القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

من نحن

about us

نقد ادبي/من الأشرعة يتدفق النهر قراءة في الحداثة الشعرية العراقية(ج11)

مقداد مسعود
مقداد مسعود
  مقداد مسعود  


 أوزار اليقظة ..أو...السرور بالكيفية الشعورية ..

علي محمود خضير....في (الحالم يستيقظ )

                                                 

قبل أكثر من عام، حين أختارني الشعراء مقدما لجلستهم الشعرية في نادي الشعر في إتحاد أدباء البصرة

الشعراء صفاء عبد العظيم/علي محمود خضير/ حسام البطاط / هيثم جبار/ حسن هاني / منصور الريكان / وعذرا جميلا إذا نسيت صوتا متألقا منهم..وحين سمعت قصائدهم ،غمرتني سعادة المطمئن على مستقبل القصيدة البصرية. ..هكذا كان شعوري تلك الليلة..لاأعني ان قصائدهم كانت مكتملة..بل لمست قوة الدافع الشعري في نصوصهم ومن خلالها عرفت اننا لن ننقرض شعريا فثمة جيل طموح يريد المساهمة بمشاكساته وطموحاته ونرجسياته وهل ثمة جيل لم يباهل بهذا النسق الثلاثي من القوة الدافعة ؟؟.. تبهجني انشطتهم داخل الشعر وخارجه ..صادقون وهم يخيطون جروحنا بأبداعاتهم...وها أنا آلآن احاول تفعيل اتصاليتي بين (تكلم النص) و(مكالمته) من خلال نماذج من قصائد(الحالم يستيقظ) للشاعر علي محمود خضير..

(1)

في قصيدة (إذ تعكس الشمس أحمر شفاهها)...

فاتحة القصيدة..يستعملها الشاعر علي محمود...لينقضها عشرات المرات وسيكون النقض

شعري الاجراء..من خلال تركيم الحالات النقيض..

(فيما يذيعون عن فرق تتناحر وبيارق تهتز بوعود مفزعة/43ص)..هكذ تبدأ القصيدة ..توهمنا..عبر

توظيف ذكي لموجز انباء لحظتنا العراقية..أنها قصيدة بحنجرة مبحوحة..وهي فعلا بداية تغوي الحنجرة

لتشغيل لافتاتها السياسية..لو كانت القصيدة لغير الشاعر علي محمود..بعد هذه الفاتحة الشعرية،يقوم الشاعر

بعملية منتجة(مونتاج) لينقل القصيدة ،عبر عين الكاميرا الى تفعيل لقطات هي البديل الموضوعي عن عنف

مشهد المفتتح الشعري: يذيعون/ فرق تناحر / بيارق تهتز/ وعود مفزعة....

وستكون اللقطات ضمن فضاء مفتوح للحب حصريا :

* تبدو المروج ممتدة كالمدى

* تبدين زاهرة هذا النهار

*لنعد خلف سعاداتنا ،بين القصبات النحيفة،الخجولة لكن الطيب

*لابد للسماء أن تفرش غيوما حانية.

*وتمد يدا ودودة تضحك بألوان سبعة

*لنجر حد الاعياء

*نخط ذكرى في قلب الشجرة العجوز أعلى التلة

*ترى كم من العصافير على أصابعها الطويلة؟

*وكم منها ترقص في عينيك؟

*سنغمر قمصاننا بالعشب،

* نتيه عن الوقت،عن النهر الذي يفصل اتحادنا، جوهرة تلتمع في تيه العدم.

*ستصافح النسمات جديلتك العابثة ولن تنقضي الساعات إلا ونحن منهكون بين

 الحطبات والخراف الطيبة

*أركضي وأنا خلفك،وحاذري أن امسك بك....

*لنذهب جهة الشاطىء،نحضن زرقته بأحداقنا،

*نكتري زورقا بقلبينا المرتجفين لأمواج تصخب.

*سنحيا كما نشاء.

*كيف يقال الحب؟ أهمس،..تنصتين.

*كم منك في؟ تهمسين..أنصت.

*ستكلمينني عن أقراطك الطويلة،عن الاب الصارم،

إدمانك القهوة.

*سأطلب لروحك نهارا هانئا،نهارا دون بيارق ووعود.

* سيجافينا الملل. ولن أسأل عن يديك الملتبستين كالفجر.

(2)

 

تأملات في أحمر شفاه القصيدة

في عنونة القصيدة..دعوة هادئة للمشاركة في تأنيث العالم،للشمس وظيفة مرآوية ..ذهب الشمس يعكس المحذوف كتابةوالمشار اليه علاماتيا / لونيا: (أحمر شفاهك)..الطبيعي يناصر ألأنوثي..تتزامن فاعلية الشمس الإشهارية ،مع ما يفعل عالم الذكورة ،في واقعنا المعيش..وإذا كان المعنى يظهر بقدر طاقة القارىء وكل قارى يذهب الى النص بطوقه أو طاقته* فطاقتي ترى : وظيفتين للعنوان : العنوان كثريا ، اما الوظيفة الثانية فشخصيا اراه السطر ألأول من القصيدة..وها انا قرأ القصيدة هكذا: إذ تعكس الشمس أحمر شفاهها،فيما يذيعون عن فرق تتناحر وبيارق تهتز بوعود مفزعة..

*هندسة القصيدة: من خلال البيت الاول(فيما يذيعون عن فرق تتناحر وبيارق تهتز بوعود مفزعة)

                    والسطرماقبل الاخير:(سأطلب لروحك نهارا هانئا،نهارا دون بيارق ووعود)

    هاهي القصيدة بين قوسين من البيارق والوعود...في القوس الاول البيارق والوعود موجودة

في القوس الثاني..محاولة لحذف البيارق والوعود من نهار هانىء..لايتم الحذف ،دون تأثيل العالم البديل..وهنا يومض صوت الذكورة هامسا خضلا بتأنيث العالم لتخليص لحظتنا العراقية من تجاعيدها كلها... ومضات العشق تحاول بكل ازهرارها ان تزيل  أحتدام فضاءالسطر ألأول من القصيدة.

  (3)

 

* المعادلة بطرفيها..

يشكل فضاء الإحتدام سطرا واحد من القصيدة / يقابله واحد وعشرون سطرا من الدعوة الى تأنيث العالم عبر العشق.

*الذكورة/ الأنوثة: في هذه ألأسطر صوت الذكر هو الذي يدعو ألأنثى..للمشاركة في تأنيث العالم ..في (21) من الجملة الفعلية..للذكرعشرين سطرا شعريا..للأنثى سطر واحد: (كم منك في؟ تهمسين..أنصت) وحتى السطر الشعري هذا الذي تعود عائديته للأنثى هو سطر منفعل لافاعل / يتموضع كمعلول لعلة السطر الذي يسبقه( كيف يقال الحب ؟ أهمس ..تنصتين) والذكر سيقول الأنثى كلاما بعد سطرها الوحيد( ستكلمينني عن أقراطك /ص 44) هل يمكن إعتبار القصيدة منولوغ ذكوري ..و(عن الذكر تستظهر ألأنثى حدود فاعليتها ومفعوليتها)(3)أراني كقارىء أمام بوح ذكر حيال أنثىا ه..من خلال الحضور العارم للعاشقة في البنية الداخلية والخارجية للنص ..لكن  الذكر لايريد من أنثاه وظيفة الصدى..بل فاعلية الصوت..( أركضي وأنا خلفك ،وحاذري أن أمسك بك ) ومابين القوسين شفرة شفيفة ولاتحتاج  مفتاحا دلاليا بل ..همسة عشق ناصعة لتنفتح بأسترخاء عذب .فضاء القصيدة ينداح بمعنى مغاير لما ألفناه في قصائد العشق ....لاصفة مبالغة في توصيف الحبيبة ولايعد الحبيب حبيبته بوعود غير واقعية..هذا التعامل  الحداثي مع العشق.. يضعنا في كيفية إتصالية ندرك من خلالها المتغير الجمالي الموائم للحظتنا العراقية،المؤدي الى توليد دلالي في افق مختلف للمألوف الشعري..أفق مزدوج القيمة : تشع منه جماليات النص وعمق الدلالة العشقية.ومن خلال تكرار قراءتي لقصائد الشاعر علي محمود اتساءل ،ألأ تشير قصائد الشاعر الى تفكير شعري مختلف ؟ إذا كانت الذاكرة الشعرية ، تطوق طاقتي كقارىء، عبر إتصالية : تفكير / تذكر...فأني سأبحث عن مديات قصيدة (..أحمر شفاهك ) في آفاق قصائد أخر..ربما سأجد ضالتي الشعرية في القصيدة التي تسبقها والقصيدتين اللتيين ،مابعدها.

في (صورة فوتوغرافية) يتوالى البوح الشفيف بمجازاته آلآسرة ،عبر منولوغ شعري لذيذ ،يستعيد الذكر فيه زمنا خضلاأقتسمه مع انثاه : نلاحظ كيف يتم تصعيد كرستال المجاز:

                                        (هل ورطت الندى حين قارنت بينكما ذات غربة ؟

                                          وهل بغيرك يلوذ فراش البرية ؟

                                         وحيدة قضت ليلتها شجرة آلآس

                                         وأصص الدفلى

                                       لم تتركي شيئا لعصافير الشرفة الصيفية )...

الحبيبة هنا..تتفوق جماليا على طراوة الندى،وازهرار آلآس والدفلى ورشاقة عصافير الصيف .ثم تتنامى سيرورة القصيدة صعودها عبر إتصاليات الجميل ومظاهاته ،في لغة شعرية صادمة للوعي الشعري التقليدي :

                                   (أفتح قميصي، عله يهرب

                                    النرجس الذي تزرعينه على صدري

                                  وحتى أغيض أشتياقي

                                لاأبتدىء نهاري إلا بصورك الفوتوغراف

                                كم سألتك حينها

                              من وشى للعصافير بمكانك؟

                      من هرب قوس قزح ليرتمي شريطا بين خصلاتك ؟

                      ومن أين جاءت كل هذه الفراشات ؟ )..

(4)

إذا تكلمنا بلسان (طوق الحمامة)(4)..فأن هذا النص الشعري في إنزياحاته الآسرة ،يجعلنا نشارك الشاعر سروره بالكيفية الشعورية.إننا في هذه القصائد في حضرة (نزعة ألإشتداد )..العشقي..المبثوثة  ،حين نرى

الى القصيدة ككائن تتحقق كينونته في  ديمومة  مديات التكلم..أليست القصيدة كينونة/ لغوية / متكلمة ؟

نعم القصيدة كينونة ..تحيلني كمصطلح الى كلية الوجود تلك الكلية بأتصاليتها الثنائية: جسد / روح..

جواني / براني..معنى / مبنى../ هامش / مركز..

في  قصيدة (رسالة ستضل عنوانها أيضا ) محاولة شعرية لأستعادة زمن عشق انتهى على وفق إتصالية تضاد

(لك أن تعيشي كما ترغبين

ولي أن أحلم )...وهاهي حاضرة أو مستحضرة عبر حلم يقظته الشعري عبر ثنائية إتصال

(صرت مجذافا كلما صارت زورقا)

(شارعا كلما أزدحمت بالآخرين )

(الأشياء حولنا تتماوج بين حضور وغياب)

(5)

*أمتياز الأنثى..

يرى العاشق أنثىاه بعين القلب ، وفي عمق الحبيبة يتحرر العاشق من عقال عقله فيمحو  (هم) من أعراسه محلقا في ملكوت  حرية لاتنفذ..يراها  ملء التجلي وهو يفرط  لها القلب رمانة... مطلق ألأنوثة ،فلاتفي مفردة (علاقة)  بالمعنى المقصود من الصلة بين ألأنوثة والذكورة..حيث تتقدم مفردة (نسبة) لما تحمله من معنى القرابة الباطنية ،هنا يتحد العاشق بالمعشوق داخل الموجود نفسه وهكذا تنبني وحدة العشق على تركيبة من نسبتين متماهيتين..*لنحاول إحصاء وجيز امتيازاتها:

(تصب الحياة مركزة في فمي، بعد أن تصفيها شيئا فشيئا عبر قلبها المرتعش بحيرته)

(كان السؤال ثقيلا بالمرة ،وكانت تتجاهله بما لها من عيني طفل ورائحة ملاك )

(وحدها كانت تمنح ألأشياء لونها ومعناها العتيق وتبدد عبث الوقت وبلاهته )

(كورقة خضراء في حديقة ،وبعيدة كسحابة )

(ماتجرأت أن أطعنها برحيلي إلا وأنا محتدم فيه )

وإذا كانت أنثى قصيدة (..أحمر شفاهك ) تجيد ألاصغاء ،فأن  ألأنثى هنا

وليس كأية أمرأة، كانت تجيد القول:

(الامنية..عذاب الروح

الألم أخرس ولايحسن النطق )

المرأة منتجة قول هنا والرجل يكررإنتاج قولها بكتابته :

(كنت أدون ماتهمس ...تدوين ملاك يصارع جحيمه الخا ص، مثقلا بذنوب غفلته )

 

 

-6-

إتصالية الألم ..

الأنثى في(رسالة تضل...) يرصد الذكر وهي...

( تنوء بجرحها القديم، مخفية ما أستطاعت حبات من دمعها ألأسود ينزل سريعا، فتخذله المناديل )

الذكر في قصيدة( دهشتي كلها) يعلن ..

(لأني غائر بسحنة الخجل

 صحت بألمي لاتنكسر

أجلسته على دكة المخذولين

وقلت له أنتظر

ستحط على شرفاتنا فواخت ألأفراح )

ألأنثى تخذل دمعها المناديل ------------ الذكر يجلس ألمه على دكة المخذولين ويطالبه بأنتظار اجنحة الفرح

كلما اعاود قراءة قصائد الشاعر علي محمود خضير..أتساءل (من منا لايفتدي هذه التجربة الممتلئة بالحرارة والحياة بجزء كبير من ساعات عمره الرتيبة الرصينة المتكررة الباردة ! هذه هي سنة الإشتداد أو سنة العشق ومن سار على سبيلها وهداها رفض التعقل وألإعتدال وألإتزان بالتطرف وبالشغف بالأخطار والمغامرات..)(5) وهنا تكمن قوة التغييرالشعري..وهي تنقلنا من رمادية التنظير الى الفارعة الخضراء الخضلة...: شجرة الحياة

المراجع..

(1)علي محمود خضير / الحالم يستيقظ / دار(الغاوون) / بيروت / 2011

(2)د.عبد الواسع الحميري/ في آفاق الكلام وتكلم النص / ط1/ 2009/ دار الزمان / دمشق / ..

أقترضنا منه ..مفهوم( تكلم النص) و(مكالمته )

(3) يسرى مقدم / الحريم اللغوي / 2010/ بيروت / شركة المطبوعات للتوزيع والنشر..

          (وعن الذكر تستظهر الأنثى/ص47)

(4)رسائل أبن حزم ألأندلسي / طوق الحمامة في ألألفة وألالاف / المجلد ألأول / تحقيق الدكتورإحسان عباس /المؤسسة العربية للنشر / 2007

(5) صادق جلال العظم / في الحب والحب العذري / منشورات نزار قباني/ بيروت / 1968..

(من منا لايفتدي هذه التجربة/ ص38)

 

القول بالحداثة/ وجيز الأشرعة ..

ما أن أقول حداثة حتى تختض مفردة(حداثة)..وحين اتأملها المفردة ذاتها  ..اراها تعاني صراعا بين

(قديم) و(محد ث)..وهذا الصراع ليس من نتائج ماجرى في أرضنا العراقية، بُعيد الحرب العالمية الثانية

على مستوى البنية الاجتماعية بتراتبيتها الثلاثية ،اعني البنية الاقتصادية والسياسية والثقافية...

بل أشتعل هذا الصراع وفي عراق الحضارة  حصريا منذ القرن الثاني للهجرة..يومها  كان (المحدث ) هو الأسم الثاني للبدعة وكانت البدعة :  عتبة تفضي الى النار ..لكنها من ناحية ثانية تعني صيرورة تجاوز

انتقلت من الكمون الى العلن وهاهي تطالب بمتغيرات جذرية..

-2-

ان المطالبة  بالتغيرلاتتأثل (في فضاء لاتاريخ له)..بل من اتصالية التلاقح والمجاورة مع الآخر من خلال نماذجه الحداثية..ومن جانب آخر أرى أن(مشاكلة الآخر في منجزه لايعني الميل الى تمكيث المنجز فيما

يسمى بالمديونية للآخر ولا الاتكاء على محدودية المدخل التجنيسي..وهذا مايستدعي مماهاة بعض جوانب

التجربة الشعرية النثرية العربية بتجربة الآخر كضرورة فنية..)(1)وهي مطالبة لاتنفد سيرورتها وتفرغها شحنتها فهي جزء من الحركة الديالكتيكية للمجتمعات.... تنبثق من تمردات الوعي على المؤتلف المنمّط ..أنه الوعي الفاعل لاالمنفعل في الوجود الوعي المنشطر على نفسه كذات فاعلة ،يرفض ادوات الانتاج المعرفية النمطية، ويشتغل على صوغ ادوات تليق بحجم احلام وعيه هو،وبهذا الادوات الجديدة سيحرث ارضا بكرا..لايسعى لحذف ما سلف بل يعي جيدا ضرورة توسيع الفضاء الذي أخذ ينكمش من خلال تكرار انتاج نفسه حد الاستهلاك ،عبر تلك الذات اليقينية المطمئنة لأجاباتها الجاهزة  لكل شيء..شخصيا اتعامل وفق الديالكتيك الذي لايرى في السلب والنفي،رفضا مطلقا لما هو قائم بل هو تجاوز لايهدمه بشكل مطلق،بل هو صدور منه وأمتداد لعناصر الحركة والتقدم فيه أنه ارتفاع الى منسوب نوعي جديد .من هنا تكون صدمة الحداثة بمنزلة الجرح النرجسي في الوعي الجمعي..تُعامل بالرفض والمقاطعة..ولم تكن الحداثة محض حداثة شعرية بل هي حداثة على كافة تراتبيات البنية الاجتماعية ..(فالبنية الثقافية،لها تموضعها في البنية الاجتماعية

ضمن منظور سيسولوجي ،يرى في الادب نظاما اجتماعيا ،هذا المنظور يتغذى من اتصالية توازن بين

الذاتي والموضوعي وسيتطور هذا التوازن على يد (لوسيان كولدمان ) ويعرف ب(البنيوية التكوينية)

حيث ضرورة الالمام بكافة الشروط الاجتماعية التي لها فاعلية الحاضنة التي تطورت في رحمها النصوص)(2)

-3-

لايعني هذا ان الاتصال في الحداثة الشعرية العراقية..استمرت سيرورته بخط مستقيم أو انطلق ومايزال بسرعة سهم غادر قوسه ،في عدد شباط 1958 في مجلة الآداب تكتب الشاعرة نازك الملائكة مكابداتها في هذا الصدد

(حركة الشعر الحر تقترب يوما بعد يوم من نهاية مبتذلة لانحب ان تصير اليها وانه ليخيل الى من يراقب ماتنشره الصحف من هذا الشعر ان الشعراء يتناولون الأوزان الحرة ويلعبون بها كما يلعب طفل غير مسؤول

بحزمة أوراق مالية) (3) نرى كيف ان نازك تشخص ظاهرة ارتباك الوعي الشعري الذي يكشف عن تجارب غير ناضجة، هذه الظاهرة التي لمستها نازك بوعيها الشعري المتقدم يومذاك ،ومن جانب آخر ارى ان 

 الحداثة ليست منفصلة عن حداثية المجتمع بصورة عامة ،وهذا يعني ان الحداثة الشعرية لها حصتها من الارتداد حين يرتد المجتمع او ترواح سيرورته في منخفض زمني..بسبب الاحتراب والاصطراع في حركته الوطنية او حين تزج سلطة السلطة بلادا بأكملها في حروب لانهاية لها..وماتزال المصدات تتناسل ..

مع إنحسار المد الثوري في العراق،أصيبت الحداثة الشعرية ،بالميتافيزيقيا وانشغلت الذات بذاتيتها ،وصار الشاعر (مجنونا في مستشفى الكلمات،يتسلق أسلاك الوردة )على حد قول الشاعر فاضل العزاوي في(البيان الشعري)(4)..ان هذا النكوص الاجتماعي،لم يكن بأختيار الشعراء العراقيين ،بل هي ردة فعل العنف السياسي

الذي مارسته السلطة بغية أخصاء الفعل الثوري الذي مارسه الشاعر ضمن الحراك السياسي ،من موقعه كشاعر،كان يرى اهم مهمامه التصدي للظلم والاستبداد ،كما فعل السياب والبياتي وعبد الرزاق عبد الواحد

وسعدي يوسف ورشدي العامل وغيرهم..في خمسنيات القرن الماضي .وهذه الحداثة ليست بمعزل عن مايجري

ضمن الوطن العربي،من تنويع في المصدات،عبر الفضائيات  في تشددها  الاصولي والاسلام النفطي وثقافة الريع في دول الخليج الذي يقوم اقتصادها على الريع بدل الانتاج في مجتمع لم يتعد بعد مرحلة البداوة سواء الفعلية منها او الفكرية(5) ، تدعم القصيدة العمودية  ب(شاعر المليون ووهم اللغة)  تكون اللغة اشبه بظاهرة التضخم بالمعنى الاقتصادي..لغة لاتعكس الواقع بل تعاكسه، بالهروب الى المعنى بعد ان تعذر تحقيق الانجازي المادي  فن تتقنه الثقافة العربية ،حسب عبد العزير محمد الخاطر(6) وهكذا تصبح المصدات اقوى تأثيرا في  اعاقة قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر..

-4-

  ..القصيدة ليست ابنة الانابيب ولافايروسا يبثه قراصنة مزيل الحياء/النت .. أن القصيدة اجتماعية بالضرورة ..ينتجها كائن اجتماعي بالضرورة وليس بالطبع كما يقول علماء الاجتماع(6)وهذا الكائن الشعري تعاملت معه السلطات العراقية دائما ضمن منطق الشبهة..ولايملك فعلا او رد فعل سوى توسيع  فضاء قصيدتهُ، بشحنات حداثية دائمة..هذا الأمر جعل الحداثة الشعرية لاتكرر انتاجها بل تشتغل على اضافات نوعية للمنجز الحداثي ..عبر التجريب سعيا وراء تقنيات ،تمنح مديات جديدة لفضاء القصيدة ..وهذه المهمة الشعرية لاتسهم او يسهم بإنجازها إلا من تمتهن أو يمتهن انتاج الأسئلة..وفي هذه الأسئلة تكمن ضرورة الأنقطاع الحاسم ،التي هي جزء من كلية انقطاع تعرف بالقطيعة ألأبستمولوجية التي تشترطها اللحظة التاريخية في البنية الاجتماعية ..

 

 

-5-

 

 للترجمة فاعليتها في التلاقح الثقافي والذي يهمنا هنا التلاقح الشعري ،وسنتوقف عند تأثير الشاعر اليوناتي

ريتسوس على الشعراء العراقيين والعرب  من خلال ترجمة سعدي يوسف ل(إيماءات)(7) وهي مختارات من مجاميع ريتسوس الشعرية.. فأن (التحول الجذري للشعر الجديد وولادة قصيدة التفاصيل اليومية،وكذلك خفوت النبرة الشعرية في القصيدة العربية الجديدة،وأمتزاج الواقع بالكابوس،وحضورالسرد في الشعر،ليست سوى بعض فضائل القصيدة الريتسوسية التي أعتقد أنها تستحق دراسات مقارنة تفصيلية لأكتشاف عمق التحولات التي أحدثها شعر ريتسوس في شعرالجيل الجديد من الشعراء العرب خلال العقود الثلاثة ألأخيرة/فخري صالح ص14)(8)

   ..تأثير ريتسوس لم يكن حصريا على مايسمى بجيل السبعينيات..صحيح ان جيل السبعينيات هو فعلا المستفيد ألأكبر في بعض نماذجه من منجز ريتسوس،لكن البعض آلآخر من هذا الجيل اخذ(يستنسخ)  قصائد ريتسوس،أستنساخا رديئا،ويحاول طلي رداءة منتوجه بطلاء التناص الشعري.. ؟!

في(شعرية التفاصيل)،يشبت الناقد والمترجم مقدمتين للكتاب بينهما مسافة زمنية تقدر بعشر سنوات،المقدمة الأولى/1998والمقدمة الثانية/2009 في المقدمة  ألأولى  يبّين لنا الناقد انه قام بترجمة مختارات من ريتسوس ، هي(ممثلة لأتجاهه الشعري بعد سنوات الخمسينيات حيث ينزع ريتسوس الى الدمج بين تاريخ اليونان المعاصر والحضارة ألأغريقية القديمة،/ص14) هذا الدمج  سنجده عند محمود درويش  في قصيدته

    (مديح الباب العالي )و كذلك (ملهاة النرجس مأساة الفضة)

..ثم يكشف لنا الناقد فخري صالح القوة الدافعة وراء هذه الترجمة(واذا كانت المتعة،والأعجاب هما ما دفعاني الى نقل بعض قصائد ريتسوس الى العربية،فأن هناك سببا آخر أكثرأهمية يكمن وراء هذه المحاولة،فقد أثر ريتسوس تأثيرا عميقا في قصائد الجيل الجديد من الشعراء العرب،خصوصا الجيل الذي أصطلح علي تسميته ب(شعراء السبعينات/ص15)..ويرى الناقد فخري صالح ان سبب هذا التلقي المنتج من قبل شعراء السبعينيات، مرده(الأرهاق الذي وصلت أليه القصيدة العربية في الستينيات وأوائل السبعينات جراء النبرة العالية والأيقاع الصاخب واهمال التفاصيل لصالح الموضوعات الكبرى/15).

في(تقديم الطبعة الثانية)..يوضح لنا الناقد والمترجم فخري صالح،(أقتصر حضور ريتسوس في العربية على قصائده القصيرة التي كتبها في الستينيات ..من خلال المختارات التي ترجمها سعدي يوسف عن الترجمة الأنجليزية/ص7)..وقد اصبحت هذه الترجمة أشبه بمصدات كبيرة،حجبت (التنوع الكبير في عالم ريتسوس/ص8)..أرى الأمر خلافا لذلك ان سعدي لايمارس مهنية المترجم،بل تلقي الشاعر لنصوص سواه،ثم يبحث عن قارىء يشاركه متعة القراءة لهذه النصوص فيندفع للترجمة،كما فعل مع (والت ويتمان) (كفافي) (فلاديمير هولان)(غونارأكليف)(فاسكو بوبا)(أونغارتي)(توم لامونت) وسعدي يوسف،نقل للعربية من ريتسوس ماخف وزنه وغلى ثمنه،لذا سرعان ما تضوعت ترجمته لريتسوس في أفق ثلث قرن من الشعر العربي وماتزال، الشاعر هاشم شفيق،أصدر قبل أيام  كتابا يحتوي اشعارا وسيرة ذاتية لريتسوس(9)

وعلى مستوى الأستفادة من منجز ريتسوس ،فالأستفاد ليست رهينة جيل محدد وثمة شاعر لايستهان بجهد الشعري والروائي هو الشاعر الكبير يوسف الصائغ..حاول الإستفادة من منجز ريتسوس في بعض قصائده ..ننقل عن الصائغ هذه العينة الشعرية:        

                   (كرسي،

                منسي..عند الباب

                   مفتوح الكفين

                 يتطلع للعالم بأستغراب

                   مرت سنتان

          والكرسي الخشبي لدى الباب

               مشلول الكفين

                       مكسور القدمين

 .............

            أول أمس

           أغمض عينيه الكرسي

              ومات...

          *قصيدة الكرسي/382/ قصائد يوسف الصائغ).(10)

هنا يأنسن شاعرنا الصائغ،هذه العلامة الشاغرة،من خلال ايماءة ريتسوسية للمحذوف/المغيّب عن الكرسي..

-6-

كقارىء منتج ،لن أفعّل اتصالية مساءلة مع قصائد ،هي بحق فجر القصيدة الحداثية العربية وصهيلها العراقي

الأول في برية الحداثة العذراء،حداثة شعرية عراقية ،منبثقة من وعي حداثي اجتماعي ثوري شامل..

يومها لم يكن الشاعر،يتأمل في الأحداث ،بل كان يسهم فعليا في التغير الأجتماعي بجسده كله ،في مرحلة

أتفق الجميع على تسميتها،مرحلة التحرر الوطني..(11)

لن أفعّل اتصالية مساءلة مع تلك القصائد ..لكن كقارىء منتج عليّ إنتاج قراءتي الخاصة للخطاب الذي

أنبجست منه تلك القصائد ،ومايلي الخطاب من مسطور تنظيري..ربما بالطريقة هذه أتمكن من برمجة

المسطور الشعري وإلتقاط النقاط وتنضيدها للتعرف على خط الحداثة الشعرية،وحتما هو ليس من الخطوط

المستقيمة،بل لديه تقوساته وإنزياحاته وهما نتاج محاولات التجريب بتمرداتها وخروقاتها ونتاج المفارقات

والتنظير والمغامرة حول موسيقى اللفظ (12) والفرق بين لغة الشعر ولغة الحديث اليومي (13) وأهمية

الأيقاع في قصيدة التفعيلة(14)وقصيدة النثر(15) أو الأستفادة من أجناسية شعرية لدى الآخر والعمل على تعريقها(16)..ان كل هذه المحاولات أشتعلت في أفق القصيدة العراقية بعيدا عن الشعور بالدونية بل بوعي

محكوم بإدراك ضرورة التلاقح من اجل توسيع الفضاءات الشعري..الأمر الذي يجعل أحد شعراء جيل( فجر

الحرية) يعلن:(الشعر بلا عقيدة أو وطن أو قبيلة وحين تتماهى كينونة الشعر مع كينونة الشاعر ،تتداخل المشاهد في الجوهر

كينونة رافضة لكل العلب التي أجدنا مكبلين بها )(17)

 

 

 

 

 

*المراجع

(1)محمد العباس / ضد الذاكرة /شعرية قصيدة النثر/ المركز الثقافي العربي/بيروت/ط1/ 2000/ ص50

(2)مقداد مسعود/القصيدة ..بصرة/ دار ضفاف/ط1/2012/ص15

(3)عبد الكريم كاصد/ قراءة في البيان الشعري/ الثقافة الجديدة/ ع5/ 1969

(4)عبد العزيز محمد الخاطر/البقاء على قيد الكتابة/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ ط1/ 2011/

أنظر الفصل السادس (الاقتصاد الريعي والفرصة التاريخية/161ص)

(5)نفس المصدر/ شاعر المليون ووهم اللغة /ص181

(6)محمود عبد الوهاب/ شعرية العمر/ دار المدى/ ط1/2012/ص63

(7)يانيس ريتسوس/إيماءات /ت سعدي يوسف / دار أبن رشد/ بيروت / 1979

(8)فخري صالح/ شعرية التفاصيل/ أثر ريتسوس في الشعر العربي المعاصر/ دراسات ومختارات /منشورات

الأختلاف/ بيروت/ ط1/ 2000/ص41/ ويمكن العودة الى مقالتنا (قراءة في شعرية التفاصيل )المنشورة في موقع الموقد /

(9)ريتسوس /طقوس في الليل /ت: هاشم شفيق/ دار لارسا للنشر/ط1/ 2011

(10)يوسف الصائغ/قصائد يوسف الصائغ/ دار الشؤون الثقافية بغداد / ط1/ 1993

(11)مقداد مسعود/القصيدة...بصرة/ دار ضفاف / بغداد/ ط1/ 2012/ ص11

(12) محمد رضا مبارك/ اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي/ تلازم التراث والمعاصرة/ دار الشؤون الثقافية/ بغداد/ 1993/ موسيقى اللفظ( نازك الملائكة)/ص 129

(13)نفس المرجع/ لغة الشعر ولغة الحديث اليومي( محمد النويهي)/ص124

(14) أ.د.بشرى البستاني/الدلالي والإقاعي/قراءة في قصيدة السلام المباح للشاعر عبد الوهاب إسماعيل

عن أتحاد الأدباء والكتاب في العراق،2010

(15)عبدالله حسين جلاب/خربشات بمخالب الغراب/ قصيدة الإيقاع/ دار الينابيع/دمشق/ط1/ 2009/انظر

(في الحداثة إيقاع النص/ص5)

(16)  بلقيس خالد/ بقية شمعة قمري/ هايكو عراقي/ دار الينابيع/ دمشق/ط1/ 2011 /أنظر(قنديل ملون/ص7)

(17) صفاء خلف/ زنجي أشقر/ دار الجفال/ دمشق /ط1/ 2011/ص10

 

الفهرس

  قبل الدخول

 مؤنث القصيدة

ثلاث خطوات نازك الملائكة

تعاضد الدلالة...بشرى البستاني

بلقيس خالد والتمرد على سلطة النمذجة

 

*صياح الديكة

شروط التسمية..بلند الحيدري

حرائق الحضور.محمود البريكان

ندى الياسمين..يوسف الصائغ

الوجه من خلال القناع ..موفق محمد

*الورثة

عوادناصر

كمال سبتي

عبدالرزاق صالح

حيدر عبد الخضر

شعلان شريف

علي محمود خضير

*القول بالحداثة /وجيز الأشرعة..

 

 

*المؤلف من خلال إصداراته :

*له في الشعر :

*المغيّب المضيء/ دار الرواد المزدهرة /  بغداد/ 2008

*زهرة الرمان / الينابيع / دمشق / 2009

*الزجاج ومايدور في فلكه / دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد/ 2009

*بصفيري أضيء الظلمة / الينابيع / دمشق / 2010

*شمس النارنج/ دار الجفال / دمشق / 2011

*حافة كوب أزرق/ دار ضفاف/ بغداد- قطر –الامارات المتحدة العربية

 

* له في النقد:

*الحكي ومكائده / على هامش الليالي ألألف / اصدارات اتحاد ادباء البصرة/ على نفقة آسيا سيل / 2007

*الأذن العصية واللسان المقطوع/ قراءة إتصالية في السرد والشعر / الينابيع/ دمشق / 2009

*القصيدة...بصرة

 

قراءة اتصالية/ منتخبة من الشعر البصري / دار ضفاف /2012

 

النهاية 

 

مقداد مسعود

 

 

2014-05-29 - عدد القراءات #290 - تعليق #0 - النقد الأدبي

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي