القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

دجلة احمد السماوي
دجلة احمد السماوي

من نحن

about us

قضايا وآراء/إلى متى يبقى البعير على التلِّ ؟ لمحات من تاريخ العراق الحديث والمعاصر

رمزي العبيدي
رمزي العبيدي
  رمزي العبيدي  

 

إلى متى يبقى البعير على التلِّ ؟

لمحات من تاريخ العراق الحديث والمعاصر

 

               نستهلُّ فاتحة مقالتنا هذه بهذا المثل العربي القديم والمعروف ، والذي يُضرَب لمَن لا أملَ مرجو في صلاحه أو استقامته ، أو مَن لا فائدة منتظرةٌ منه في المستقبل القريب أو البعيد على حدٍ سواء ، وسمَّيْنا الحكومة العراقية المنتهية ولايتها والمُجَدَّد لرئيسها أو زعيمها ولاية ثانية بـ ( حكومة حزب الدعوة ) ، وهو الحزب المهيمن أو المسيطر عليها ، والغريب أنَّ الطوائف الأخرى ـ والتي تسمِّي نفسها بـ ( الكيانات السياسية ) ـ المشتركة في هذه الحكومة هي تخدم مصالح وتطلُّعات حزب الدعوة شاءَتْ أم أبَتْ ، وبوسائل وأساليب مختلفة يستخدمها حزب الدعوة نفسه ، ومنها الترغيب أولاً ثمَّ الترهيب ثانياً ، فسياسة من يسمِّي نفسه بحزب الدعوة الإسلامية هي : ( إنَّ مَن ليس معي فهو عدوِّي ) ، ومعروف كيف يتعامل هولاءِ النكرات مع الأعداء باسم الإسلام ، هذا الدين الذي فيه مساحاتٌ واسعة تحلِّل لهم وتجيز أعمالهم الإجرامية وأفعالهم النكراء بحقِّ هذا الشعب المسكين .

قلتُ الشعب المسكين ، ولم أقلْ هنا الشعب المظلوم ، لأنَّه هو الذي ظلم نفسه بخنوعه وسكونه وسكوته على الظلم والاستبداد في مختلف العصور والدهور ، فقد سكَتَ قبلاً عن ظلم الفرس الساسانيينَ وظلم مَن قبلهم من الأقوام التي حكمت العراق في العهود الغابرة ، ثمَّ خضع وخنع واستسلم لكلِّ الغزاة والمحتلينَ بمختلف مسمياتهم وعلى مختلف حقب التاريخ ، واشتهر العراقيونَ بمهادنة الحُكَََّام ـ وخاصة الطغاة والظالمينَ منهم ـ وبرعوا في المديح والتطبيل والتزمير والتهليل والهتاف لهم ، ولا حاجة بي هنا لذكر الأمثلة أو إدراج الأدلة لأنَّها معروفة لدى الجميع ، مع ملاحظة أنَّ كلَّ مَن جلسَ على عرش العراق جلس بالحديد والنار وحكم بهما ، ولم يتركه إلا بهما أيضاً ، ولا وقت لديَّ لاستعراض التاريخ القديم ، ومنه قصص الحجاج الأسطورية ، وكيف فعل ما كان يفعل بالناس وخاصة الفقراء والضعفاء منهم ليُرهِب الآخرينَ من الأقوياء أو أصحاب النفوذ أو الأقوى شكيمة ليخضعهم ويطويهم تحت سلطانه وهيمنته ، ومعروف أنَّ خليفة الأمويينَ الوليد بن يزيد عبد الملك بن مروان ماتَ حزناً على الحجاج ، فقد اعتبر موته أوَّل مسمارٍ دُقَّ في نعش الدولة الأموية ، أو كان موت هذا الظالم قصمٌ لظهر هذه الدولة ، هذا كان يفكِّر ويعتقد ، ولسْنا هنا في معرض تقييم الأمويينَ ودولتهم لأنَّ هذا الموضوع فيه كلام ولغو ولغط كثير .

وفي التاريخ الحديث خضع العراق وشعبه لظلم واستبداد الدولة العثمانية وخليفتها الإسلامي ، وهادنه الشعب وبايعه ورضي بظلمه إلى استبدله بظلم الاحتلال البريطاني إبَّانَ الحرب العالمية الأولى ، ولم يكن هذا الاستبدال أيضاً باختياره لكن رغماً عنه كالعادة ، وهنا لا بُدَّ من الإشارة إلى تبجُّح المؤرِّخينَ بما يسمُّونها ( ثورة العشرينَ ) الثورة التي يخالونها ثورة على الظلم والاستبداد ، ولتكن كذلك أي ثورة على الظلم والاستبداد ، لكن أيُّ ظلمٍ وأيُّ استبداد ؟ ، وهنا أضع هذينِ السؤالينِ وأناقش مزيِّفي التاريخ الحديث والمعاصر ممَّن يسمُّونَ أنفسهم بالمؤرِّخينَ وهم في الحقيقة مؤخِّرونَ لا مؤرِّخون ، مع الإشارة إلى أنَّني لـمْ أعاصرها ، لكنَّي عرفتها من خلال كتاباتهم هم أنفسهم ، فقد وجدْتُ من خلال قراءاتي عنها وعن أيَّامها كثيراً من المغالطات والتناقضات ، ربَّما لم ينتبه لها أحدٌ قبلي ، أو لم يتجرَّأ واحد من المنتبهينَ عليها على الكتابة عنها أو الخوض فيها خوفاً أو تقيَّةً لما قد يتعرَّض له من الاضطهاد والتنكيل ، فقد قرأتُ أنَّ شرارتها الأولى انطلقَتْ من الرميثة في الجنوب العراقي وتحديداً عندما اعتقل البريطانيونَ الشيخ شعلان أبو الجون شيخ عشيرة الظوالم هناك ، فهبَّتْ عشيرته لتخليصه من أسره وخلَّصوه فعلاً ، وكان الرد البريطاني قاسياً على هذه العشيرة ، فساندتها العشائر العراقية الأخرى في الجنوب ، وبذلك تحوَّلَتْ عملية تخليص هذا الشيخ إلى ثورة سُمِّيَتْ بثورة العشرين نسبة إلى العام الذي حدَثَتْ أو وقعَتْ فيه وهو العام 1920م ، وتطوَّر الموضوع إلى المطالبة بالاستقلال التام أو الموت الزؤام ، هذه هي حقيقة ثورة العشرين ، فلمْ يتَّحِدْ شعب العراق يوماً للمطالبة بالاستقلال المزعوم ، لكن كانتْ هذه المطالبة تحصيلاً حاصلاً لما حدث ، وتطوراً طبيعياً لما جرى في تلك الأيَّام البعيدة نسبياً .

وقد حاول النظام السابق أيضاً تشويه هذه الحقائق عندما قامَتْ دائرة السينما والمسرح في ثمانينيات القرن الفائت بإنتاج فيلم ( المسألة الكبرى ) ، وهو فيلم سينمائي يتحدَّث عن قصة ثورة العشرينَ ، ولم يشرْ هذا الفيلم إلى كلِّ ما ذكرنا ولا أدري لماذا ، فقد أخذ قصَّة للشيخ ضاري المحمود ـ جسَّد الشخصية في الفيلم الفنان الكبير المرحوم غازي التكريتي ـ مع الضباط البريطاني الكولونيل ( لجمن ) ـ جسَّد الشخصية في الفيلم الفنان العالمي الشهير أو المشهور ( أوليفر ريد ) ـ وطوَّرها وضخَّمها وزاد عليها وأضاف لها من خيال المؤلف ، واعتبرها أو عدَّها هي الشرارة التي أطلقَتْ ثورة العشرين ، وممَّا زاد الطين بلَّةً إبداع المخرج الكبير الفنان محمد شكري جميل في إخراجه وحبكه لهذه القصة ، واستقدامه ودائرة السينما والمسرح خبراء أجانب لإخراج المعارك ومشاهدها وما تتطلَّبه من ( الأكشن ) ، ليظهر الفيلم وكأنَّه فيلم أمريكي يتحدَّث عن هذه الثورة ، إضافة إلى براعة الممثلينَ العراقيينَ والأجانب ، ممَّا جعلني أنخدع وقتها بأنَّ هذه هي قصَّة ثورة العشرينَ الحقيقية ، فقد كنْتُ وقت عرض هذا الفيلم شاباً حديث عهدٍ بالقراءة ، وأعجبْتُ بما رأيتُ وسمعْتُ فيه ، إلى أنْ صدمني أستاذي الفاضل في الثانوية أستاذ التاريخ جواد زاجي كطن بالحقيقة ، وقال لي إنَّ ما جاء في هذا الفيلم هو تزييفٌ للتاريخ وطمسٌ لحقائقه والحقيقة غير ذلك ، فصُدِمْتُ وانتابني الفزع والخوف وأنا في مقتبل العمر وريعان الشباب ، وراودتني أسئلة لم أجد لها إجاباتٍ طيلة سنواتٍ عدَّة بعدها ، وهي : لماذا ولمصلحة مَن يزيفونَ التاريخ بهذه الصورة أو الطريقة ، وهم قاعدونَ متربِّعونَ على العروش والكراسي ؟ ، فما لهم والتاريخ ؟ ، لماذا يهمِّشونَ الثوار الحقيقيينَ في ثورة العشرينَ ويقحمونَ غيرهم عليها ؟ ، ولماذا ؟ ولماذا ؟ ولماذا ......... ؟ ، وكان عنوان رواية الفيلم الذي وضعه المؤلف : (( المسألة الكبرى ـ قصَّة أرضٍ وشعبٍ وقضية )) ، وهنا نسأل مرَّة أخرى : أيَّة أرضٍ ؟ ، وأيُّ شعبٍ ؟ ، وأيَّة قضية ؟ .

وليسَتْ غايتنا هنا التقليل أو التهوينَ من المكاسب والمنجزات التي حقَّقتها هذه الثورة آنذاك ، لكن لا بُدَّ من الإشارة أنَّ هذه المكاسب المنجزات نفسها خدَمَت المحتل البريطاني أكثر من خدمتها للعراقيينَ ، فقد تنبَّه البريطانيونَ وقتها إلى أنَّه لا بُدَّ من إيجاد طريقة جديدة لحكم العراق ترضي بها غرور أولئك الثائرينَ الذينَ تعتبرهم حكومة صاحب الجلالة في بريطانيا متخلِّفينَ ، وهم كذلك فعلاً لأنَّ مقاييس التخلُّف عندهم تختلف عمَّا هي عندنا ، فهم ينظرونَ إلى الأمور بغير نظرتنا ، لذا تراهم هم المتفوقونَ دائماً ، لأنَّهم يستخدمونَ المقاييس الموضوعية والعلمية ، ولا يفوتونَ أصغر الصغائر دون بحثٍ أو دراسة ، فقد وجدوا شعباً أمياً يقوده ويحرِّكه بعض مَن يسمُّونَ أنفسهم بالمتنورينَ ، وهؤلاء المتنورونَ لا يختلفونَ عن شعبهم في تخلُّفه سوى أنَّهم يقرأونَ ويكتبونَ أو تخرَّجوا من بعض الجـامعات العثمانية المتخلِّفة ، فلا تجد فيهم طبيباً أو مهندساً أو عالماً أو مفكراً يُحسَبُ له حساب ، وإنْ وجِدَ ذاك الذي يُحسَبُ له هذا الحساب فهو من اليهود العراقيينَ أو أبناء الطائفة المسيحية ؛ ووجدوا أيضاً شعباً تمزقه النعرات العرقية والإثنية والطائفية ـ بالطبع لم تكن هذه النعرات كما هي اليوم لكنَّها موجودة وحقيقة واقعة ـ فوجدوا مسلمينَ ( سنة وشيعة ) ، وأكراداً لا تهمُّهم سوى قوميتهم ، ومسيحيينَ ويهود وصابئة وأيزيديينَ وطوائف أخرى تحسُّ كلُّها بالظلم والاضطهاد من الدولة العثمانية المسلمة من جهة ومن الشركاء في الوطن المزعوم من جهة أخرى ؛ قلْتُ ابتكر البريطانيونَ طريقة جديدة لحكم هذا العراق ، فجاءوا بواحد من أبناء الأسرة الهاشمية التي كانتْ تحكم في أرض الحجاز ، وتحديداً جاءوا بالأمير فيصل الأوَّل أحد أبناء الشريف حسين بن علي أمير مكة ووضعوه أو نصَّبوه ملكاً على عرش العراق ، وقد لعب نوري باشا السعيد الدور الأكبر في معاونة البريطانيينَ ومساعدتهم في هذا الاختيار وتنفيذ هذه الخطوة ، فكان الملك فيصل الأوَّل ملك العراق الذي جلس على عرشه بحديد البريطانيينَ ونارهم ، وكان حاكماً شكلياً للعراق ، ومعروفٌ أنَّ حاكمه الحقيقي هو المندوب السامي البريطاني ، تساعده تلك المرأة الداهية الذكية ( مس بيل ) ، وبذا أضحى جلالة الملك مـلك البلاد المعظم ـ كما أحبَّ العراقيونَ أنْ ينعتوه ، أو كما أحبَّ هو أنْ ينعته العراقيونَ لا فرق ـ ألعوبةً بيد البريطانيينَ ومندوبهم السامي وسيدتهم الكريمة ( مس بيل ) ، والتي يخالها العراقيونَ صاحبة الفضل الأكبر في بناء دولة العراق الحديثة ، وهي كذلك فعلاً ، فقد قامَتْ بدورٍ كبير نلمسُ نتائجه حتى في أيَّامنا هذه ، فقد هيَّأتِ الشعبَ العراقي لتقبُّل الظلم والرضا بالأمر الواقع من خلال نصائحها التي كانتْ تقدِّمها على حدٍ سواء للمندوب السامي البريطاني وألعوبته جلالة الملك المعظم ورئيس وزرائه نوري باشا السعيد وبقية الذينَ يسمُّونَ أنفسهم السياسيينَ ، وهذه النصائح كانتْ كلُّها تصبُّ في مصلحة حكومة بلادها طبعاً حكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى ، والكلُّ كان يستمع لها وينفِّذ ما تقول أو تشير به عليهم ، وكانوا جميعاً في غاية السعادة ، فتراهم حينَ يختلفونَ يذهبونَ إلى الـ ( مس بيل ) لتحلَّ لهم هذا الخلاف أو تحكم بينهم أو تجد لهم طريقة أو حلاً يرضي جميع الأطراف ، وحينَ يتفقونَ يذهبونَ إليها لتبارك اتفاقهم وكأنَّها عرَّابهم ، فانظروا وقيِّموا دور هذه المرأة وإخلاصها لبلادها ، فلو عندنا في بلادنا العربية واحد أو واحدة مثلها لكنَّا من أحسن الأمم ! .

لقد صَدَّقَ العراقيونَ هذه الكذبة الكبيرة واقتنعوا أو أقنعوا أنفسهم ـ بعبارة أصح ـ أنَّ الذي يحكمهم أو سيحكمهم هو الملك العربي سليل الأسرة الهاشمية ، ونسُوا أو تناسُوا وجود المحتل البريطاني ، فخمَدَتْ ثورتهم ، وبرد غضبهم ، وانطلَتْ عليهم حيلة البريطانيينَ بأنْ طلبوا منهم الخروج بمسيراتٍ لاستقبال ومبايعة ملك البلاد الموعود ، فخرجوا وبايعوا وهللوا وطبلوا وزمَّروا وأنشدوا ومدحوا كعادتهم شخصاً لا يعرفون عنه سوى أنَّه يُنسَبُ أو يَنتسِبُ إلى سلالة نبيِّهم محمد ، ولا اعتبار عندهم آنذاك لشخصيته أو إنجازاته أو مكنون نفسه أو ما سيصدر عنه في قابل الأيَّام ، فهو عندهم مُصَانٌ غير مسؤول ، وهذه هي الطامة الكبرى ، فأنت تراهم فعلوا كلَّ ذلك لأنَّ جنرالهم نوري باشا السعيد الذي يحمل لقب الباشوية العثمانية ومَن عاونوه ، قد أقنعوهم بطريقة أو بأخرى أنَّ هذا الأمير فيصل بن الشريف حسين بن علي هو الحل ! ، وما أسوأه من حل .

ما علينا ، لقد وجد الملك فيصل الأوَّل الشعب العراقي كما وجده البريطانيونَ طوائفَ وملل ونحل وفئات لا داعي هنا لتكرارها ، فقال لهم قولته المشهورة : (( الدينُ لله والوطن للجميع )) ، قالها علَّه يجد فيها حلاً لنزاعاتهم وصراعاتهم ، فقد كانَ الملك كمَن يُشوَى على نارٍ هادئة ، تأتيه من جهات مختلفة متباينة في أهوائها واتجاهاتها ومشاربها ، فكان يحتضر بين مطالب الشعب وتطلُّعاتِ الفقراء والمحرومينَ منه ، والمخدوعينَ جميعهم به وببعض مَن حوله من الكذَّابينَ والمنافقينَ ، وبينَ ما يمليه عليه المندوب السامي البريطاني ، والأنكى والأدهى والأمر ما يفرضه عليه الباشوات المحيطونَ به ـ وهؤلاء يمثلونَ الطبقة البرجوازية العليا ، وهم من مخلفات المحتل العثماني ، ولا أدري لماذا يرفض البعض هذه التسمية ؟ ، أ لأنَّ العثمانيينَ مسلمونَ ؟ ، الله أعلم ! ـ ولأولاءِ الباشوات طلباتٌ وإراداتٌ وتطلعات تختلف عمَّا يريده الشعب ويتطلَّع إليه ، علماً أنَّهم يصرِّحونَ دائماً أنَّهم يمثلونه ، والحقيقة أنَّهم لا يمثلونَ إلا أنفسهم ، ولا نقول اليوم إلا كان الله في عون الملك في تلك الفترة .

وتتوالى الأزمنة والأيَّام ويموت الملك فيصل الأوَّل ، ويتولى أنجاله حكم العراق بوصاية المندوب السامي نفسه ، لتأتي حادثة وفاة الملك غازي في العام 1939م ، لتترك أثراً وانقساماً جديداً لدى العراقيينَ ، وصار فيها كلامٌ ولغط لغوٌ كثيرٌ أيضاً ، فالبعض لا يؤمن بأنَّها حادثة عادية أو من ترتيبات القدر ، فالمؤمنونَ بـ ( نظرية المؤامرة ) يحمِّلونَ البريطانيينَ دم الملك ، والآخرونَ يشركونَ معهم مَن ينعتونهم بالخونة والمتآمرينَ إلى آخر ما سمعناه وقرأنا عنه من هذه القصص الحقيقية والخيالية ، وإلى اليوم لا ندري أينَ الحقيقة ؟ ، وقد أنتجَتْ دائرة السينما والمسرح أيضاً فيلماً عن الملك غازي بإيعازٍ طبعاً من سلطة النظام السابق ، ولم أشاهد هذا الفيلم ، ولا أستطيع التعليق عليه اليوم ، لأنَّ قناعتي السابقة أو القناعة التي تولَّدَتْ عندي بعد فيلم ( المسألة الكبرى ) السابق له من أنَّ السلطة ستزيِّف التاريخ كما زيَّفته سابقاً ، لذا وفَّرْتْ ثمن تذكرة السينما لأشاهد بها فيلماً عربياً ترفيهياً للفنان المصري عادل إمام ، علَّني أنسى ما لحقني من ضرر وأذىً نفسي ومعنوي عندما صُدِمتُ بالحقيقة في المرَّة السابقة ، فلم أكنْ أريد صدمةً أخرى .

ليأتي بعد هذه الحادثة تولي الملك فيصل الثاني عرش العراق وهو طفلٌ قاصر ، فيُنصَّب خاله الإله عبد الإله وصياً على هذا العرشِ الهشِّ ، ويوسِّع البريطانيونَ صلاحيات الملك ، وبما أنَّ هذا الملك قاصر تتحوَّل هذه الصلاحيات إلى الوصي ، وتندلع ما تسمَّى ثورة مايس التحرُّرية في العام 1941م ـ وكان الوصي الإله يسميها على حد تعبيره : ( دكة رشيد عالي الكيلاني ) ـ ويفعل هذا العبد الإله ما يفعل بالثوار من الضباط وقائدهم رشيد عالي بمعاونة الحلفاء البريطانيينَ المعسكرينَ في مطار الحبانية ، فقد أعطى الأوامر بالتنكيل بهم وقتلهم والتمثيل بجثثهم وجثامينهم كي يغدوا عبرةً لغيرهم ولكلِّ مَن تسوِّل له نفسه الاعتداء على العرش المقدَّس ! ، هذا التعبيرات كلُّها للوصي من توجيهات كان يطلقها بلسانه أو مكتوبةً لمَن بيدهم العصا أو السوط ( القمچي ) ، وعن ضباط مايس 1941م ، قرأتُ عنهم في كتب صدرَتْ في عهودٍ مختلفة نعوتاً متباينة ، فرأيْتُ مَن يكتب عنهم مرَّة أنَّهم الضباط الأحرار ضباط ثورة مايس التحرُّرية ، ويكتب الآخر عنهم أو يقول بأنَّهم خانوا العهد والوطن والمليك ، وهنا سنتجرَّد من الحكم عليهم لقناعتنا أنَّ هذا من تراكمات تلك المرحلة .

ولم تكن الحال بأحسن ممَّا كان أثناء وثبة كانون الأوَّل عام 1948م ، وانتفاضة تشرين الثاني عام 1952م ، فطال العراقيينَ القهر والتنكيل على يد عبد الإله الذي كان يتوَّهم أنَّه سيضل وصياً على عرش العراق طوال حياته ، وفاتني أنْ أشير إلى تعدد الوزارات إبَّان تلك الحقبة ، فكانتْ كلَّما تحدث أزمة من أيِّ نوع ـ سياسة اقتصادية اجتماعية وغيرها ـ تكون الحكومة ورئيس وزرائها كبش الفداء لها ، وربَّما كان هناك إبقاء على الرئيس في بعض الحالات أو المرَّات ، كما فاتني أنْ أشير إلى حلف بغداد سيِّءِ الصيت في العام 1955م ، وما جلبه على العراق من أزمات ونكبات .

في العام 1958م ، وتحديداً في يوم 14 / تموز منه ، تنتهي حقبة من تاريخ العراق بانتهاء الحكم الملكي للأسرة الهاشمية بمقتل الملك فيصل الثاني وخاله عبد الإله وبقية أفراد أسرته بمجزرة يندى لها جبين الإنسانية على يد العسكر ، وإعلان العسكر أنَّ ثورتهم هذه هي ثورة على الظلم والطغيان ، ليبدأ عصر جديد من الظلم والطغيان هو عصر الجمهورية العراقية ، ليقوم الزعيم عبد الكريم قاسم قائد الثورة بتسمية العهد الملكي بالعهد البائد ، ويبدأ الصراع بين الشيوعيينَ والقوميينَ من جهة ، وبين الزعيم نفسه ومنافسيه من جهة أخرى ، وانتهَتْ هذه الصراعات بانقلاب 8 / شباط / 1963م ، فيقتل الزعيم عبد الكريم قاسم ، ثمَّ ينقل إلى مقر تلفزيون الجمهورية العراقية في بغداد ، فتظهره كامرته مقتولاً قاعداً على كرسي خشبي ، ويظهر جنبه مفوض شرطة يمسك بغرَّة شعره ثمَّ يبصق على أو في وجهه ، كان هذا على مرأى ومسمع العراقيينَ ، فشاهدوا زعيمهم المفدى ـ كما كانوا يسمونه ـ بهذه الصورة وهذا الحال .

وعن انقلاب 8 / شباط / 1963م ، نقول مصحِّحينَ ومصوِّبينَ بعض الأمور التي فيها خلط ولبس : إنَّ العقل المدبِّر لهذا الانقلاب أو الثورة ـ كما يروق للبعض تسميتها ـ هو العقيد أحمد حسن البكر ، كما أنَّ تنفيذ ما دبَّره وفكَّر فيه لم يفلتْ من يده ، فكان البكر العقل والعضلات وقتها ، ولا علاقة للرئيس عبد السلام عارف بالموضوع سوى أنَّه جِيءَ به زعيماً للانقلاب والثورة ، لأنَّه يحمل الرتبة العسكرية الأعلى بعد عبد الكريم قاسم ، وهذه الحكاية تشبه حكاية الرئيس محمد نجيب في انقلاب يوليو الذي تحوَّل إلى ثورة بقدرة قادر عام 1952م ، والبكر هنا يشبه السفاح جمال عبد الناصر الذي سفح دماء الشعب المصري ، لكنَّ الفرق بينهما هو أنَّ صاحبنا لم يعرف كيف يحافظ على السلطة كعبد الناصر ، والإطاحة بعبد السلام عارف في الوقت المناسب ، فأطاح عارف به في انتفاضة تشرين الخالدة أو ردَّة تشرين السوداء ـ كما يسميها كلُّ طرف متنازع ـ ولا يفوتنا هنا أنْ نذكِّر بما فعله الحرس القومي الذي أطلقه البكر في الشوارع بالناس وخاصة الأبرياء والفقراء منهم ، للفترة من 8 / شباط إلى 18 / تشرين الثاني من العام 1963م ، ويأتي يوم تشرين فيُعزَل البكر من أو عن رئاسة الوزراء ، ويزجُّ به في السجن ، ويعلن الرئيس عبد السلام عارف إلغاء الحرس القومي ، وقال يومها : (( أعلن إلغاء الحرس الـ لا قومي )) ، ويُخرِج عارف الشيوعيينَ من المعتقلات ، ويَزَجُّ بالقوميينَ والبعثيينَ بدلاً عنهم .

في العام 1966م ، يموت الرئيس عبد السلام عارف بحادثة طائرة مشكوك فيها ، تشبه حادثة الملك غازي ، وينطبق عليها نفس الكلام الذي قلناه عن الحادثة السابقة ، لتؤول السلطة هذه المرَّة إلى شقيقه المرحوم ـ طيب الذكر وحده ـ عبد الرحمن عارف ، ولا بُدَّ هنا من التفصيل في حياة هذا الرجل الذي قلنا عنه طيب الذكر ، فقد كان طيب الذكر طيب القلب متسامح سمحٌ رغم أنَّه من جنرالات العسكر وشقيقٌ لجلادٍ كبير ، استلم عرش العراق الجمهوري وراثة بعد شقيقهِ عارف الأوَّل ، كان مختلفاً عن الآخرينَ من الحثالات الذين حكمُوا العراق قبله وبعده ، لم يغره المنصب ، ولم تتحكم به السلطة ، ولم يُصَبْ بجنون العظمة ، فهو الوحيد الذي كان أكبر من العرش أو كرسي الرئاسة ، أمَّا مَن قبله ومَن بعده وإلى يومنا هذا فالعرش أو الكرسي أكبر منهم جميعاً ، أخرج المعتقلينَ من السجون ، وكان من بينهم أحمد حسن البكر ، وأصدر أوامر للجهات الأمنية بالكفِّ عن ملاحقة المطلوبينَ أو مَنْ صدرَتْ بحقِّهم أوامر القبض ، فارتاحَتِ الناس وهدأ بالهم في فترة حكم هذا الطيِّب ، كما أنَّ عبد الرحمن عارف هو الحاكم الوحيد الذي ماتَ غير آسفٍ على عرش العراق ، فقد توفِّي قبل سنتينِ أو ثلاث في عمَّان آمناً مطمئناً رحمه الله وطيَّب ثراه .

وفي 17 / تموز من العام 1968م ، وبتدبير البكر أيضاً ، تحدث خيانة الملعون حماد شهاب ، والتي يسمِّيها البعثيونَ الثورة المجيدة ، ويُؤتى بعبد الرزاق النايف رئيساً للوزارة المضحكة التي عمرها ثلاثة عشر يوماً ، فقد عُزِلَتْ في 30 تموز ، وتمَّتْ تصفية الكثير من أبناء العراق وتعليق جثامينهم على الأعمدة في الباب الشرقي ، بحجَّة أنَّهم من جواسيس الصهيونية ، وتمَّ نفي الرئيس المرحوم عبد الرحمن عارف خارج العراق .

ويأتي العام 1971م ، فيبرز صدام حسين على الساحة السياسية العراقية ، ويُعَدُّ بروزه انعطافة في تاريخ العراق ، وعهد جديد من الظلم والدكتاتورية ، ولم يكن هذا البروز إلا لكونه أحد أقرباء البكر ، وانقلب السحر على الساحر ، ونعني أنَّ بظهور هذا اللعين بدأ العد التنازلي لأيَّام البكر ، وَدُقَّ أوَّل مسمار في نعشه ، فالله كما يقول المسلمونَ يمهل ولا يهمل ، فالبكر برأيينا غير المتواضع هو أهم أسباب نكبة العراق في التاريخ الحديث أو المعاصر ، مع العرض أنَّه لم يكن السبب الوحيد بل هو أهم الأسباب ، فـماء شاء الله الكلُّ ـ عدا المرحوم عبد الرحمن عارف ـ مجرمونَ جزَّارونَ قتلة سفلة ، يتشابهُـونَ في كلِّ شيءٍ ، ويتفقونَ على التنكيل بهذا الشعب المسكين ، نقول المسكين لا المظلوم مرَّة أخرى .

ويبدأ صدام حسين بالأكراد وبإيران ، فيوقع اتفاقية الجرائر سيِّئة الصيت في العام 1975م ، ويتنازل لإيران فيها عن أرضٍ كانتْ للعراق ونصف مياه شط العرب ، ليتفرَّغ لمحاربة الأكراد وتصفيتهم ، لا لشيءٍ إلا لأنَّ فئةً قليلة منهم لم تؤيِّده ولم تقدِّم له فروض الولاء والطاعة كما فعل الكثرة منهم ، فأخذ صدام الكثرة بجريرة هذه القلة القليلة ، فضرب بقسوة فيما يُعرَف بحرب الشمال .

وكان أثناء ذلك يسحب البساط من تحت قدمي الرئيس البكر ، ونذكِّر هنا بحادثة ناظم كزار في العام 1973م ، وما تبعها من قتله لحماد شهاب ، ومقتله بعد ذلك ، وناظم كزار هذا ليس خيِّراً ، فهو جلاد بارع قتل من قتل من العراقيينَ بعد الانقلاب الأسود في العام 1968م ، لكن الذي حدث هو أنَّ هؤلاء القتلة اختلفوا على الكرسي ، وكان لصدام حسين ـ كما هو معروف ـ الدور الأكبر في تصفية ناظم كزار ، ومنذ هذه الحادثة أصبح الكل بالكلية ـ كما يقول العراقيونَ في مثلهم المشهور ـ فيأتي دور البكر في التصفية في العام 1979م ، ولا بُدَّ من الإشارة هنا أنَّ تصفية البكر تمَّت بطريقة غير مألوفة ، أو لم يعتدها أو لم يمارسها جلادو العراق من قبل ، فقد أجبره في العام 1979م ، على الاستقالة وتسليم السلطة باختياره ـ كما أعلِنَ على الملأ ـ إلى نائبه صدام حسين ، وبسبب المرض ، وربَّما يكون هذا المرض حقيقياً ، فقد جلبه له صدام حسين عندما كسر ظهره بقتله ولده هيثم بحادثة سير مشكوكٍ فيه أيضاً ، ليستلم صدام حسين الحكم رئيساً لجمهورية العراق في العام نفسه ، فيبدأ بتصفية معارضيه في حزب البعث في حادثة قاعة الخلد المعروفة والمشهورة ، بذريعة ولائهم للنظام السوري ، فكانت يومها مجزرة جديدة ، تشبه المجار التي وقعَتْ في العراق واعتاد شعبه عليها .

ولن نفصِّل أكثر فيما فعله صدام في أو بـ ( العراق ) ، لكنَّنا يجب أنْ نعرِّج على مسألتينِ مهمَّتينِ ، أولاهما : الحرب العراقية الإيرانية أو قادسيته المزعومة ، وثانيتهما : احتلاله لدولة الكويت .

حارب صدام حسين إيران ثمانية أعوامٍ ، وألغى في بداية حربه اتفاقية الجزائر التي وقَّعها بيده ممثلاً عن الجانب العراقي ، وعاد إليها معترفاً بها بعد نهاية هذه الأعوام الثمانية الطوال ! ، فانظروا وتأمَّلوا ............. .

احتلَّ صدَّام دولة الكويت المستقلة والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة والعالم ، وأسماها المحافظة التاسعة عشر ، وادَّعى بأنَّ الفرع عاد إلى الأصل ، ثمَّ رجع فاعترف بها من جديد كدولة مستقلة ، ودفع التعويضات لها عن مغامرته وحماقته تلك ! ، فانظروا وتأمَّلوا ثانية ....... ، ولي رأي في هذه المسألة غير متواضع أيضاً ، بنيته من خلال كلِّ المعطيات والمراجعات التاريخية والجغرافية لهذا الموضوع ، وهو هل الكويت حقاً جزء من العراق ؟ ، في هذا أقول : لم تكن الكويت يوماً جزءاً من العراق ، وفي هذا أدلة كثيرة ، لا أريد عرضها هنا ، لاحتمال دحضها بما زيَّفه المزيِّفونَ ، لكنَّ الدليل الذي لا يقبل الدَّحض يتلخَّص في اللهجة الكويتية الجميلة ، والتي لا تشبه اللهجة العراقية مطلقاً ، وهي تشبه في عمومها لهجة بقية دول الخليج الفارسي ـ كما جاءَتْ تسميته في الكتب القديمة والتراثية ـ هذا أولاً ، وثانياً إنْ احتجَّ البعض أنَّ هناك في بصرتنا الفيحاء قلَّة قليلة ممَّن يُطلِق عليهم البصريونَ ( العِبِيْد ) تشبه لهجتهم لهجة الكويتيينَ ، نقول هؤلاء كويتيو الأصل وليسو عراقيينَ ، وحتى أشكالهم تشبه الكويتيينَ وليسَتْ لهجتهم فقط ، علماً أنَّهم من المساكينَ والضعفاء ولا أدري لماذا لا تعترف بهم دولة الكويت ، ومنهم المطربة رباب ، فقد استمعْتُ لها في إحدى الفضائيات ، تقول : (( الكويت كويتي والعراق عراقي )) ، وهذا ليس بالغريب ، فهؤلاء القوم المساكينَ يريدونَ وطناً ولا وطنَ يريدهم ، فقد غنَّتْ هذه المرحومة للعراق وجلاده صدام حسين ، وغنَّتْ للكويت وأميره جابر الصباح ، علَّها تجد عند أحدهما وطناً لها ولقومها ، آخ آخ آخ وأويلي من الظلم والاستبداد ............ .

وكانتْ نهاية هذا الطاغية على يد القوات الأمريكية التي خلَّصَتِ العراق منه ، وسلَّمته على طبق ٍ من ذهب لإيران وأحزابها الدينية ـ هذه الفكرة ليسَتْ كاملة لي ، فهي مقتبسة لاقتناعي بها من حديث سابق سمعته عبر الفضائيات لوزير الخارجية السعودي الأستاذ سعود الفيصل ـ وعلى رأس هذه الأحزاب حزب الدعوة والمجلس الأعلى وجيش المهدي وحزب الفضيلة وغيرها .

وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أمرٍ مهم ، يندرج أو تمتدُّ جذوره إلى أقدم العصور ، ويعود بنا إلى أصل الوجود الإنساني ، فالإنسان كائنٌ ضعيف منذ القدم ، رأيناه في العصور الحجرية يعبد الشمس والقمر والنجوم النار والرعد المطر والغيم وغيرها ، ممَّا خاف منه وارتعد ، وبعد التطور وظهور الأديان التي يسمونها سماوية أو هي من الرب أو الله ، نرى أنَّ هذا الإنسان ابتعد عنها كثير بعد موت أنبيائها ومرور فترة من الزمن ـ تكاد تكون قصيرة في الأغلب الأعم ـ على فراقهم ، ولاحظنا أنَّ الناس يرجعونَ إلى هذه الأديان في الأزمات ، وأكثر الأديان التي ينطبق عليها ما قدَّمنا هو الإسلام ، وبذا يكون ظهور الأحزاب الدينية في العراق وغيره من الدول العربية وإيران والدول التي يشكِّل المسلمونَ أكثرية عدديَّة فيها ، هو تحصيل حاصل للأزمات التي حلَّتْ بها وبناسها ، ونتيجةً لظلم جلاديها القابعينَ على أنفاس البشر ، فالظلم إذا دام دمَّر ، وينطبق ذا الكلام أو لا نعني به الأحزاب الشيعية فقط بل نتعدَّاها إلى أحزاب القوم الآخرينَ من السنة ، كالحزب الإسلامي أو الأخوان المسلمينَ ، وتنظيم القاعدة ، والفصائل التي تسمي نفسها جهادية كـ : الجيش الإسلامي ، وكتائب ثورة العشرين جماعة الملعون المجرم حارث الضاري ، ورجال الطريقة النقشبندية وغيرهم ؛ فكلُّ هؤلاء إضافة إلى الأحزاب الشيعية مجرمونَ فاسدونَ قتلة ، نزع الله الرحمة من قلوبهم ، فعاثوا في الأرض فساداً ، وابتلَتْ بهم البلاد والعباد ، لا نستثني منهم أحداً ، ولا ندري ماذا نفعل معهم أنقتلهم فنصبح قتلة مثلهم ؟ ، أم نحاورهم مع قناعتنا أنَّ الحوار لن ينفع معهم ؟ ، وبما أنَّنا لسنا من دعاة القتل ، فإنَّنا حقاً لا ندري ماذا نفعل لهم ، لكنَّ علينا أنْ نفضحهم ودينهم ، ونسفِّه أحلامهم ، ونخرِّب عليهم قواعدهم ، فينقلب الناس عليهم فلا يجدونَ من يصغي أو يسمع لهم ، وذلك بنشر العَلْمَانِيَّة والمَدَنِيَّة ، فالإنسان يجب أنْ يُقَيَّمَ أو يُنظَرَ إليه من خلال علمه وعمله لا من خلال دينه وطائفته ، وخير الناس مَن انتفع البشر بعلمه وعمله ، ومن استنارَتْ البشرية باكتشافاته واختراعاته ، فـ ( دارون ) ونظريَّته التي أشكُّ فيها أحسن عندي من الإسلام وترَّهاته ـ تعبير ( ترَّهات الإسلام ) أخذته من مقالة سابقة قرأتها للأستاذة المبدعة مكارم إبراهيم ـ وانتظروا منِّي تفصيلاً موسَّعاً في كتابي ( عدالة المصلينَ ) ، والذي لم أكتب منه حرفاً حتى الآن ، وسأكتبه عندما تقبل هجرتي وأذهب إلى بلاد الحريات وهي الولايات المتحدة الأمريكية ، فهناك لن يتطاول عليَّ شرطيٌ تافه ، ولن يقمعني حاكم ظالم ، وليس لأحدٍ سلب أرادتي وحبس كلمتي أو مصادرة حريَّة قلمي ، ولن يستطيع إرهابيو الإسلام الوصول إليَّ بسهولة ، فمواد هذا الكتاب هي أفكار وحوادث وذكريات أحفظها في رأسي ، لا أنساها ولا أغفل عنها إلا إذا أُزيلَ رأسي عن كتفي ، ولا يهمُّني ذلك لا قبلاً ولا بعداً ، فأنا أؤمن بمقولة عميد الأدب العربي ، حيث قال : (( هذا هو رأيي ، ورأيي أغلى من حياتي )) .

تدَّعِي كلُّ الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية في العراق ـ ومنها حزب الدعوة صاحب الحكومة ـ أنَّها أحزاب عراقية ، وأنا أشُكُّ في هذا الادِّعاء ؛ كما تدَّعي أيضاً أنَّها الأفضل والأصلح لاستلام عرش العراق ، وأنا أرى أنَّ كلَّها لا تصلح ، فالحلُّ كما قدَّمنا في نشر العَلْمَانِيَّة المَدَنِيَّة ، ولا حاجة هنا لتعداد أسماء مجرمِي هذه الأحزاب الإسلامية ، لا لعجزنا عن تعدادهم أو ذكر أسمائهم ، لكنَّنا نخاف أنْ ننسى واحداً منهم فيزعل منَّا أو علينا ، أو يزعل علينا أو منَّا الآخرونَ المذكورونَ لأنَّنَا نسينا أنْ نذكر اسم ذلك المجرم ، وهنا لا بُدَّ أنْ ننوِّه إلى أنَّنا لو وضـعنا أو فاضلنا بينَ أيِّ مجـرمٍ من مجرمِـي هذه الأحـزاب الدينية ـ كالأستاذ المالكي أو الأستاذ عدنان الدليمي ، على سبيل المثال لا الحصر ، فهما أستاذان حقيقيان وكبيرانِ في القتل والإجرام ـ وبينَ مجرم العصر صدام حسين لوجدْنا أنَّ هذا الأخير قِدِّيْسٌ أو ملاكٌ بجانب إيِّ منهما ، فانظروا وتأمَّلوا ثالثة ............ .

يدَّعي كلُّ العراقيينَ ـ بما فيهم المنضوونَ تحت لواء الأحزاب الدينية ـ أنَّهم يحبونَ هذا العراق ويتغزَّلونَ به ، وكلُّهم صادقونَ لا اعتراض عندنا على ذلك ، لكنَّنا نسأل هنا من يكرهه منهم ومن غيرهم ؟ ، أو هل يوجد مَن يكرهه في هذه الدنيا ؟ ، مع العرض أنَّ كلَّ مُحِبٍ من هؤلاء يعتقد بلْ يؤمنُ أنَّ ألآخر لا يحبُّ إلا مصلحته ولا يحبُّ العراق ، فالحبُّ الحقيقي محصور فيه أو عنده وحده لا عند غيره ، وكأنَّ العراق امرأة جميلة ينازع على حبِّها العاشقونَ المتيَّمونَ بجنونٍ يشبه هذا الجنون عندنا ما قرأناه من وعن جنون الحب عند الأعشى ميمون بن قيس في معلقته :

عُـلِّـقْـتُها عَرَضَـاً وَعُـلِّـقَـتْ رَجُلاً

 

غَـيْرِي وَعُـلِّـقَ أُخْرَى غَيْرَهَا الرجُل

وَعُـلِّـقَـتْهُ فَـتَـاةٌ مـا يُـحـاوِلِـهَـا

 

مِن أَهْـلِـهَـا مَـيِّـتٌ يَهْذِي بِهَا وَهِلُ

وَعُـلِّـقَـتْـنِي أُخَيْرَى مـا تُـلائِمُـنِي  

 

فَـاجْـتَـمَـع الحـبُّ حُـباً كُلُّهُ تَـبِـلُ

 

               ومن هنا نرى أنَّ على كلِّ واحدٍ يحبُّ أو يدَّعي حبَّ هذه العراق أنْ يوضِّح للآخرينَ على طريقة مَن طرائق هؤلاء المذكورينَ يحبُّه ؟ ، أو هل يحبُّه حباً عذرياً كحبِّ رابعة العدويَّة لربِّها ، أو هل يحبُّه بطريقة جديدة لا نعرفها أو لا نحيط بها ؟ ، ألا ترونَ وتدبَّرونَ هذه المهزلة ؟ ! .

               وما أكثر المهازل في بلادنا العراقية والعربية ، ومنها مهزلة ( وطني أو أوطاني ، وبلدي أو بلادي ) ، فهذا أبو الفضل الوليد [1] يقول :

كُـلُّ البِـلادِ بِـلادِ العُـرْبِ لِي وَطَـنٌ

 

فِـيْـهِ أَجُـرُّ عَلى الأهْـدَابِ أهْـدابَـا

               وبرع غيره من الشعراء في ترسيخ هذه الفكرة نفسها ، التي وصفتها بمهزلة ( وطني وبلدي ) ، وقام الحُكَّام العرب بتشجيعها وتنميتها وترسيخها لدى الأجيال الجديدة ، ليطيلوا فترة بقائهم على عروشهم وكراسيِّهم ؛ ونحن نرى أنَّ أيَّ مكانٍ في الدنيا يكون فيه أمان الإنسان ورزقه يكون هذا المكان وطنه أو وطنا له ، فصدام حسين ـ مثلاً ـ كان يحارب إيران دفاعاً عن عرشه لا دفعا عن الوطن المزعوم ، ودليلنا على ذلك أنَّه لم يخسر في هذه الحرب عزيزاً من أولاده أو أخوته أو أقربائه .

               وعن منافقي الحُكَّام ومؤيدي الجلاوزة والجلادينَ نقول : إنَّهم ألعنُ وأخطر على الناس منهم ، فهم الذينَ صنعوا طغيان الظالمينَ ، وأخطر هؤلاء المنافقينَ هم المثقفونَ من حاملي الأقلام ، ولن أذكر منهم إلا شيخهم الأستاذ حسن العلوي ، صاحب البضاعة الرخيصة ( علي وعمر ، أو عمر وعلي ) ، خليفتا المسلمينَ اللذان يتناولهما كثيراً في كتبه وأحاديثه ، ويدَّعي معهما العَلْمَانِيَّة ، ههه ههه ... ، فلو لم يعدم صدام حسين صهره عدنان الحمداني لبقي من الذين يمجِّدونَ هذا الطاغية إلى يومنا هذا ، كما مجَّده سابقاً وصنع طغيانه وغروره وظلمه بقلمه الرخيص ، وأسفاً أنْ يكونَ هذا التافه دائماً الخَرِف اليوم شقيقاً للأستاذ الراحل الخالد بكتابته وفكره المرحوم هادي العلوي ، وقد قلت : الأستاذ حسن العلوي : لكونه أستاذ حقيقي في الكذب واللوع والختل والمداهنة ، وهو أستاذ كبير كذلك في تغيير الجلد وتبديل المواقف وتزييف الحقائق وخداع الناس ، ليس كلُّ الناس ، فقاعدته منهم الجهلاء ومحدودي التفكير وقاصري العقل .

               وأخيراً أقول لكلِّ المزايدينَ على هذا العراق وعلى شعبه المسكين من كلِّ الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية وحكومتها حكومة حزب الدعوة : إنْ كنتم عراقيينَ فهذا هو تاريخ العراق الأسودُ والأسودِ ، وأردْتُ بـ ( الأسود ) وكتبتها بحركتينِ إعرابيتينِ في آنٍ واحد ، أنْ أبيِّنَ أنَّ هذه الكلمة هي صفة لموصوفينَ ، وكلا الحركتينِ صحيحة إعرابياً ، ولا وقت عندي لأشرح لكم موضوع التنازع في العمل ونظرية العامل النحوي ؛ والموصوفان هما : التاريخ والعراق ، فكلاهما أسود ، فالتاريخ أسود وقد صببنا عليه صلب مقالتنا هذه ، والعراق أسود بكم وبغيركم من الجلاوزة والظالمينَ والقتلة والمجرمينَ الذينَ تعاقبوا قبلكم على حكمه ، فكفى ضحكاً على الناس ، فهناك مَن يعرفكم ، ولا سلام عليكم .

               ونحن رمزي العبيدي ـ بصيغة المعظم نفسه ، لأنَّني أجد نفسي أرقى وأسمى وأنبل وأرحم وأسمى من هؤلاء القتلة المجرمينَ الجلاوزة الجلادينَ ـ مستعدونَ لسماع وتلقي الردود بكلِّ أنواعها ، وسيرى القارئ الكريم أخلاق المسلمينَ أو المتأسلمينَ ومَن تبعهم من المتديِّنينَ أو الديَّانينَ ، فأهلا بشتائمهم التي لا قيمة لها عندنا ، فالقافلة تسير والكلاب تعوي ، ولكنَّنا سنردُّ عليهم لكن ليس كردودهم ، سنردُّ عليهم بقلمنا النظيف وبأخلاقنا الراقية المتحضِّرة ، سنردُّ عليهم ونسفِّه أحلامهم بحكمة وعقلانية وبأسلوب علمي ومنطقي لا يقبل الدحض أو التشكيك فيه ، وسنخرسهم وسنفضحهم في المستقبل كما فضحناهم اليوم ، وإنَّنا لهم بالمرصاد ، إلا إذا قتلونا وأنهوا حياتنا وهذه هي طريقتهم ، كما نعلن استعدانا لتحمُّل التعذيب والتنكيل في سجونهم الإسلامية ، لكنَّنا لن نسكتَ عنهم ما حيينا ، فسنفضحهم ونفضح دينهم اللعين ، فلن تسكت عنهم الإنسانية ، ولن يرحمهم التاريخ ، وليعلموا أنَّ الحياة ستستمر رغم أنوفهم ما دام العقل البشري يفكِّر .

سلام على القرَّاء الكرام ، ولا سلام عليهم وعلى يفكر مثلهم وعلى مَن يؤيِّدهم ، وبالسلام الذي ندعُو له ولا يدعُونَ له ، نختم مقالتنا هذه .

 

رمزي العبيدي

 

[1] . هو إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة ، المتلقب بأبي الفضل الوليد ، من أدباء لبنان في المهجر الأمريكي ، ولد في  لبنان وتخرَّج من مدرسة الحكمة ببيروت ، هاجر إلى أمريكا الجنوبة عام 1908م ، أصدر هناك في العاصمة البرازيلية ( ريودي جانيرو ) صحيفة ( الحمراء ) الأسبوعية من العام 1913ـ 1917م ، اتخذ لنفسه ستة عشر اسماً جديداً ، أشهرها أبو الفضل الوليد وكان يوقع به ما يكتبه ، أبحر عائداً إلى وطنه لبنان عام 1922م ، ثمَّ قام برحلات إلى دول مختلفة عربية وغير عربية ، طبع من تأليفه : ( كتاب القضيتينِ في السياستينِ الشرقية والغربية ) ، و ( رسائل في الفلسفة والاجتماع ) ، و ( أحاديث المجد والوجد ) حوادث ووقائع عربية ، و ( السباعيات ) مقاطع شعرية رتبها على حروف الهجاء ، و ( نفحات الصور ) مجموعة قصائد ، و ( قصائد ابن طعمة ) أولها قصيدة في ذمَّة الله والإسلام والعرب ، و ( رياحين الأرواح ) ممَّا نظمه في صباه ، و ( أغـاريد وعواصف ) قصائد من شعره ، و ( الأنفاس الملتهبة ) ديوانه في الحرب العالمية الأولى .  

 

2014-06-08 - عدد القراءات #255 - تعليق #0 - قضايا وآراء

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي