القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

محمد باني أل فالح
محمد باني أل فالح

من نحن

about us

مقالات/من أدب السجون العراقي (سلوى) سجين البريكان الشعرية

حسين سرمك حسن
حسين سرمك حسن
  حسين سرمك حسن  

اختار الشاعر الكبير الراحل "محمود البريكان" مدخلا متفردا لتناول موضوعة أدب السجون شعريا، وذلك في قصيدته "أغنية حب من معقل المنسيين" التي يكشف عنوانها طبيعة هذا المقترب الذي يطلق فيه الشاعر- والقصيدة مثل أغلب قصائد البريكان نظمت بصوت أنا المتكلم- نداء عاطفيا شفيفا من الزنزانة، نداء يطلقه السجين إلى موضوع حب لم يره ولم يلتق به هي الفتاة "سلوى" التي شاهد "شبحها" يخطف سريعا أمام ناظريه من خلال حديث أخيها، شريكه في الزنزانة، عنها؛ عن نبلها وروحها المرحة:

"يا سلوى لم نلتق قبلُ

ولم أرَ منك سوى شبحك

وحكايا تروى عن نبلك..

عن مرحك

لم نلتق قط ولكني..

أصغي لأخيك،

صديقي وأخي في سجني...

وقسيمي ليل الزنزانة.."

صورة سلوى الأنثوية الباهرة تنرسم على صفحة خيالات الشاعر من خلال "كلمات" شقيقها السجين رفيقه في الزنزانة. وعملية التخيّل هذه هي من دفاعات السجين المؤصلة التي تعينه على البقاء، فعدو السجين الأول هو النسيان، ضعف الذاكرة وشحوب موضوعات الحب فيها، خصوصا الأم- الأخت بديلة الأم- والزوجة- أو الحبيبة- يجعل السجين عرضة للتحول إلى الذاكرة الطفلية الآلية التي "تعرض" عليها الصور والحوادث في بيئة الزنزانة الرتيبة الخانقة والتي تتسم بالحرمان الحسي- sensory deprivation، تعرض ولا تسجل، فالإنسان حيوان ذو ذاكرة، والفأرة تصاد كل مرة بقطعة الجبن نفسها لأنها لا "تتذكر" أنها قطعة الجبن الفخ!! وعليه فإن "التذكّر" هو من فنون القاء في السجن. وفي العادة يكون محور الذكريات تلك التي تمثل الحضن الأمومي وعطاياه الطفلية من جانب، والتي تحمل الرمزيات الحبية والجنسية التي يستتر بها من جاني آخر. لقد كان رفيق الزنزانة "يؤمثل" أخته، يرتفع بها أنموذجا مثاليا مبتدءا بعاداتها اليومية البسيطة وهواياتها وسمات شخصيتها الآسرة:

"يحكي لي عنك كألطف ألطف إنسانة..

وكأجمل روح مبتسمة..

عن ضحتك وهي ترن صباح مساء..

حبك للرسم وللتفصيل وللأزياء..

ومقصك والصحف البيضاء...

وثيابك ذات الألوان المنسجمة.. "

ويبدو أن حديث الشقيق عن شقيقته كان تفصيليا، ومكررا، وذلك بفعل ضغوط السجن التي تجعل سلوك المعتقل وفعل ذاكرته نمطيا ومقولبا- stereotypy، والغوص في التفاصيل الدقيقة وتكرارها شائع في حياة السجناء الذين يبرعون في المنمنمات والحلي والنقش وغيرها. وفي بيئة مغلقة تكون الاستعادة دقيقة وكأن من يتذكر يخشى أن تهرب من أصابع ذاكرته تفصيلات صورة موضوع الحب فتنثلم تلك الصورة. صار الشاعر يعرف حتى محتويات درج سلوى وما تفضله من أغان وكتب وقصائد.. وحتى المفردات التي تستخدمها حين تكون غاضبة:

"أعرف حتى ما في درجك من أشياء...

أعرف حتى ما كنت قرأت من الكتبِ..

حتى كلماتك عند اللوم وعند الغضبِ..

حتى بعض أغان أعجبت بها جدا...

وقصائد مفعمة وردا.. ".

لقد تحولت "مفردات" الأخ السجين وهو يصف "ذكرى" شخص أخته سلوى إلى "صورة" ذكرى في ذهن السجين الشاعر بدوره.. أي أنه لم يستطع "رسم" المظاهر الشخصية العضوية الملموسة.. وهي صعبة جدا على السجين حين تشحب الصور في ذاكرته وتضمر.. لذلك نجد إحتفاء الشاعر يتركز على الصفات المعنوية لهذه المرأة.. وهي مفاهيم يمكن أن تحتويها اللغة.. ويستطيع حتى الأعمى "وصفها".. فهي حلم في ليل الصمت الكئيب.. وسرّ يعتلج في الصدر المختنق.. وخيال نوري .. وحبا لا يُعقل.. وشعرا لا يُتسى!! وكلها مفاهيم، وليست محسوسات مؤسسة يجب تصويرها:

"يا سلوى..

يا حلما في الصمت المكتئب..

يا سرا في صدري، وخيالا نوريا..

يتوهج في أقصى التعب..

يا حبا لا يُعقل..

يا شعرا لا يُنسى.. ".

وحتى حين يصف أنثاه/ أنموذجه بأنها "زنبقة" فهو يستدعي خصائص تلك الزهرة وصفاتها ولا يستعيد "الحضور" الحي لها. إن عطرها يضوع في فضاء "خياله" في الواقع.. خياله الذي يحاول عبثا توسيع فضاء الزنزانة. ورغم أن الشاعر، وعبر لعبه المقتدر بالكلمات، يحاول أن يوهمنا بأنه بات "يرى" سلوى إلا أنه محض حفزة شعرية، تصوير شعري، يعود بعده سريعا ليصطدم بحاجز الخيبة، وجدران الإحباط، فيقر أنها مجرد شبح يصعب تصويره:

"يا زنبقة تتفتح في الليل الأقسى..

وتضوع وتنمو في صمتي..

يا مرقصة في الحزن رؤاي كاسطورة..

يا شبحا تنقصه الصورة.. ".

لقد قام السجين الشاعر، المستمع لسرد الأخ المعتقل عن صفات أخته الرائعة، بخطوة أجرأ وأبعد ولكنها متوقعة- قد تكون أفلتت من انتباهة القارىء الذي طفت بحاسته النقدية موجة التعاطف- وهي أنه جعل سلوى "حبا" له بقرار من جانبه وحده، وعلى مسؤولية حاسة السمع فقط التي وفرّت له مادة لإشادة "صورة" موضوع حبه المنتظر:

"أقسم لو لاقيتك يوما في أي مكان...

لعرفتك، لو صافحتك بعد مضي زمان..

لبكت أعماقي من فرحِ..

أتصورها خصلاتك تطفر في مرحِ..

أتصور وجهك، صوتك، لون العينين...

وكمون البسمة في الشفتين... ".

مستميت هو الشاعر في مقاومة "عمى" الذاكرة وهو في ظلمة الزنزانة.. يحاول تلمس الملامح بأصابع موهبته الشعرية. لقد أوهمنا من جديد بأنه يعرف ملامحها التفصيلية، وجهها وصوتها ولون عينيها.. لكنها، من جديد أيضا، فورة شاعر معتقل يرتد ليسلّم بعجزه عن "رسم" اللوحة العملية لشبح أنثاه المحبوبة "أتصور.. لا يمكنني تصوير الشبحِ"، وفي الغالب يكون الحضور الأنثوي ذو طبيعة أمومية حتى لو كان متمظهرا في هيئة أنثى معشوقة مثل شبح سلوى. فالأم – في لاشعور الإبن- هي الإله المنقذ وليس الآلهة الذكور بدءا من دوموزي. ولهذا فلا مناص من أن يكون الإطار النهائي الذي يحدده السجين لسلوى هو الدور الأمومي المنقذ الباذخ. فهو في رحم إلتهامي الآن، ولا هناءة مخلّصة إلا في فردوس الرحم العظيم المفقود:

"أتصور.. لا يمكنني تجسيد الشبح..

أتصور إخوتك الأطفال، وأي حنان..

تضفين على البيت العاري...

وأفكر.. ما أروعها في غدها أمّا!!".

وحين ندقق في الإيحاءات الدلالية للمقطع السابق فسنجدها تعشّق بذكاء استشراف إقتدار سلوى في دورها المستقبلي كأم مع تمنيات السجين العاشق أن ينعم بهذا الدور في بيته "العاري".. هذا "العري" الذي يجد تجسيده العملي في "صمت" الزنزانة المميت والحزن الثقيل الذي خيم على روح الشاعر اللائبة  بعد أن نام الجميع، وخصوصا شقيق سلوى الذي كان يغذي خيالاته بأحاديثه التفصيلية المتحمسة عنها. هذا العري يعكس أيضا عري الإرادة، وعري الذاكرة في الوقت نفسه، عري مركب يحاصر السجين الشاعر و"ينزله" من غيمة التحليق الشعري الرخية التي حاولت عبثا حمله على أجنحتها الحلمية إلى أرضية الزنزانة الصلبة القاسية. هنا ستكون تصوراته وحساباته المستقبلية "عملية" مسننة وصادمة، لا شعرية ناهمة ومخدرة. راحت سكرة القصيدة وجاءت فكرة محنة غيابة الجب المظلم. فلا شيء يستطيع السجين أن يتحكم به حتى لو كان شاعرا.. وكل مقدراته مفتوحة على الحيرة والتساؤلات الفاجعة.. بإمكانه أن "يُحب عن بعد" ويحلق مع موضوع حبه المتخيّل لكنه لن يستطيع أبداً أن "يتحكم عن بعد" بمصائر ما يحب ولا بسلوكها وتغيراتها المستقبلية مادام هو نفسه غير قادر على ان يرسم خطوط مصيره الشخصي:

"في أقبية المنسيين..

لا صوت هناك، وما في الليل سوى الحزن..

نام السجناء ونام أخوك، ولكني..

أرق أتأمل أغلالي..

وأصارع أبسط آمالي..

وأفكر فيك، وبما أصنع بعد سنين..

إذ أخلع اثواب السجنِ..

أأحبك جدّاً أم لهوا؟..

ثم أتبقين كما أهوى..

وكما أتصور يا سلوى؟! ".               

يبدو أن كل سجين بحاجة إلى "سلوى" معينة يشغل بها آمال روحه المطحونة.. و"سلوى" البريكان السجين لا تخرج عن هذا الإطار..       

 

(أغنية حب من معقل المنسيين) 

 

يا سلوى

لم نلتقِ قبلُ، ولم أرَ مِنكِ سوى شبحك

وحكايا تروى لي عن نبلك عن مرحِك

لم نلتقِ قَطُّ، ولكنّي

أُصغي لأخيكِ، صديقي وأخي في سجني

وقسيمي ليل الزنزانة

يحكي لي عنك كألطفِ ألطفِ إنسانة

وكأجملِ روحٍ مبتسمة ..

عن ضحكاتِكِ وهي ترنُّ صباحَ مساء

حبّكِ للرسمِ وللتفصيلِ وللأزياء

ومقصك والصحف البيضاء

وثيابك ذات الألوان المنسجمة!

أعرفُ حتى ما في درجك من أشياء!

أعرف حتى ما كنتِ قرأتِ من الكتبِ

حتى كلماتك عند اللوم أو الغضبِ!

حتى بعضَ أغانٍ أعجبتِ بها جداً

وقصائدَ مفعمةً ورداً .. !

يا سلوى،

يا حُلُماً في الصمت المكتئبِ

يا سرّاً في صدري، وخيالاً نورياً

يتوهجُ في أقصى التعبِ!

يا حبّاً لا يعقلُ، يا شعراً لا يُنسى!

يا زنبقة تتفتح في الليل الأقسى

وتضوع وتنمو في صمتي

يا مرقّصة في الحزن رؤاي كأسطورة

يا شبحاً تنقصه الصورة!

أقسم لو لاقيتك يوماً في أي مكان

لعرفتك! لو صافحتك بعد مضي زمان

لبكت أعماقي من فرح!

أتصورها خصلاتك تطفر في مرح

أتصور وجهك! صوتك! لون العينين

وكمونُ البسمةِ في الشفتين

أتصور .. لا يمكنني تجسيد الشبح!

أتصور أخوتك الأطفال، وأي حنان

تضفين على البيت العاري

وأفكّر: ما أروعها في غدها أماً ..!

* * *

في أقبية المنسيين

لا صوت هناك. وما في الليل سوى الحزن!

نام السجناء ونام أخوك. ولكني

أرقٌ، أتأملُ أغلالي

وأصارع أبعد آمالي،

وأفكر فيك .. وفيما أصنع بعد سنين

إذ أنزع أثواب السجن

أأحبك جداً أم لهوا ..؟

ثم، أتبقين كما أهوى

وكما أتصور، يا سلوى!؟

 

 

حسين سرمك حسن


 

2013-10-08 - عدد القراءات #387 - تعليق #0 - مقالات أدبية

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي