا الخسائر على جميع الأصعدة.

 

لأجل كل هذا، ولما سيأتي في الجزء الثاني من المقال، يتوجب على من يعلم ما يجري حوله من المتظاهرين، مغادرة التظاهرات، فلم يعد لها حتى توجه جزئي أن تحقق لهم شيئاً، ولا يهدف قادتها سوى التخريب والتمزيق وإثارة الفتنة والحرب الأهلية، لحساب إسرائيل في نهاية الأمر.

 

 

 

صائب خليل


 

2014-06-13 - عدد القراءات #286 - تعليق #0 - قضايا وآراء

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي