القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

سلمان داود محمد
سلمان داود محمد

من نحن

about us

دراسات وبحوث/أساساتُ نظريّة ألمعرفة – ألأساسُ ألثّاني عشر(ج1)

عزيز الخزرجي
عزيز الخزرجي
  عزيز الخزرجي  

 

 

ألنّظام ألأمثل للبشريّة:

 نظريّة ألمعرفة تؤكّد على وجوب وجود ألنظام لتحقيق ألهدف ألغائي لوجود ألأنسان في آلأرض كما بيّنا خلال ألأساسات ألماضية, لكنّ آلسؤآل ألأهمّ في نظريّة ألمعرفة كمحور في هذا آلأساس لتنفيذ ألخطط الأستراتيجية كوسائل هو:
أيّ آلأنظمة أفضلْ لتنفيذ ذلك للوصول إلى آلهدف ألغائي لتحقيق سعادة ألبشريّة في آلدّارين!؟


في عصر ألغيبة ألّذي نعيشه آليوم .. لا أعتقد بوجود مسلم – مجرّد مُسلمٍ - يَرفضُ تطبيق أحكام ألأسلام في آلواقع ألأجتماعيّ و آلأقتصادي و آلثقافي و آلعلميّ, بل أستطيع الجزم بعدم وجود إنسان واحد سليم ألفطرة حتّى لو لم يكن مسلماً؛ يرفض تطبيق أحكام الأسلام ألأنسانية في آلحياة لكونها مُشرّعة من قبل ألذي خلق آلأنسان ثمّ مَنَّ عليه برسالةٍ إنسانيّة متكاملة لتنظيم شؤون حياته بُغية الوصول إلى تحقيق فلسفة الوجود.


يأتي هذا آلأستقراء بشكلٍ خاصّ بعد ما تَكَشّفَتْ زيف ألأشتراكيّة و فشل ألنّظام ألدّيمقراطي ألغربي كما بيّنا سابقاً كنظريّات وضْعيّة لتحقيق ألسّعادة و آلرّفاه في آلمجتمع ألأنساني.

 

و آلسّبب ألمُبين في تقرير هذه ألنّتيجة هو أنّ أحكام ألأسلام مُشرّعة من قبل ألله تعالى ألّذي خلق آلأنسان و يعلم أسرار نفسه و خفاياها و طرق سعادتها و ما يضرّها و ما ينفعها أفضل من غيره من آلمخلوقات ألقاصرة عقلياً بآلقياس مع خالق العقل جلّ و علا!


و يُمكننا تلخيض ألطريق ألألهي ألذي يُوصلنا للهدف من خلال ألعمل بآلواجبات و ترك ألمُحرّمات, و لا تتحقّق ألحالة آلمُثلى و ألذروة في ذلك ما لم يُؤسّس عمل ألمؤمن على مبدء ألشّكر لله, حيث يتحقّق ذلك على أفضل وجه حين يرجع المؤمن مردّ أعماله و سعيه إلى مبدأ تلك ألمعرفة, و لا تتحقق تلك الدرجة إلّا عندما يتحرّر الأنسان من القيود و آلعبوديات لتبدأ معهُ علاقة حبّ حقيقية مع معشوقه ألأزلي ألذي وحده يستحق آلعشق, فيتمّ ألتنفيذ ألأمثل على أساس ذلك آلمنطلق(1).

 

لا يتجسّد ألتوحيد ألحقيقي في حياة محكومةٍ بآلسّياسات ألجاهليّة ألحاكمة ألّتي تدعوا لعبادة ألشيطان(ألدُيلار) من دون الله تعالى؛ لا يتجسد ألتوحيد .. ما لمْ يكن في ظلّ نظامٍ يدعو للتوحيد, و لا يستطيع المؤمن أن يستمر بحبه و حياته و تفاصيل تحركاته في آلحياة إلّا عبر آلولاية ألتي تؤمّن له الأتصال بآلله تعالى مباشرةً, و بغير ذلك فأنّ آلمذاهب و آلمسالك ستتعدّد عليه و تشتبه عليه ألحقيقة أياً كان حتّى لو كان مرجعاً(2).

 

من هنا فآلعاشق لله يكون مُحبّاً لأهل ألأيمان و دعاته و ساعياً لتطبيق ألأسلام في آلواقع, و حزيناً غاضباً بآلمقابل على أهل ألباطل و دولهم و يسعى بإزالة ألأنظمة ألجاهليّة ألحاكمة في أكثر من 230 دولة في آلعالم ألتي تستغل ألأنسان بشتى آلوسائل و آلقوانين و في مقدمتها ألعامل الأقتصادي لأهواء و رضا طبقة ألحكّام و آلمُتسلّطين!


 في عصرنا هذا – عصر ألغيبة ألكبرى – أصبح من آلواجب على كلّ ذي بصيرة و علم و إيمان حقيقيّ أن يتّبع ألدّاعي لتطبيق ألأسلام عبر آلنظام ألأسلاميّ كضامن وحيد لخلاص ألأنسان, بآلأخص لو كان آلقائم بهذا آلأمر فقيهاً مجتهداً مطلقاً عارفاً بآلزّمان و آلمكان(3)!


من هنا كانت ولاية ألفقيه واجبة على كلّ من شهد الشهادتين(4) بلْ لكلّ إنسانٍ مُحبٍّ للحرية, و بما أنّ آلدّولة آلأسلاميّة ألمعاصرة بقيادة وليّ أمر ألمسلمين و آلأنسانيّة(5) قد أخذتْ على عاتقها تطبيق شرع ألأسلام(6) رغم آلحروب و آلحصار و آلمعوقات ألتي يُحاول ألأستكبار ألعالمي من إيجادها أمامها؛ فعليه سنبحث ألخطوط ألعامّة لدستور ألجّمهوريّة ألأسلاميّة و آلمواد ألأساسيّة كعنصر الولاية ألتي تعتبر أهم أصل فيها حيث تُميّزها عن جميع ألدساتير ألأرضية ألوضعية ألتي سبّبت ألمآسي في آلعالم.

 

لماذا وجوب ألدّولة ألأسلاميّة؟

 تجدر الأشارة إلى أن مسألة ألأمر بآلمعروف و آلنّهي عن ألمنكر من آلواجبات ألأسلاميّة ألّتي لها قيمةٌ معياريّة خاصّة تتعدّى و تتقدّم على جميع ألأحكام و آلواجبات ألعباديّة ألأخرى, و لا شَكَّ أو شُبْهةَ في وجوبها كما يَعتقدُ بذلك جميع فقهاء ألأسلام.

يقول ألأمام عليّ(ع): [و ما أعمال ألبِرّ كلّها و آلجّهاد في سبيل الله عند آلأمر بآلمعروف و آلنهي عن ألمنكر إلّا كنفثةٍ في بحرٍ لجيّ](7), و يقول أيضاً: [لا تتركوا آلأمر بآلمعروف و آلنهي عن المنكر فيُوليّ عليكم شراركم ثمّ تدعون فلا يُستجاب].

و قد لخّص آلقرآن ألكريم ألموضوع حين جعل تلك آلمسألة معياراً لصلاح أو إنحراف أمّة من آلأمم بقوله تعالى:
[كنتم خير أمّةٍ أخرجتْ للناس تأمرون بآلمعروف و تنهون عن ألمنكر و تؤمنون بآلله](سورة آل عمران / 110).


إنّ ألبحث و آلخلاف في ذلك آلأمر بين آلفقهاء كان حول مسألتين هما:
أولاً: هل أنّ وجوب ألأمر بآلمعروف و آلنهي عن ألمنكر مسألةٌ عقليةٌ أم شرعيةٌ؟
بعض الفقهاء يرون وجوب ذلك يكون شرعياً, مثل الشيخ الطوسي و المقداد السيوري و غيرهم, و  البعض الآخر يرون بأنه مسألة عقلية كآلسيد المرتضى علم الهدى(7) و آلشّهيد ألأول و آلثّاني(8).


ثانياً: هل مسألة  ألأمر بآلمعروف و آلنهي عن ألمنكر مسألة كفائية أمْ عينيّة؟

و هنا إختلف آلعلماء, فبعضهم إعتقد بوجوبه ألعينيّ كآلصّوم و آلصّلاة مثل آلمُحقق ألحلّي و آلشّيخ بهاء ألدين ألعامليّ, و لا يسقط ألتكليف لمجرد قيام آلآخرين به.


لكن آلبعض الآخر إعتقد بأنه واجب كفائي, كآلشهيد الأول و آلثاني و الأمام ألخميني و الأمام الصدر(قدس).
و علينا ملاحظة هذا الأمر, بأنه في الحالتين يتحتم علينا اليوم إطاعة أوامر الدولة الاسلامية على الأقل .. هذا إذا كنا عاجزين بأن نكون من الجماعة التي تأمر بآلمعروف و تنهى عن المنكر كواجب عيني!
بيد أن القرآن الكريم بين الموضوع بوضوح في سورة آل عمران  / آية 104؛ [ و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بآلمعروف...].

 

و كلمة و (لتكن) تفيد ألأمر و آلوجوب, كما أنّ آلقرآن أكّد آلموضوع في سورة ألتّوبة في ثلاث آيات محكمات هُنّ / آية 67 و71 و 112 .. حيث قدّم ألأمر بآلمعروف و آلنهي عن المنكر على الواجبات ألأساسيّة ألأخرى التي لا تنفك من آلمؤمنين لأحياء ألأنسانيّة.

و بما أنّ آلدّولة ألأسلاميّة ألمعاصرة هي ألتي أخذتْ على عاتقها مسألة تطبيق ألأمر بآلمعروف و آلنهي عن ألمنكر و من أوسع أبوابها عبر آلنّظام ألأسلامي بوقوفها ضدّ آلكفر ألعالمي و آلتّسلط ألأستكباري لذلك حريّ بنا أنْ ندرك مدى حجيّة و وجوب إطاعة أوامر ولاية تلك آلدّولة ألمُتمثلة بولاية ألفقيه.

خصوصيات ألدّولة ألأسلاميّة ألمعاصرة:

[لقد أرسلنا رسلنا بآلبينات و أنزلنا معهم الكتاب و آلميزان ليقوم الناس بآلقسط, و أنزلنا آلحديد فيه بأس شديد و منافع للناس و ليعلم الله من ينصره و رسله بآلغيب إن الله قوي عزيز] سورة الحديد / 25.

 

ألقانون ألأساسي للجمهوريّة ألأسلاميّة تُبيّن ألمذهب ألثقافي و آلأجتماعي و آلسّياسي و آلأقتصادي للأمة ألأسلاميّة خصوصاً في إيران بإعتبارها داخلة شرعياً و رسميّاً تحت سلطة ألحكم ألأسلامي أو ولاية ألفقيه, ألتي كانت مطلب ألأمة نفسها و آلتي تسعى آلآن جاهدةً لتطبق مفاهيم ألأسلام طبقاً لذلك آلدّستور(9).

تمتاز ألدّولة ألأسلاميّة بكونها دولة تضم أمّة مؤمنة بآلله على خط ألرّسالة ألأسلامية, بعد ما خَطَتْ تجارب عديدة منها ثورة ألمشروطة عام 1906م و ثورة تأميم ألنفظ فآلثورة ألأسلامية, لقد شخّصتْ مسيرة ألثورة بأنّ آلأنتكاسات ألسابقة كانت بسبب عدم وجود ألقيادة ألموحدة!

 

فثورة ألمشروطة فشلتْ لكونها كانت بقيادة ألمجلس ألفقهائي الذي شكّله ألفقهاء الكبار كشورى للفقهاء لقيادة البلاد, ممّا أفضى إلى خلافات كثيرة بينهم لِيُمهّد آلسبيل إلى آلشاه و اعوانه الأنكليز للسيطرة على مقاليد ألحكم و سحب ألبساط من تحت أرجل ألفقهاء و آلناس الذين عانوا ألأمرين من حكم الشاه, و كذا ثورة مصدق ألتي لم يكن لها غطاء شرعيّ من قبل أيّ فقيه ممّا سبب القضاء على حكومته بسهولة من قبل ألمستكبرين.


لكن آلثورة الأسلامية في إيران أليوم تستند على ولاية الفقيه كأساس في آلنظام, لذلك بقيت صامدة تقاوم كلّ أنواع المؤآمرات و الحروب إلى يومنا هذا بسبب حنكة و شجاعة تلك آلقيادة ألمرجعيّة ألعالمة بأمور ألدنيا و ما يجري فيها, و من خلفه أمة أقسمتْ أن لا تترك قائدها وحيداً مهما كان الأمر.

 

إن ألحكومة في الأسلام لا تعتمد ألجانب ألسّلطوي أو آلفردي أو آلطبقاتي أو آلحزبي أو آلتوافقي أو ألليبرالي, بل تُمثل إرادة أمّة حرّة إنتخبتْ لنفسها آلأسلام كنظام للحكم لتتحصّن بذلك من كلّ أنواع ألأستغلال ألأقتصادي و آلفكري و آلعلمي و آلأدبي و آلأجتماعيّ, و قد عناهم الله بألطافه لذلك, وَ أَ لَيس هو آلقائل: [و يضع عنهم إصرهم و آلأغلال ألتي كانتْ عليهم]!؟


و ممّا يبعث على آلأطمئنان هو؛ إستلام زعامة المؤسسات ألأسلامية مجموعة من آلفقهاء و آلمجتهدين ألأعلام خصوصاً في الرئاسات و آلشؤون ألمصيرية في الدولة, بل إن السيد القائد جعل في كل وزارة و مؤسسة مُمثّلاً شخصيّاً ينوب عنه ليكون كآلعين الساهرة على سير و تطبيق القوانين الأسلامية فيها.


فآلقانون الأساسي حتى لو كان إسلاميّاً لوحده لا ينفع ما لم يكن القائمون عليه مؤمنون و فقهاء و مخلصين و أمناء لتطبيقه في الواقع الأجتماعي.

 

إن طبيعة ألقانون ألأسلاميّ توفر ألفرص ألّلازمة لمشاركة كلّ أبناء ألمجتمع في تطبيق و إدارة القانون بشكل طبيعي, بإعتبار مجلس ألشورى الأسلامي و من فوقها مجلس مراقبة و صيانة الدستور هي آلمحاور ألتي يُناقش فيها أمور الناس و قضاياهم و مصالحهم ألأساسية, و في حال وجود خلاف بين آلمصوّبين على قانونٍ مُعيّن تُرفع ألقضية إلى مجلس مراقبة ألدستور ألذي يضم كبار ألفقهاء ألمتخصصين في القضاء و آلحدود و آلعلوم ألأجتماعيّة و آلسّياسيّة, و في حالة عدم تمكّنهم من آلوصول إلى نتيجة نهائية .. يتمّ رفع القضية إلى مجلس الخبراء ألذي يضم كبار فقهاء و مراجع ألأمة الأسلاميّة.

 

 و لكن في حال عدم توصّل مجلس ألخبراء أيضاً إلى حلّ فاصل و عادل طبقاً لمبادئ القانون فأنّه يتمّ رفع ألقضيّة عنذئد إلى آلولي ألفقيه بإعتباره صمّام ألأمان لحلّ و فصل مثل تلك آلخلافات ألمصيريّة ألتي تصل أحياناً إلى طريق مسدود لكثرة ألأجتهادات و إختلاف وجهات ألنّظر بين آلفقهاء و آلمشرّعين, و هذه هي آلحالة التي تتحقق معها حكومة ألمستضعفين ألعادلة في الأرض؛

[و نريد أن نمن على الذين إستضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين](القصص / 5).

 

هنا يَتَبَيّنْ مدى أهميّة ألولي ألفقيه و دوره في قيادة آلحكومة الأسلاميّة ألعادلة, و بدون  ذلك ستبقى آلأمة ألأسلامية تُعاني آلمآسي و آلظلامات و آلفرقة تتقاذفها أمواج ألجاهليّة و آلتحزب و الأهواء ألشخصية و الحزبية و الفئوية و آلطبقيّة, و ليس في أفقها أمل سوى إعتماد عقيدة ألأسلام ألحقيقيّة بإتّباع منهج أهل آلبيت(ع) للخلاص من أنظمتها آلديكتاتوريّة ألفاسدة, فآلمشكلة آلأساسيّة لأنحراف أمّتنا و حتى آلأمم ألأخرى في آلعالم تَرجع إلى ثلاثةِ أسباب أساسيةٍ هي:

ألأوّل: إفتقادها للآيدلوجية ألأسلاميّة ألصّحيحة في واقعها ألعملي, و إنشغالها بآلشّهوات و قضايا آلمعيشة و آللاأمن آلذي سبّبته آلحكومات بأوامر آلأسياد ألديمقراطيين في آلغرب, و بآلتالي نسيان نفسها و عدم إدراكِها و وعْيها لكرامتها و رِسالتها في آلحياة لتقرير مُستقبلها و مصيرها, على آلرّغم من تجاربها آلمريرة و آلطويلة مع دعاوى آلحكومات ألمختلفة ألتي تَعاقَبَتْ على مدى آلآف  آلسنين.

ألثاني: تَشَتّتْ ألنّخب ألأكاديمية و آلمُثقفة, و دورانها حول آلأفكار و آلنّظريات ألوضعية ألمُتناقضة, خصوصاً رهان أكثرها على "ألديمقراطية" من قِبل ألعلْمانيّين و "لِلشّورى" من قِبل ألرّاديكاليين ألأسلاميين, و آلتّعصب ألأعمى للبعض ألآخر بدون وعيّ و تَعَقّل, لأنّ آلتثبت على ألفكر ألرّصين ألغنّي ألمُتكامل ألّذي يستحقّ تَبَنّيه و إعمالهِ كمنهج للحياة و للنظام يحتاجُ آلتّمحيص و آلتأمل و آلمقارنةِ معَ آلأفكار و آلنّظريات و آلمذاهب ألأخرى بوعيّ و إنفتاحٍ لِكشفِ مواطن ألخللْ و آلضعف .. أو آلقوة و آلأنسجام فيها, و يَحتاجُ هذا عرضُ جَميعَ أفكارنا و معتقداتنا لِلبحث و آلمُناقشة ألعلميّة ألموضوعيّة, و أخطر ما شاهدتهُ في وضع أكاديمينا و مُثَقّفينا هو  إستِمالتَهم من قبل ألحكام, و تغرّب آلباقيين منهم في بُلدان ألعالم بَحثاً عن آلحرية و آلعيش ألكريم!

ألثالث: و هو آلأهم؛ فُقدان ألأمّة لولاية الله في محورِ حياتِها و حَرَكَتِها و أساسِ تفكيرها, لأنّ مُجرد وجودها على هامشِ أفكارِ ألمُثَقّفين و آلأكاديميّن و كذا آلأمة بإطارها آلتقليدي .. لا يُمكنها أنْ تُؤثر في واقعها بآلعمق أو تتفاعل عَمَليّاً في حياتِها. و تحقيقِ ذلك يَتِمُّ مِنْ خِلالِ ألأيمان بالقيادَةِ ألربانية ألصّالحة ألتي حَمَلَتْ همّ آلنّظرية ألأسلامية في عالمنا آلذي إمْتَلأ بآلظلمِ و آلجّور بسبب ألحكومات و ألسّياسيين ألّذين لا يُراعُون حُرْمَةَ و حُقوقَ و كَرامَةَ آلأنسان! و لَعلّ آلسبب ألرئيسي في ذلك يَعودُ إلى تَشَوّهِ ألقواعد و آلمُنطلقات ألصّحيحة في تفكيرهم وتعدد مراجع ألتقليد و إختلاط آلفهم ألواعي لِلنصوصِ ألشرعيّة لدى آلعقل ألعربيّ و آلأسلاميّ لِتحديد و تشخيصِ مَعَالِم تِلكَ آلقيادةِ ألرّبانيّة, و  طريق إتّباعها!

 

خصوصيّات ألوليّ ألفقيه:  

بعد إشارتنا لأهميّة و دور ألولي الفقيه في آلنّظام ألأسلامي, خصوصاً في مدرسة أهل  ألبيت(ع) , لا بُدّ من بيان خصوصيّات هذا آلوليّ ألفقيه.

 

فمن آلذي يُمثّلُ آلقيادة ألأسْــلاميّة ألرّبانيّــة ( ولاية ألفقيه )؟
و ما آلسّبيل لأتّباعِها كونها آلمحور ألأساس لخلاصنا أليوم ؟

 هل رأي ألأمة يُحَدّد ذلك, أيّ  ألشّورى؟

أم هـو أمـرُ آللـه تعــــالى, أيّ ألولايــة؟

أمْ هو أمرٌ بين آلأمرين, أي بين(آلشورى و الولاية)؟

و يُمكنُنا تَحْدِيدُ آلأســئلة أعلاه بســؤآلٍ جامـــعٍ هُو:
 

هلْ إمامَةُ آلأمّة و قِيادَتها  تكونُ بآلأنتخابِ أمّ ألنّصِ؟

ألأحتمال ألأوّل؛ (ألشّورى) .. تَطَرّقنا إليهِ بآلبَحثِ و آلتّمحيصِ سابِقاً, و توصّلنا بشكلٍ قاطعٍ و عَمَليّ إلى فسادِ ألنظام ألدّيمقراطي(ألشورى) و تناقضهُ معَ أصلِ ألولاية في آلعقيدة ألأسلامية و آلتي تَخْتَصُّ بالله و رسوله و أُولي آلأمر, و برْهنّا بالتالي عدم تناسبهِ – أيّ ألديمقراطية - مع طبيعةِ و فطرةِ ألأنسانِ و كرامتهِ و حُرّيّتهِ و عِلّة وجُودهِ في آلأرض, كما أنّ هُناك دائماً قِسماً من آلناس لا يُؤمنون بمبدأ آلأكثرية, و لا يُمكن إخضاعهم لقانون ألأكثريّة ألغير معصومة .. إلّا على أساسِ ألقهر و آلأجبار, و هذا هُو عَينُ آلظلمِ و آلدّيكتاتورية, بالأضافة إلى عدم وجودِ نصٍ عليهِ في آلشّريعة ألأسلاميّة .. و هو ألأهم بآلنّسبة للمُؤمنين بآلغيب.

و يُؤكد ما توصّلنا إليهِ من آلنتائج, جميع فقهاءَ و مُفكّري ألأسلام ألكبار مُنذُ قرونٍ كآلشيخ ألكليني و ألطوسي و آلعلّامة ألحلّي و آلشيخ أحمد النراقي(ت1829م) ألذي أثْبَتَ أنّ للفقيهِ ما هو للنبي و آلأمام – إلّا ما أخرجهُ آلدّليلُ من إجماع أو نصٍ أو غيرهما – و كانَ يدعو إلى آلولاية ألمطلقة(10), و آلسيد آلخؤئي  و كذا ألأمام ألخميني(11) و آلسيد ألسيستاني و آلفيلسوف ألمظلوم محمد باقر آلصدر و آية آلله محمود ألهاشمي و آية الله كاظم ألحائري ألذي قال مُبَيّناً ظُلم آلشورى و بُطلانهِ: " هناك قسماً من آلناس هم أطفال أو أشخاص لم يبلغوا ألسن ألقانوني ليسمح لهم بالأشتراك في الأنتخاب, فما يقولون لهم بعد أن تصل أعمارهم إلى آلسن ألقانوني, و قبل أن تنتهي ألفترة ألمحددة للشخص أو آلنظام ألمنتخب؟ كون الأنتخابات لا تجري كلّ يوم, و لكن في كلّ يوم ألكثير من آلأشخاص تصل أعمارهم إلى ألسن ألقانوني, و عليهم أنْ يخضعوا قهراً للشخص أو آلنظام ألمنتخب(ألحاكم)"(12).

و آلأنتخاب كما وضّحنا سابقاً قد تُؤثّر فيه آلأموال و آلمصالح آلحزبية و آللّوبيّات لما لها من تأثيرٍ على مجاري ألأمور و حياة آلناس, كما نشاهد مصاديقها كلّ مرّةٍ في مُعظم - إنْ لمْ نقلْ كلّ ألأنتخابات ألتي تجرى في دول ألعالم, حيث يفوز بالرئاسة أياً كان بفعل تلك المؤثرات ألفاعلة, و آلأخطر ممّا نشاهده في نتائج هذا المنحى هو ركوب موجة آلأنتخابات من قبل ألأنتهازيين بعد إستغفال ألناس ألبسطاء و تثوير مشاعرهم بإسم آلدّين أو آلدّيمقراطية أو آلوطنية أو آلقومية لضمان آلفوز .. لذلك لا يُمكن ألأطمئنان بأيّ حال من آلأحوال لرأي آلناس فقط مهما كانوا – ناخبين و مُنتخَبين بمعزلٍ عن تأيّيد ألمرجعية ألدينية .. كونها صمّام أمان و ترشيد من قبل من إختاره خالق آلكون بالنّص ألمتوالي .. كما سيأتي بينابهُ! 

و كما جاء في بحثنا سابقاً فأنّ فكرة ألأنتخابات(ألدّيمقراطية)؛ بمعنى حُكم آلنّاس لأنفسهم بأنفسهم – إذْ حاول آلبعض  تنسيبها للكِتاب و آلسّنة – فإنّهُ لم يَرِدَ فيهُما نصّاً يُؤشر للموضوع بهذا آلمعنى, و قد حاول هذا آلبعض حشر ألآيات ألقرآنية كآيتي ألشورى: "و أمرهم شورى بينهم"(13), و "شاورهم في آلأمر"(14) و غيرهما للأستدلال على فكرة ألدّيمقراطية أو آلشورى في آلحكم بَدَلَ "ولاية ألفقيه" .. و ما هو إلّا إفتراءٌ و قلّةُ درايةٍ و معرفةٍ بحقيقةِ ألقرآن و رُوح ألأسلام و أهميّة و مكانة ألولاية و دورها في تَحقيق غاية ألرسالة ألألهية و علّة خلق ألكون و آلأنسان(15), و من أبرز و أهمّ ألملاحظات ألتي أشارَ إليها هذا آلبعض في موضوع ألشورى هي :

أولاً: ما ورد في بعض ألآيات ألقرآنية ألمباركة من نسبة آلخلافة إلى آلمجتمع و ليس لوصيّ مُعيّن بالنّص بعد آلنبي, و عندئذٍ قد يحلو لكاتبٍ أو مُثقّفٍ مُعيّنٍ أنْ يتصوّرَ أنّ آلأسلام جاءَ بفكرةِ ألدّيمقراطية (ألشورى), حينما نسبتْ ألخلافة كلّياً إلى رأي آلأمة, و إعتبروها حلّال ألمُشكلات و آلخلافات.

ثانياً: ما أوردهُ ألبعض من روّاة إخواننا آلسُنّة عن ألرّسول(ص)؛ و هي: " أمّتي لا تجتمعُ على آلخطأ " و في روايةٍ أخرى " ... لا تَجْتَمعُ على ضلالةٍ "(16), حيث جعلوها دليلاً على صحّة ألأنتخابات و آلشورى لِتَعيّن ألأمام بإجماعِ ألمُسلِمينَ!

أما بآلنّسبة للأحتمال ألأول فيما يَخُصّ "آيات ألشورى"؛ فهناك قصورٌ واضح و بيّن في فَهْمِ مَدلولِ و فلسفة ألآيات و أسباب نُزولِها!

ففي سُورة ( ألبقرة / 30 )(و إذْ قالَ رَبّكَ لِلمَلائِكَةِ إنّي جاعلٌ في آلأرض خليفة قالوا أ تجعلُ فيها من يُفسد فيها ...) للآية مدلولٌ عامّ يستبطن آلتخصيصَ, ويَتبيّن ذلك من خلال ألحِوارِ ألهادئ ألذي جرى بينَ آلله تعالى و ملائكته آلمقربين و كما ورد في آلآيات آلعَشر ألّتي جاءت بعد آلآية ألآنفة في سورة ألبقرة, حيث يظهر من سياقها  موضوعياً .. بأنّهُ كانتْ هُناكَ خلافةٌ عامّةٌ من قِبلِ ألباري في خلائقَ سَبَقَتْ مرحلة خلق أبينا آدم عليه آلسلام في أزمانٍ مُتفاوتة, و لكنّها فَشَلَتْ في آلأمتحان و قامتْ قيامتها و تَبيّن أكثرهم من آلفاسدين, و لذلك لمْ يرتاح آلملائكةُ لأوّل وهلةٍ عند سماعهم للخبر مرة أخرى و بنفس ألشاكلة, و كان ظنّهم ألتّشاؤمي ألسلبي بهذا آلمخلوق آلجّديد "آدم"(ع) في محلّهِ .. تأسيساً على آلخيانة و آلفساد في تلك آلخلافة ألعامة, بناءاً على آلتجارب ألسابقة,  أما في سلسلة أبينا آدم(ع) فقد إختلف آلأمر بجعلهِ تعالى لِخلافةٍ خاصةٍ مُرافقة تُرشدُ ألخلافةَ ألعامّة كشاهدٍ عليها في آلبشرية(17), لتكونَ بمثابة ألحُجّة لتحقيقِ ألتكامل ألأنساني, بتخصيصهِ تعالى لتلك آلخلافة ألقدوة "بمُحمّد و أهل بيته ألكرام و إمتداد ولايتهم في آلأمة".

و لِذلك عندما عَلّمَ آدم(ع) ألملائِكَةَ و بأمرٍ مِنَ آلله(يا آدم أنبئهُم بأسمائهم...)(18) - تلك آلأسماء ألمقدسة أيّ(مُحمّد و أهل بيته) - فأنّهُ سرعان ما تنازلوا عن موقفهم و قالوا: " سبحانك لا عِلمَ لنا إلّا ما علّمتنا إنّك أنتَ آلعليم آلحكيم", ثمّ سجدوا لآدم جميعاً إجلالاً لتلك آلخلافة ألخاصة آلتي ستظهر من نسل آدم(ع)! إلّا إبليس(ألشيطان) أبى و إستكبر و لم يَسجد رغم إنّهُ كان رئيس آلملائكة و عَبَدَ الله آلافاً من آلسنين, و آلأعلم بأسرار آلوجود بعد آلله تعالى, حيث لم يشأ أن يرى في آلوجود مَنْ هم أقربُ منهُ لله, ستتحقّق بوجودهم تلك آلخلافة الألهية ألخاصّة ألعظيمة في عموم ألخلق و آلكون, فإستكبر على أمر الله! و لو كانت آلملائكة تعرف من قبل أنْ يُنبئهم آدم بتلك آلخلافة ألمقصودة؛ بأنها خلافةٌ خاصةٌ تتعلّق بآلرسول و أهل بيته و ليست"عامة" لما كانت تعترضُ على الله بالقول: "أ تَجْعَلُ فيها منْ يُفسد فيها و يسفك آلدّماء ...", حيث لم يسبق للملائكة أن إعترضوا على أمرٍ أو شيئ فعله الله تعالى من قبل إلّا على هذا, و لذلك فأنّ  غِيرة الملائكة و تَخَوّفهم كانت في محلّها لعدم إطّلاعهم على سرّ و أبعاد  تلك آلخلافة ألجديدة إبتداءاً .. بكونها لا تختصّ بكلّ آلخلق كما كان سابقاً! لكنّ آلباري تعالى و عِبرَ حِوارٍ هادئ وضّح لهم كلّ شيئ ختمها بالقول: " إني أعلم ما لا تعلمون ", بمعنى أنّ هناك خلافةٌ خاصة تختلف عمّا شهدّتموهُ منْ قبلْ, لا علم لكم بها, و سيقوم بتمثيلها هذه ألمرة أهل بيتٍ كرام طاهرين مُنتخبين من قبل, و إني لم أخلق هذا الوجود إلّا بسببهم, كما ورد في حديث "ألكساء" عن ألمعصومين (ع)(19), و من هذا يُفترض أن تكون ألخلافة ألمقصودة من الله تعالى ذات معالم و مواصفات رفيعة جداً تُضاهي بل و تفوق مقام و مركز ألملائكة و آلجّن و آلإنس في آلكون, فهلْ يُعقل أنْ يُوجد في آلبشر خلقاً بتلك آلمُواصفات ألسّماوية بإستثناء أهل بيت ألنبوة و معدن آلرّسالة ألطاهرين!؟

و ما يُقوّي إستدلالنا على آلخلافة "ألعامة" للبشريّة و آلتي تختلفُ – كما  وضّحنا - عن "ألخاصّة"؛ قوله تعالى: " هو آلّذي جعلكم خلائِفَ آلأرض و رَفَعَ بعضكم فوقَ بعضٍ درجاتٍ ..."(20).

فهذا آلخطاب هو خطابٌ لكلّ ألبشرية و ليس لشخصٍ مُعّينٍ, و مهما حاولنا ألتعمق في آلآية و تسّيسها فأنها لا تُفسر موضوعيّاً بجعل أمرِ ألحكومة للنّاس, مع ما تقدّم من آلبحث إلّا بلزوم وجود ألقدوة ألصالحة كي يُحقّق آلبشر من خلالها – كنموذج - ألتدرج آلطبيعي في ألسير و آلسلوك إلى الله للوصول إلى آلتكامل ألنهائي ألتي وصفها آلأمام ألباقر في حديثٍ مُتواترٍ رفيع لـ "جابر" شخّصَ فيه مُواصفات ألخليفة ألعامة ألتي تَتَمَثّل بالمُوالين لأهل آلبيت(ع) كي يتّصفوا بشيعة مُحَمّد و أهل بيته ألطاهرين(21).
 
و مِمّا يُؤكّد أيضاً .. أنّ كلِمةَ "ألخلافة" ألواردة في آيات عديدة من آلقرآن تُمثل آلخلافة ألعامة, كونهُا خطابٌ لكلّ آلناس و لا علاقة لها بآلخلافة ألخاصة و موقعها في آلأمة, كقوله تعالى أيضاً: "و لقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا, وجاءتهم رسلهم بآلبينات و ما كانوا ليؤمِنُوا كذلك نجزي آلقوم آلمجرمين ثم جعلناكُم خَلائفَ في آلأرض"(22).

في آلمقابل فأنّ {ألقرآن حينما يستعمل "ألخلافة" بمعنى آلقيادة, و آلحكم بآلخصوص, فأنّنا نرى أنّها لا تُنسب للبشرية و إنما تُنتسب إلى شخصٍ مُعيّنٍ, من قبيلِ قولهِ تعالى:" يا داوود إنّا جعلناكَ خليفةً في آلأرض فإحْكم بينَ آلناس بآلحقّ ..."(23)}(24), فالخلافة هنا إختصّت بآلحكم و بآلأسم, و لم تُنسب للنّاس – كما نُسِبتْ في آلآيات ألسابقة – و إنما نُسِبتْ إلى شخص داوود, و كذلك آلأمر في إمامة إبراهيم(ع).
 
أما بالنسبة للأحتمال ألثاني في "عدم إجتماع آلأمة على آلضلالة"؛ فلا نُريد طرح نظر آلشيعة, لأنّهم أساساً لا يُؤمنون بها و بأسانيدها, كونها لم ترد بسندٍ صحيحٍ و تامٍ, فآلرّواة غير ثقاة في نظر مُحَدّثي ألشيعة ألذين يُدَقّقون كثيراً في أبسط آلروايات .. لكنّنا نريد بحث آلموضوع من خلال مدرسة ألسّنة, حيث إنّ هذه آلرواية لم ترد في أي من آلصحاح الست, و هذا يكفي للأستدلال على بطلانه, و حتى لو ذكر في أحد الصحاح فأنه غير مقبول فيه كون إخواننا آلسنة يأخذون بآلحديث ألذي تَكَرّرَ في صحيح ألبخاري و صحيح مسلم, فكيف و آلحديث لم يُذكر أساساً في جميع صحاحهم!؟, و قد أثبت آية الله ألسيد ألحائري ضعف آلرواية لأنقطاع سنده و عدم ثقة آلرّواة(25).


أمّا  آلجّانب ألتّطبيقي لتلك آلرّواية؛ فنتساءل: هلْ كان هناك إجماعٌ – حقّاً – على من "إنْتُخِبَ" كخليفةٍ للمُسلمين من بعد آلرّسول(ص)؟

فمن آلمعروف لدى آلفريقين أنّهُ لمْ يكنُ إجماعٌ من قُريش(26) في خلافةِ أبي بكر, بل كادتْ أنْ تُؤدّي لفتنه كبيرةٍ. لعدم وجود أساس شرعيّ, أو نصّ قرآني أو حديثٍ عن آلرّسول(ص) بذلك آلخصوص ليكون مورد إحترام الجميع خصوصاً بني هاشم؟ و أساساً لم تُجْرى أيّةُ إنتخابات بآلمعنى آلمُتعارف عليه حتى آليوم, و إنّما إنفردَ بعضُ آلصّحابة في سقيقةِ بني ساعدة و تآمروا بينهم لتنصيب "ألخليفة", و إنّ أكبر قبيلتين في آلجزيرة ألعربية و هما "ألخزرج" و "بني هاشم" عارضتا بشدّة قرار ألسّقيفة, معَ عددٍ كبيرٍ من آلصحابة بقيادة آلأمام عليّ(ع)!

  و لو فرضنا وقوع آلأجماع – و هو يُخالف آلتأريخ و آلحقيقة – فهل هذا يُبرّر كون "ألأمامة" تُثبتُ بالأجماع؟

هذا آلفرض ينافي ألنصوص ألواضحة بشأن "آلأمامة" بروايات و مواقف آلرسول(ص) و آلأئمة آلأطهار(ع) أنفسهم! و فوقّ ذلك ما صرّح به آلقرآن ألكريم ألذي جعل ألأمامة مرحلة مقدّسة و مُقدّمة على آلنبوّة, بإعتبار ألنّبوّة مسألة بين الرسول و المرسل بين الأمامة تتعدى ذلك لتكون حلقة الوصل بين المرسِل و آلرّسول و الأمة, لهذا لم يكن كل الأنبياء أئمة.
 
و نُشير إلى بعض ألآيات ألصريحة و آلمحكمة مع آلرّوايات ألواضحة ألمُتواترة ألتي حصَرَت آلرئاسة و آلسّلطة  (ألحكومة) ألشرعية ألأسلاميّة لله تعالى ثمّ رسوله(ص) ثم آلأوصياء ألأثني عشر ألطاهرين(ع) و من بعدهم للفقيه آلأعلم و آلأقدر من بين آلفقهاء كما سيأتي بيانهُ – في زمن ألغيبة ألكبرى التي نعيش ربما فصولها ألأخيرة مع بدء ألألفية الثالثة إن شاء الله – و هي :

*" إنا أنزلنا إليكَ آلكتاب بآلحقّ لتحكم بين آلنّاس ..."(27).


*" أ فَغَير الله أبتغي حكماً و هو آلذي أنزل إليكم آلكتاب مُفصلاً "(28).


و بمتابعة آلآيات ألتالية للآية آلسابقة ؛ يُشير ألباري تعالى بدقّة و وضوح إلى بُطلان ألحكومات ألأرضية, حتّى تلك التي تتشكل عبر آلأنتخابات, بالقول: " ... و آلّذين آتيناهم آلكتاب يعلمون أنّه مُنزّلٌ من ربك بآلحقّ فلا تكوننّ من المُمْترين, و تمّتْ كلمة ربك صدقاً و عدلاً لا مُبدّل لكلماته و هو السميع العليم, و إنْ تُطِعْ أكثر من في الأرض يُضلّوك عن سبيل الله إنْ يتّبعون إلّا آلظن و إنْ هُم إلّا يَخرصون"(29).


*" لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط و أنزلنا  الحديد فيه بأسٌ شديد و منافع للناس و ليعلم الله من ينصره و رسلهُ بالغيب إن الله قويٌ عزيز "(30).


*" يأ أيّها آلذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي آلأمر منكم فأنْ تنازعتم في شيئ فردّوه إلى الله و آلرسول إن كنتم تُؤمنون بآلله و آليوم آلآخر ذلكَ خيرٌ و أحسنُ تأويلاً "(31).
ثم يُحَدّد ألباري تعالى موضوع آلحكم و آلقيادة و آلولاية بالأسم و آلعنوان بإتّفاق ألمفسيرين في آلمدرستين, حيث يُحصرها في ولاية و حكم الله أولا ..ً ثم آلرّسول(ص) ثانياً .. ثم أمير آلمؤمنين عليّ(ع) و أبنائه ثالثاً.


*" إنّما وليّكم الله و رسوله و آلذين آمنوا ألذين يُقيمون آلصلاة و يُؤتون آلزكاة وهم راكعون"(32).

 

و لا يتوقّف ألأمر عند هذا آلحدّ!
بل إنّ الباري تعالى حَكَمَ على جميع آلناس ألذين لا يَسْعَوْنَ لإقامة ألحكم آلألهي بالكافر و آلظالم و آلفاسق و لم يستثني أحداً من العالمين حتى أهل آلأديان ألسماوية ألأخرى كما ورد في القرآن, و لا أعتقدُ بأنّ هناك صفاتاً أدنى مرتبةً و إنحطاطاً من تلك الصفات للذين لا  يُريدون تطبيق آلحكم الأسلامي, لكونها- تلك الصفات ألثلاثة - تستجمع كلّ آلشّر و آلمنكر و آلضلالة بما فيها آلنفاق ألذي أصحابه في آلدّرك ألأسفل من آلنار, حيث يقول آلباري تعالى:

" و منْ لمْ يَحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم آلكافرون "(33). و هم آلذين يُخفون آلحق!


" و منْ لمْ يَحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم آلظالمون "(34). و هم آلذين يأخذون حق آلآخرين!


" و منْ لمْ يَحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم آلفاسقون "(35). و هم آلذين يشيعون الفساد و آلمنكر بين الناس!

أمّا الأحاديث ألمتواترة و آلواضحة و آلصريحة(36) و آلّتي بيّنت مكانة ألعلماء عموماً بين آلناس - هي:

وَرَدَ في صحيح ألبحتري, عن أبي عبد آلله(ع) : { ألعلماء و رثة آلأنبياء }(37).
رواية إسماعيل بن جابر, عن أبي عبد الله(ع) : { ألعلماء أمناء آلرسل }(38).
رواية مرسلة ألفقيه, عن رسول الله(ص) قال : { ألّلهم إرحم خلفائي, قيل يا رسول الله, و من خلفاؤك؟ قال: ألذين يأتون من بعدي و يروون حديثي و سنّتي }(39).
رواية أبي حمزة عن أبي آلحسن موسى بن جعفر(ع) و فيها : { ألمؤمنون ألفقهاء حصون الأسلام؛ كحصن سورة المدينة لها}(40).


رواية ألسكوني : عن آلأمام ألصادق(ع) : { ألفقهاء أمناء آلرسل ما لم يدخلوا في آلدنيا, قيل يا رسول الله و ما دخولهم في آلدنيا؟ قال إتّباع السلطان, فأذا فعلوا ذلك فأحذروهم على دينكم}(41).


حديث قدسي : قال تعالى لعيسى(ع) : { عَظِّم آلعلماء و إعرف فضلهم, فأني فضّلتهم على جميع خلقي إلّا النبيين و آلمرسلين؛ كفضل آلشمس على آلكواكب؛ و كفضل آلآخرة على آلدنيا؛ و كفضلي على كلّ شيئ }(42).


و بشكل عامّ فإنّ جميع  ألأحكام ألآمرة بآلرّجوع إلى آلفقهاء و حكمهم واردة بآلدّعاوى و آلقضاء بين آلخصوم, و آلفتوى في آلحوادث ألّتي تقع في آلأمة(43).

 أمّا آلأحاديث ألّتي بيّنتْ خصوصياتِ و مسؤولياتِ ألعلماء و آلفقيه ألّذي لهُ حقّ ألتصدي لأمور و زعامة ألمسلمين خصوصاً و آلأنسانية عموماً و بالنّصّ في زمن ألغيبة ألكبرى .. فهي:

* ألتّوقيع ألرّفيع و آلمشهور ألذي وَرَدَ عن ألأمام ألحجة(عج) في حياة ألسفير آلثاني مباشرةً, و قد جاء جواباً على سؤآل آلفقيه ألشيخ أبو إسحاق ألكليني(رض) حول مسائل عدّة, ذكرها آلشيخ ألصدوق(رض) بالقول: حدّثنا محمّد بن يعقوب ألكليني عن إسحاق بن يعقوب؛ قال:{ "سألت محمّد بن عثمان ألعمري(رض) أنْ يُوصل لي كتاباً قد سألتُ فيه عن مسائل أشكلتْ عليّ, فوردَ في آلتوقيع بخطّ مولانا صاحب آلزمان(ع)": (... و أمّا آلحوادث ألواقعة فإرجعوا فيها إلى روّاة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة الله عليهم)}, و في كتاب ألغيبة رواهُ آلشيخ ألطوسي بسندٍ لا بأس به .. و في آخرة؛ " ... و أنا حجّة آلله عليكم"(44).

* " مقبولة إبن حنظلة " {عن عمر بن حنظلة, قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما مُنازعة في دينٍ أو ميراث, فتحاكما إلى آلسلطان أو إلى آلقضاة؟ قال(ع): من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فأنما تحاكم إلى آلجبتْ و آلطاغوت ألمنهي عنه. و ما حَكَمَ لهُ به فإنّما يأخُذ سحتاً, و إنْ كان حقّهُ ثابتاً لهُ لأنّه أخذهُ بحكم آلطاغوت, و منْ أمر الله عزّ و جلّ أنْ يُكفر به, قال الله عزّ و جلّ: ( يُريدون أنْ يتحاكموا إلى آلطاغوت و قد أُمروا أنْ يكفروا به)...}(45).

* " روايتي أبي خديجة - سالم بن مكرم "؛ عن أبو جعفر محمد بن علي بن ألحسين بن موسى بن بابويه ألقمي ألفقيه – روي أحمد بن عائذ عن أبي خديجة سالم بن مكرم ألجمال, قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد آلصادق(ع): "إيّاكم أنْ يُحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل آلجّور, و لكن إنظروا إلى رجلٍ منكم يعلمُ شيئاً من قضايانا, فأجعلوهُ بينكم, فأني قد جعلتهُ قاضياً, فتحاكموا إليه"(46).

* " رواية داوود بن ألحصين ",  عن أبي بصير بسند تامّ عن ابي عبد الله(ع)؛ "قال في رجلٍ كان بينه و بين أخ له مُماراة في حقّ, فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه و بينه, فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء" كان بمنزلة آلذين قال آلله ­– عز و جل: أ لم تر إلى الذين يزعمون إنهم آمنوا بما أنزل إليك و ما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أُمروا أن يكفروا به"(47).

* " رواية ألأمام ألصادق(ع): "فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه, حافظاً لدينه, مخالفاً على هواه, مُطيعاً لأمر مولاه, فللعوام أنْ يُقلدوه "(48).

* " رواية أبو البختري "(49), و غيرها كثير, نكتفي بِما قَدّمنا.

و يُمكننا مُلاحظة مسألتان في غاية ألأهمية في آلروايات آلآنفة .. ألأولى؛ في آلتوقيع ألمشهور عن ألشيخ أبو إسحاق ألكليني(رض) في  مفهوم (ألحوادث ألواقعة), حيث لم يَقصد به آلأمام قضايا العبادات و آلأحكام ألثابثة كالصوم و الصلاة و آلحج و آلميراث فقط, كونها كانت موجودة و مُشرّعة قبل ذلك التوقيع, حيث بيّن آلقرآن و آلرسول آلأكرم(ص) و آلأئمة آلأطهار(ع) أحكامها(41), و إنما عنى بها ألأمام ألحجة(ع) جميع آلمسائل آلّتي تتعلّق بحياة آلبشرية و تطوّرها.

أما آلمسألة ألثانيّة؛ تتعلّق بتعيّن مواصفات ألفقيه ألّتي بيّنها آلأمام كي يكون قادراً و مؤهلاً للتّحكّم بآلحوادث ألواقعة و صياغتها و تفعيلها طبق آلمنهج آلأسلاميّ و أصول آلأستنباط آلأربعة(50), حيث أشار سلام الله عليه إلى وجوب و جود فقيهٍ واحدٍ من بين آلفقهاء في كل عصر يتصدّى للأمر, كما هو واضحٌ في عبارة (منْ كانَ من آلفقهاء ...) و ليس جميع  ألفقهاء!

كما إنّ وجوب آلأجماع من آلفقهاء على "ولاية ألفقيه" كإمامٍ يُمثل آلنّيابة ألعامّة للأمام ألحجّة(عج) لأدارة شؤون آلأمة ألأسلاميّة في زمن ألغيبة ألكبرى مسألةٌ واضحة لا يختلف عليها عاقلان, لأنّه بغير ذلك سيُفسح آلمجال أمام آلظّالمين و آلمنافقين للتّحكم بآلنّاس و بآلحوادث آلواقعة, و بآلتالي نشر آلفساد و آلأنحراف و آلظلم و آلمنكر ألذي نهى عنه سبحانه و تعالى, و أمرنا بمحاربتها و آلنهي عنها, و هذا ما عايشناه خلال حقبة سيطرة ألنظام  ألبعثي ألهجين على ألعراق و آلمآسي آلتي خلّفها ذلك آلنظام ألمقبور, كما يُمكننا ملاحظة ألظلم و آلأنحراف بنسبٍ متفاوتة من خلال مواقف و برامج جميع حكومات آلأرض ألقائمة للأسف !



أما آراء ألفلاسفة و آلمفكريين ألأسلاميين, بشأن "ولاية  آلفقيه" أو "ألحكومة ألاسلامية" بتعبير آلأمام الخميني ألراحل(قدس) فهي بإختصار:

لقد أجمع آلفلاسفة ألأسلاميّون و آلفقهاء ألكبار منذ بدء عصر الغيبة الكبرى بأنّ آلحُكم و آلقضاءَ لا بُدّ أن تكون بيد ألفقيه ألعادل .. كشيخ آلطائفة و آلعلامة ألحلي و آلمولى ألنراقي و صاحب ألجواهر و آلشيخ فضل الله آلنوري و آلسيد ألخوئي و آلأمام ألخميني و آلشيخ ألمطهري و آلعلامة ألطباطبائي و آلأمام مُحمّد باقر ألصدر و آية الله ألكوراني و آية آلله ألآصفي, و آية الله ألسيد محمود الهاشمي و آية آلله ألسيد ألحائري, و قطب ألمرجعية ألدينية في آلنجف ألأشرف آية الله ألسيد ألسيستاني و آلذي يعتقد بإقامة ألدّولة  ألأسلامية كونها فرض على آلفقيه ألعادل ألقادر على ذلك لو تهيّأت ألفرصة و آلظروف ألمناسبة لإقامتها(51), فبدونها
أي بدون ألحكومة ألأسلاميّة - تضيعُ آلصّلاة و آلصّوم و آلتّوحيد و آلمعروف و آلحقوق, و لم يختلف فيه أيّ فقيهٍ مخلصٍ واعٍ لحقيقةِ و روحِ ألأسلام سواءاً من آلمتقدمين أو  آلمتأخرين.

 

 ربّما كان آلخلاف من بعض ألآحاد – و هي إستثناآت - في مُستوى و مساحة ولاية ألفقيه في آلأمة, و لم يختلفوا في أصل إقامتها خصوصاً فيما يتعلّق بالأمور الحِسبيّة(52), و بما أنّ أساس آلبحث يتعلّق بالولاية ألتكوينية و آلتشريعيّة ألمنبثفة عنها كونهما أصل ألأصول في عقيدة ألمسلم ألذي يُريد آلأتصال بآلله عن طريقها آلمتمثل بذوي ألقربى(53) الذين أوصانا ألله تعالى بآلتمسك بولايتهم و محبّتهم, لأنهم آلمعيار ألذي من خلاله تُوزن آلأعمال و يتحدّد ألمصير, و بما أنّ هذه ألولاية إنحصرت في علماء آلحوزة العلمية ألتي أنشئت بداياتها بعد آلغيبة  ألكبرى, كونها ألمدرسة آلتي تستجمع ألعلوم و أسرار ألرسالة آلأسلامية التي لا بُد من معرفتها للتصدي لزعامة آلأمة لنشر و تحكيم الأسلام, لذلك سنلقى آلضوء على هذه المؤسسة آلتي تُخَرّج و تُحَدّد لنا ألفقية آلذي على آلأمة إتّباعه و تقليدهُ لتحقيق آلغاية من خلق الأنسان و هو التكامل في كل شيئ .. هذا  التكامل ألذي لا يتحقّق إلا من خلال ألحكم ألأسلامي الذي حدّده لنا آلباري تعالى عن طريق ألرسول(ص) فالأئمة الطاهرين(ع) فالفقيه ألمتصدي ألأعلم و آلأعدل و آلأعرف بزمانه و بآلمجتمع ألأسلامي منْ بين آلفقهاء, و يُؤكد وليّ أمر آلمسلمين ألأمام ألخامنئي على أهميّة آلدّولة نقلاً عن سيد قطب, بأنّ مجرّد إقامة ألحكومة ألأسلامية تعادل آلكثير(54), و بإعتقادي تُعادل كلّ ما قدّمه آلعلماء منذ شهادة ألأئمة ألمعصومين(ع) و بدء ألغيبة ألكبرى و إلى يومنا هذا بل و أكثر من ذلك!

لكنْ منْ هُم هؤلاء ألأمناء ألمخلصين ألواعين من آلفقهاء ألرّبانيين ألمثقفين؟ و ما هي مواصفاتهم و دورهم؟ و بِمَنْ يَتَمَثّل أليوم؟ و ما هو واجب ألمسلمين تجاههم؟ و هل يمكن أن تتعدّد آلولايات في آلحكم على آلأمة في آن واحد؟

قبل آلأجابة على ذلك, سنلقي آلضوء على هذا آلمنهج ألأمثل ألذي تأسّس على يد ألشيخ ألمفيد ثم آلشيخ ألطوسي رضوان الله عليهما و إستمرّ عليه كلّ آلمراجع ألعظام تِباعاً, بعد شروع ألغيبة آلكبرى(55) .. حيث رافقتها ظروف عصيبة و معاكسات آلسلطات ألتي إدّعت ظُلماً تمثيلها للأسلام إبتداءاً بآلعصر ألعباسي و آلعثماني فآلحكومات ألدكتاتورية آلتي إنبثقت بعدها في بلادنا آلعربيّة و آلأسلاميّة .. على مدى أربعة عشر قرنأً و إلى آليوم, و بسبب جهاد  ألأئمة ألأوصياء(ع) ضدّ آلحكومات, و مُقارعتهم لتلك آلسّلطات ألجائرة, فقد أدّى إلى إستشهادهم جميعاً, و كانت فاجعة كربلاء ألتي إستشهد فيها آلأمام ألحسين(ع)هي ألشهادة آلكونيّة ألكبرى على إنحراف آلحكام و ظلمهم بحق ألاسلام و المسلمين, و قد مثّلت تلك آلشهادة ألكبيرة مأساة آلأسلام و آلأنسانيّة, لذلك غابَ آلأمام الثاني عشر(ع) عن آلأنظار بإذن آلله ريثما يُمَهّدُ لهُ آلطريق للظهور ألعلنيّ لِيَرِثَ آلأرض و ما عليها, فلا يُمكن أنْ تخلو ألأرض من حجّة لله(48) ليتحقّق على يديه أليوم ألموعود, و بما أن للتأريخ دورٌ في ترتيب الكثير من الأمور و منها تكامل الوعي و الرشد المطلوب تحقيقه لذلك لا بُد من مرحلة ناضجة تصل إليها الأمة لتحقيق ذلك الوعد الكبير, و آلأمام ألحُجّة(ع) يُخطط من وراء آلحجب, و يدعم بشكل أو بآخر و بآليات مُتطورة كلّ من يُمثّل "ألنيابة ألعامة" للفقيه ألمتصدي لأمر آلأسلام و آلمسلمين للتمهيد عمليّاً إلى ألحكومة ألعالمية ألعادلة بإذن الله, فليس من المعقول أن تصمد دولة صغيرة بإمكاناتها و عدتها و عمرها أمام جميع طواغيت العصر عبر إصرارها بتطبيق مبادئ الأسلام و الحكم بآلشرع بين الناس لولا وجود ذلك الدّعم الغيبي أللامحدود بإذن الله تعالى.

يقول شيخ ألطائفة ألطوسي في ألنهاية من كتاب ألجهاد: "و أمّا آلحُكم بين آلناس و آلقضاء بين آلمُختلِفين فلا يجوز أيضاً إلّا لمن أذن له سلطان آلحقّ في ذلك, و قد فوّضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لم يتمكن آلأئمة من تولّيه بنفوسهم"(56).

و آلمعنى كما يشير لهُ ألشيخ محمد ألمؤمن ألقميّ؛ "قد خصّ ألقضاء بآلأئمة ألمعصومين(ع) من بعد آلرسول(ص), بحيث لا يجوز تولّيه حتى للفقهاء من شيعتهم إلّا في حال لم يتمكّنوا بأنفسهم منْ تولّيه, و معلوم  في هذا آلزمن ثبوت ولايتهم خارجاً عن آلأمكان"(57).

و قال المُحقّق في كتاب القضاء من الشرائع: "و هنا مسائل؛ ألأولى: يشترط في ثبوت الولاية – يعني ولاية القضاء, إذن الأمام ألمعصوم(ع) أو منْ فوّض إليهِ آلإمام ... و مع عدم حضور ألإمام ينفذ قضاء الفقيه منْ فقهاء أهل البيت(ع)(58). فحكمه في نفوذ قضاء الفقهاء يكون في حال غياب ألإمام المعصوم, دليل على أنّ أمر آلقضاء مع فعلية ولاية آلأئمة عليهم السلام يكون إليهم.

و قال صاحب  ألجواهر مُعلّقاً على قول صاحب ألشرائع: " في أنّه بلا خلاف عليه عندنا .. بل آلأجماع بقسميه؛  يشترط في ثبوت ألولاية في آلقضاء و توابعه إذن الأمام(ع), أو منْ فَوَّضَ إليه ألأمام ذلك لما عُرفت منْ أنّ منصب آلحكومة لهُ(59).

كما إن آلسيد آلخوئي(قدس), ذكر في كتاب آلجهاد ألملحق بمنهاج آلصالحين, بجواز حتّى ألجهاد آلأبتدائي في عصر ألغيبة, حيث قال: "إنّ ولاية هذا آلجهاد و آلحاكم ألذي ينفّذ أمرهُ هو آلفقيه". و يُعتبر هذا آلرأي للسيد ألخؤئي(رحمه الله) من آلأستثناآت في تأريخ آلمرجعية قاطبةً, حيث فاق جميع آلفقهاء في مساحة آلولاية ألتي من حقّ آلفقيه ألتصرف بها في زمن آلغيبة .. بإضافتهِ لمسؤولية ألجهاد آلأبتدائي ألذي هو من حقّ آلمعصوم(ع) إلى مسؤوليات وليّ آلفقيه ألمتصدي لزعامة آلمسلمين, لكون آلجهاد ألأبتدائي يخرج من دائرة "ألحِسبة" ألتي إتفق عليها فقهاء آلشيعة جميعاً. 

و قد تبيّن من مجموع ما تقدم, أنه لا خلاف بين آلأعلام, لا في مبدء مشروعية تشكيل حكومة إسلامية في عصر آلغيبة, و لا في مبدء ولاية آلفقيه, و إنما آلنقاش في آلتفاصيل ألتي لا تؤثر على حقّ آلطاعة للفقيه في إدارة شؤون ألبلاد و حكم آلعباد, خاصةً إذا لاحظنا إنّ موارد آلحسبة تسمح بولاية واسعة حتى مع آلأقتصار على آلقدر ألمتيقن على ما أشرنا إليه سابقاً.

و لا بُد من ملاحظة هامة جدّاً, تتعلّق بالقضاء؛ حيث إن إجراء أحكام آلقاضي يحتاج إلى من يدعم هذا آلأمر و يُوفّر ألمكان و آلحقوق و آلأمكانات و آلأجواء و متابعين و مُحقّقين, و بعد صدور آلحكم أيضاً لا بُدّ من وجود من يُنفّذ ذلك آلحكم, بمعنى آلحٌرّاس و آلأمن و آلمدراء و آلموظفين, و هذا يجرنا - خصوصاً في هذا العصر - للأيمان بوجوب إقامة ألدّولة ألأسلاميّة  لتأخذ على عاتقها إجراء  تلك آلمراحل عملياً و إلّا إستحال آلقيام بذلك, و لو إعتمدنا رأي الفقيه الكبير ألأمام آلخؤئي(رض) فأن تنفيذه يحتاج إلى وجود دولةٍ إسلاميّة قويّة تمتلك جيشاً عقائدياً مُتطوّراً و مُسلّحاً إلى حدٍّ كبير, و من هنا كان جهاد ألأمام الخميني(قدس) و معه مئات ألمجتهدين و آلعلماء و تياراً كبيراً من آلمثقفين و بإسناد و تضحيات ألأمة .. يَهْدفُ إلى تحقيق مضامين آيات آلحكم و آلروايات آلمقدسة, و إنّ ما قام بهِ ألأمام آلخميني(قدس) و خليفته بالحقّ ألأمام ألخامنئي كأمين مخلص للنيابة العامة للأمام ألحجة(ع) يعتبر فتحاً كبيراً لم يعدله شيئاً في تأريخ المرجعية الدينية, حيث نقلت ولاية الفقيه عبر آلحكومة آلأسلامية في إيران .. ألأمكان ألشرعيّ من حالة "ألأمنية" بالعدالة و كونهم – أيّ مراجع ألدين – صوت إعتراض دائم عبر آلقرون إلى موقع آلحكم بدولةٍ و سلاح و صواريخ و مناهج علمية و إجتماعية و صيغ حياة و ثقف سياسي عالمي! إنها تشبه تفجير آلذّرة في تأريخ آلأفكار.

أمّا ألملاحظة آلأهم في قيادة وليّ آلفقيه؛ فهي و إستناداً إلى ما روي في علل الشرائع ضمن رواية ألفضل بن شاذان؛ "فأن قيل:َ لِمَ لا يجوز أنْ يكون في آلأرض إمامان أو أكثر في وقت واحد, أو حتى( شورى للفقهاء) – لقيادة آلدولة؟ قيل لِعِلَلْ: ... و منها أنه لو كان إمامَين لكانَ لكلٍ من ألخصمين أنْ يدعو إلى غير آلذي يدعو إليه آلآخر في آلحكومة, ثم لا يكون أحدهما أولى بأنْ يتبع صاحبهُ من آلآخر, فتبطل آلحقوق و آلأحكام و آلحدود"(60), و تقرير دلالته على آلظاهر منه, أنّ آلأمامة مُلازمة للمرجعية لفصل ألخصومات, لأنّهُ لو كانَ هُناكَ إماميّن, و كلّ خصمان رجعا مُنفردين إلى إمامين مُختلفين, يعني توجّه أحدهما إلى إمام و آلآخر إلى إمام آخر, فربما لا ينحسم نزاعهما, و بذلك لا يتحقّق قضاء, فقد يحكم أحد آلأمامين بحكم, و آلآخر بحكم مخالف له, فلا يصلان إلى حُكمٍ فاصل للخصومة, بسبب آلأختلاف في إستنباط آلحكم, فكان من لوازم تعدد آلأئمة (ألفقهاء ألمتصدين للقيادة في دولةٍ إسلاميّةٍ) في آن واحد بُطلان ألأحكام, و مثلها ألحدود(61).

و قد حقّقتْ ولاية آلأمام آلخميني(قدس) عمليّاً إقامة آلحكومةٍ ألأسلامية على آلأرض, و إعتبر آلحفاظ عليها و آلدفاع عنها من أهمّ آلعبادات .. و هو تعبير قويّ على أهمية وجود ألحكومة ألأسلامية ألتي بقيامها تُقام ليس فقط ألصلاة و آلصوم و آلعبادات آلأخرى بل تكون ضامنة لإجراء كلّ ألحدود ألأسلامية و تحقيق آلعدالة و كرامة آلأنسان و عزّة آلمسلمين و آلخلاص من هيمنة ألمستكبرين, إن نجاح آلدّولة آلأسلامية و تقدمها هي أُمنية كلّ المحبين و آلمفكرين و آلمخلصين لِدِينِ آلله و لرسوله و لأوليائه عليهم السلام!

و قد كان آلعالم ألرّباني و آلفقيه ألفيلسوف مُحمّد باقر ألصّدر(قدس) و جمعٌ من تلامذته ألفقهاء كآية الله ألعظمى ألحائري و آية آلله ألعظمى ألسيد محمود ألهاشمي و آية آلله محمد باقر ألحكيم "قدست أسرارهم" و غيرهم .. منْ آلذين كانوا و ما زالوا يُخططون و يسعون لتحقيق مثل تلك آلثورة ألعملاقة(62) في آلعراق و في غيرها من بلاد المسلمين, و كانوا من أوائل ألذين أدركوا بعمقٍ أبعاد و مكانة و أهميّة تلك آلثورة ألأسلامية منذ لحظة إنتصارها, و كان و لا يزال شخصية ألأمام ألخميني(قدس) في نفوسهم كبيرة و عزيزة, فقد  قال أستاذنا ألشهيد ألفيلسوف(قدس) قُبَيْلَ إستشهاده لموقفهِ ألمبدئي في تأئيّد مشروع ولاية آلفقيه(ألحكومة آلأسلامية):

{ لو كلّفني ألأمام آلخميني لأكون مُمثّلاً عنهُ في قريةٍ من قرى إيران ألنائية لقبلتُ آلأمر بفخرٍ و إعتزاز}!

 و قال أيضاً قولتهُ آلمشهورة: {ذوبوا في آلأمام ألخميني كما ذاب هو في آلأسلام}!

و قال(قدس) أيضاً: {إنّ آلأطروحة ألمباركة (ولاية آلفقيه) ألتي رفع سماحة آية الله آلعظمى ألخميني رايتها قد أنعشت قلوب آلمسلمين جميعاً, و أنارتْ نفوسهم}(63).

و يُؤكد أستاذنا آلفيلسوف على وجوب ولاية ألفقيه كنيابةٍ شرعيّة عامّة للأمام ألمعصوم(ع) بالقول:"كان آلأئمة(ع) يُهيّئون أجيالاً مؤمنة عالمة قادرة على فهم ألرّسالة بشكلٍ كاملٍ تقريباً .. و صحيح, و خَلق قادة للمستقبل و آلتأكيد عليهم, و هم ألعلماء, لتهيئة ألأمة إلى آلمرحلة ألجّديدة ألتالية, و يُمكن أنْ نستكشف من آلغيبة ألصّغرى أنّها كانت تربية و تهيئة عمليّة للأمة للأنتقال إلى آلمرحلة ألجّديدة, و هي قيادة آلعلماء, و في آلمرحلة ألثالثة حيث تنضج ألأمة, و تصل ألرسالة بكلّ أبعادها إلى شخصيّات مُتعددة من آلأمّة, فأنّ آلقيادة سوف لنْ تحتاج حينئذٍ إلى أكثر من توفّر عنصر ألنّضج ألرّسالي ألكامل .. زيادةً على آلشّروط ألتي يفرضها منصب ألقيادة, و في هذه آلمرحلة يأتي دور ألعلماء لقيادة آلأمة, و قد صنّف آلقرآن ألكريم ألشّهداء – ألقادة – إلى ثلاثة أصناف في آلآية التالية:
" إنّا أنزلنا آلتّوراة فيها هدىً و نورٌ يحكم بها آلنّبيون ألّذين أسلموا للذين هادوا و آلرّبانيّون و آلأحبار ..."(64).
و من هنا أمكن آلقول بأنّ خط آلشهادة(يقصد خط آلشّهادة على آلنّاس و قيادتهم) يتمثّل:

أولاً: بألأنبياء.
ثانياً: بألأئمة ألذين يُعَدّون إمتداداً ربّانياً للنبيّ في هذا آلخط.
ثالثاً: بألمرجعيّة ألتي تُعدّ إمتداداً رشيداً للنبيّ و آلإمام في خط آلشهادة"(65).

ولاية ألفقيه هي ولاية الله على آلناس:
بعد ما أثبتنا أن ولاية آلأنسان على آلناس آلتي تتحدّد عادة من خلال آلأنتخابات(ألشورى) لا تُحقّق هَدَفَ آلرسالة آلأسلامية, بل عادةً ما يقع آلعكس! لكونها خلافة دنيويّة تتحدّدُ من خلال إنتخاب آلنّاس للنّاس, حيثُ تكمنُ فيها كلّ بواطن آلخطر ألجدّي على مُستقبل الأسلام و آلمسلمين بسبب غَريزة ألتّسلّط ألّتي ما نجى منها حتّى آلمُتّقين و كبار آلصحابة, و حبّ آلأنسان للمال و آلشّهوات ألتي تستبطنها آلرئاسة, و بآلتّالي حتميّة ألأنحراف عن خط ألرّسالة ألألهية بآلنّسبة للأنسان آلعادي ألذي لا يتّبع أوامر وليّ آلفقيه كإمامٍ و مُرشدٍ حتّى لو كان مُتخصّصاً في مجالٍ مُعَيّن فآلأمانة هي آلمقدمة؛ لذلك لم يبق أمامنا نحن آلذين نحبّ آلله و رسوله و أهل بيته ألأطهار و آلأسلام ألذي هو دين آلحقّ .. سوى آلرّجوع إلى ولاية آلمرجعيّة ألدينيّة(ولاية آلفقيه) لتوثيق أمانة من يُريد آلتّصدي للرئاسات آلثلاث(ألتنفيذية, ألقضائية, ألتشريعية), لكونها – أيّ وليّ آلفقيه - آلحصن ألحصين و آلأتقى و آلأعلم من بين آلعباد بخفايا و أسرار ألرسالة آلألهية و مصالح آلأمة آلأسلامية و آلأنسانيّة, و لأنّها أوّلاً و أخيراً تَهْدِفُ إلى تطبيق آلأسلام و دحر آلحكومات ألظالمة للتمهيد إلى ظهور ألمصلح ألكبير ألأمام آلحُجّة(عج).

 

...يتبع

 

 

 

2012-12-30 - عدد القراءات #7763 - تعليق #0 - دراسات وبحوث

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي