القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

علاء سعيد الفتلاوي
علاء سعيد الفتلاوي

من نحن

about us

مقالات/زينب حامد: أصغر شاعرة في العراق .. كبرت

حسين سرمك حسن
حسين سرمك حسن
  حسين سرمك حسن  

 

    عندما وقفت الطفلة "زينب حامد" أمام الجمهور في أمسية شعرية في مقر إتحاد الأدباء في الديوانية ، لتقرا قصيدتها (الدمية)، دهش الحاضرون من قدرتها الشعرية ، ولغتها المحكمة ، والصور الرائعة التي حفلت بها النصوص التي قرأتها وضخامة القصيدة (أربع صفحات تقريبا) بالنسبة إلى طفلة في سن الخامسة والنصف . كان تصوّر أغلب الحاضرين هو أن الدور الأكبر في كتابة هذه القصيدة يعود لوالدها الأستاذ الجامعي والمتخصّص في النقد الأدبي . ولحسم الأمر قام أستاذان من جامعة القادسية بمحاولة لاختبار إمكانياتها (الدكتور سلام الأوسي والدكتور عباس محمد رضا) اثر مبادرة من رئيس اتحاد ادباء الديوانية آنذاك المرحوم (عبد الكريم عطية) الذي أثار الموضوع في وزارة الثقافة أيضاً بخصوص موهبة هذه الطفلة الشعرية ، فتمخض الأمر عن طلب اللجنة المختصة بالمبدعين باختبار الطفلة زينب من قبل أساتذة اختصاص من جامعة القادسية ، وكتابة شهادتهم بخصوص حالتها الإبداعية ليتسنى لتلك اللجنة الاتكاء على هذه الشهادة واتخاذ ما يلزم من أمور تختص برعاية هذه الموهبة . فتم مفاتحة اثنين من أساتذة الأدب في الجامعة هما ( الدكتور( عباس محمد رضا) أستاذ الأدب العباسي ، والدكتور( سلام كاظم الأوسي ) أستاذ مادة الأدب الحديث ) فكان ان وجها بعض الأسئلة لزينب : عن الشعر ومفهومه وطبيعته وفلسفته بعد ان اطلعا على دفاترها الشعرية التي امتلأت كتابات عن الشعر وقصائد ومقطوعات دونتها زينب في أوقات سابقة ( هذه الكتابات نتاج الدروس التي أعطاها لها والدها عن الشعر وطبيعته وفلسفته بلغة تتوافق ومرحلتها العمرية ثم تمثلتها ودونتها بلغتها وكما أدركتها هي) . في بادئ الأمر لم يتمكن الأساتذة من بلوغ مرحلة اليقين بخصوص موهبتها بفعل صعوبة  وعمق ما قرؤوه في دفاترها من أفكار تخص الشعر والفن فضلا عن القصائد الشعرية الكبيرة بالنسبة لطفلة في عمر زينب . فبدأا بتوجيه بعض الأسئلة إليها عن طبيعة الشعر وفلسفته وضرورته وبلغا مرحلة متقدمة من التأكد من شعرية زينب وموهبتها بعد ان وافتهم بالإجابات التي أبهرتهم قياسا لعمرها . بعدها طلب الدكتور الأوسي من زينب كتأكيد أخير على شعريتها ان تكتب قصيدة أمامه مباشرة . سألته زينب : عن ماذا اكتب ؟ فقال لها :  أي شيء .. ولكنها طلبت منه ان يذكر لها موضوعا محددا وعندها طلب منها ان تكتب قصيدة عن القمر ... وحين وجدها صامته  لا تكتب قال لها عزيزتي لا تخجلي وابدئي بالكتابة فأجابته : ليس الخجل هو سبب صمتي ولكن والدي علمني طريقة لكتابة الشعر من عدة خطوات وأنا الآن أفكر في الموضوع لاستخرج المعاني منه ، فالشاعر كالباحث عن اللؤلؤ في قاع البحر كلما تعمق في البحر أكثر حصل على لؤلؤ اكبر ...

وما ان بدات بالكتابة  حتى طلب الدكتور منها ان تعطيه الورقة، فاعترضت بانها لم تكمل القصيدة ، فاخبرها الدكتور بان الامر لغرض معرفة أسلوبها في الكتابة فقط .. وقد دهش الدكتور كثيرا حين وجد انها كتبت الآتي :

(القمر ..

منذ زمن طويل

لم ينزل إلى الأرض

لأن أحبابه

رحلوا إلى أمّة بعيدة )

وبعد سلسلة اختبارات كتب الأستاذان شهادتهما عن موهبة زينب وفقا للاختبار الذي أجروه لها ..

ومن المؤكد أن لأبيها الأستاذ في جامعة القادسية (حامد سرمك) ، دورا كبيرا في صقل موهبتها ، وتوجيه قراءاتها ، وتنظيم مسارات أفكارها من خلال تخصصه الأكاديمي ، وممارسته الكتابة النقدية والقصصية منذ عقود ، لكن الشاعر لا يُصنع أبدا . فقد باشر بتعليمها القراءة والكتابة وهي في سن الثلاث سنوات . وعندما اقتربت من عامها الخامس كانت تجيد القراءة بشكل كامل ، وكانت لها مكتبة خاصة بدءا بالقران والقصص والدواوين الشعرية ومنها ديوان نازك الملائكة والبياتي والسياب وآمال الزهاوي  ولوركا ورامبو .. وغيرها .

لقد تفتّحت موهبة "زينب حامد" الشعرية ، وهي في الصف الأول الإبتدائي ، وبصورة باهرة ، وصارت تكتب صورا شعرّية أخاذة ، ليس من ناحية الشكل حسب ، بل من ناحية عمق الأفكار والمضامين التي تشتمل عليها ، وتتخفى خلف مكوّناتها .

 في الصف الأول كتبت تخاطب عمّها في محنته اثر عملية جراحية اجراها  يراودها خوف عليه وعلى عينيه:

( أيّها العمّ الجديد

ألم ترني مجروحة كأني عصفورة

منذ شهور .. منذ شهور

كأني مجروحة ومرميّة على أرض التراب

كأني مجروحة ومرميّة على أرض التراب

يا أيّها العمّ الجديد :

صرختُ صرخةً حمراء

فلم يبقَ من العيد

سوى يوم وحيد

فأصبحت أنت في مشفى جديد

فلم ترَ العيون السود

التي جعلتك في ينابيع الصدى ) .

كان عنوان هذه القصيدة الطويلة هو "ترامدتُ من قديم الزمان" . ولاحظ استخدامها للفعل "ترامد" الذي لو علمت عمق صدمة محنة عمها في نفسها الصغيرة آنذاك ، وهو يعاني من قرب فقدان بصره ، لأدركت حدّة ذكائها الشعري ، وتلاعبها بالمفردة ، وهي في تلك السن المبكرة ، رابطة بين محنتي البصر والفقر ، كما فهمت هذا الفعل بعقليتها الشعرية الصغيرة آنذاك . فقد اجترحت "صيغة" غير موجودة من الجذر "رمد" هي "ترامد" ، الجذر الذي يعني – كما هو معروف - مرضا إلتهابيا يصيب العين فيهدّد وظيفتها ، فجاءت الصور اللاحقة مرتبطة بالشمس والنور والضوء والرؤية ، من دون الإشارة المباشرة المستفزة إلى محنة البصر التي اصابت عمّها . لكنها وظّفت هذه الصيغة المجترحة بمعنى الفقر ، وهو معنى بعيد اشتقاقيا ، لكنه قريب شعريا ، حيث يظهر الربط واضحا في قصديته من خلال اقتباسها التالي لبيت شعر للإمام علي ، فيلسوف الفقر وعدوّه ، في المقطع اللاحق .

وارتباطا بالتضمين أو الإقتباس ، وفي هذه القصيدة نفسها ، وفي موضعين منها ، اقتبست أبيات شعر للشاعرة "آمال الزهاوي" من ديوانها "تداعيات" :

(.. النجدة .. النجدة

إنك الذي كنتَ مبتعدا عن السماء

ولكن أحزنتني من زمان

وحرمتني من ضوء الشمس

وحرمتني .. وحرمتني

وهكذا ...

"في عمق مسافات الله

تلفتُّ

فيا شيئا أطّرهُ العطرَ

تملّك قلبي .." .. )

وقد جاء الإقتباسان متسقين ومتناسقين مع المناخ العام في القصيدة ، مثلما اقتبست أبيات لعبد الوهاب البياتي من ديوانه "سفر الفقر والثورة" في قصيدة "الميلاد" التي تساءلت فيها ، وهي في الصف الثاني الإبتدائي ، عن "الشيء الذي يموت إذا أحببته" :

(إنّي أرى كل الأنهار فيها اسم الحسين

لكن الفرات أكثرها دماءً

ماذا افعل ، تكلّم أيها الظلام ؟

ماذا أفعل ، تكلّمي أيتها الأحلام ؟

...............

أيها العيد :   

ما هو الشيء الذي تناغمتَ معه ؟

ما هو الشيء الذي تفارقتَ معه ؟

ما هو الشيء الذي يموت إن حببته

                     يعيش إن كرهته ؟ .. )

وتختم هذه القصيدة بالتفاتة تتجاوز عمرها الزمني ، لكنها تتفق مع عمرها الشعري المدهش ؛ إلتفاتة تستدعي فيها شاعر إسبانيا القتيل "لوركا" :

(يا ليلُ

يا نُعاس "لوركا"

ونور العالم الأبيض في الأكفان

يا إلهي ..

يا إلهي ..

من أيّ أرضٍ هذه الألحان ؟

من أيّ أرضٍ هذه الألحان ؟ .. )

وعن هذه الصورة ، كتب الشاعر الراحل "علي الشباني" في عام 2005 قائلا :

(هي تعرف أن لوركا شاعر ، غريب ، شعره يعبق بالحرية والجمال . قرأت له اشعارا باذخة فيها حسّ من جنون الطفولة . وهذا يكفي لكتابة بيت شعر عن "نعاس" لوركا ، وليس عن يقظته ، فالطفولة حلمٌ أقرب للخدر والموت الأبيض ) . مثلما كتب عن تساؤلها الصادم "ما هو الشيء الذي يموت إذا أحببته ؟" ، قائلا :

(هي وكل الأطفال ، مولعة بالأسئلة ، وهذا هو بدء الكشف . ماذا يعني السؤال لطالبة في الصف الثاني الإبتدائي ؟ ولدت عام 1993 . لقد حذفت أسئلة المدرسة الرسمية ، وتوجّهت صوب الحياة ، وبدأت تسأل؛ إنها تستفز وعينا بالموت . وتسألنا عن أمر لا نعرفه . ولكنها ، وبكبرياء الأصابع الصغيرة ، تجيب : "عندما نموت ، نصبح ميلاداً جديداً" .. ) .

لكن القلق والتوجّس ، كان يساورني من أن تنطفىء شعلة هذه الموهبة مع تقدّم صاحبتها في العمر ، وتضاعف انشغالاتها الدراسية (الآن هي طالبة في الصف الثالث من كلية الطب) ، وتصاعد هموم الحياة المتوقعة .. إضافة إلى أن لشعلة الموهبة "فورة" عمريّة من الناحية العلمية ، لأسباب كثيرة ليس هنا مجالها ، قد تهبط بعدها وتخمد . لكن ما يثلج القلب هو أن موهبة "زينب حامد" تنامت .. اتسعت معرفتها الشعرية ، وآفاقها اللغوية والموسيقية ، فصارت تكتب قصيدة التفعيلة برهاوة . نصوصها الأخيرة تشيع الإطمئنان النقدي في روح المتابع :

(دعني أرحل

فقلوب الناس امتلأتْ

وأنا وحدي ...

دعني أرحل

قد جفّت أحلام الصبية

وتعثّر مسرى قدمي ...

دعني أرحل

ملّت من تكرار الأحداث مخيّلتي

وتشابك حبلي

وانبثقت في داخل صدري قافلتي ...

إجمعْ أحلامك واتبعني

فأنا ، الآن ، سأعلنُ :

احترقت أوراق عزيمتنا

والتهم الحوتُ دفاتر يقظتنا

والمطر الضاحكُ صار يخادعنا ... )

تمنيات واسعة لهذه الموهبة بالمزيد من التفتح والإزدهار ..

 

 

 

حسين سرمك حسن


 

2013-09-28 - عدد القراءات #346 - تعليق #0 - مقالات أدبية

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي