القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

عبد صبري أبو ربيع
عبد صبري أبو ربيع

من نحن

about us

روافد ادبية/ (رواية) كم أكره القرن العشرين

عبدالكريم العبيدي
عبدالكريم العبيدي
  عبدالكريم العبيدي  

 

    رواية...   كم أكره القرن العشرين  

                ثنائية الافراريّه والزنابير

                

 

(يوم وزعت الأنصبة على البشر..  كانت الحصة المقررة لي الحرمان والألم)

                                                       شاعر سومري مجهول    

 

                                 

                                         1                                            

 في ضحى نهار غائم، شديد البرودة، داهمني من خلفي صوت أجش مقرونا بهمهمات وضحكات متقطعة، لا ترافق في العادة، أصوات قطعان الزنابير التي طالما فززتني (*)، لكنه، مع هذا أجبرني فجأة على التوقف داخل السوق، في موضع لافت جعلني عرضة لفضول المارّة، ثم، ولسبب لا أفهمه رددت عليه فطريا، دون أن ألتفت، بابتسامة خجلة، غالبا ما تصنعها وجوه أولئك الذين يتم افتضاح أمرهم في نهاية الأمر، وتلك مزية صار لي معها، مذ تلك اللحظة البائسة رفقة إجبارية على مدى أعوام، لكن استسلامي السريع والمخيّب لذلك الصوت المبحوح وكل ما رافقه، نجح على ما يبدو في إقصاء شوط مميز من أشواط القلق الجامحة التي طالما أنهكتني في دوّامة آلة الرعب الثمانينية على مدى ما يقرب من عقد، ربما قبل أن يهيئ وجهي تلك الابتسامة الفضائحية الصفراء لشاب كان يغذ الخطى في الرصيف للحاق بي ومساءلتي في أمر أقر جسدي بارتكابه قبل حصول أدنى مواجهة، فقطرات البول الساخنة هي أول من سارعت في هروبها المذل من عضوي وبللت فخذيّ، ملحقة ببقايا رجولتي إحساسا سريّا بالعار، بينما أطلقت مؤخرتي أصوات قبيحة متعاقبة، أو ربما غازات، شيء من هذا القبيل، لا أدري.

في طفولتي، كان الخوف يرغمني على فعل شيء أفظع من هذا، كنت أخرّي على نفسي!.

لكنني، في تلك اللحظة بالذات، لم أرهق رقبتي المحنية دائما بالتفاتة ما. ظللت جامدا على ذلك النحو المصدوم لثوان مخيفة، ثم أنخت لإحدى كتفي مهمة مواجهة نقرة محتملة من أصابع الشاب، قد تكون أقرب إلى الحادة نوعا ما، لكنها ستنهي حتما بؤس انجمادي المهين وسط المارّة، وستدعني أستدير ببطء، أعني بذعر شديد، أعني بهول لا يحتمل لرؤية ذلك المنادي، وربما التهيؤ لشتى المصائب المفتوحة التي لا يبتعد أضعفها حسبما كنت أعتقد عن مظهر من مظاهر التوتر والارتباك، لكن النقرة المرعبة لم تحصل، وشعرت فجأة بكفين غليظتين تمسكان بساعدي وتهمان بسحب ذراعي قليلا إلى الجانبين، مع إبقاء كل منهما في وضع يصنع رقم ثمانية مع حافتي جسدي، ثم سرعان ما مسك الشاب بطرفي سترتي وخلعها بخفة، راح بعد ذلك يطويها بمهارة عامل قديم من عمال مكوى للغسيل الجاف، وهنا بان لمن حولي قميصي الصيفي الرث بكميه القصيرين وشقوقه العديدة، وفجأة شعرت بالبرد، وبارتجافه مهينة سرت في عموم جسدي واشتدت قسوتها بين فخذيّ الرطبتين.

"ألاّصت"، هكذا همست لنفسي، وربما أضفت: "احترڱ فيلمي"...

بدأ الشاب متباطئا وهو يمزج كلامه بضحكه: ههه، كنت واثقا أنك أنت الذي فعلتها أيها البلوشي، هههه، غبت عن ناظري بخفة، ههه، لكنك لن تفلت مني، دورة نهاركم وليلكم ضيقة، كم وعدت نفسي وتوعدت، أنني سأظفر بك حتما، كنت واثقا من ذلك، هههه، وها قد اصطدتك الآن، اطمئن، لن أطالبك بأجرة دفء الليلة الفائتة، هههه، لم يبق إلا البلوش!، ولكن كيف يسرق الحافي من حاف مثله!؟.

نعقت صفّارة الإنذار إيذانا بسقوط قذيفة، بدأ القصف المدفعي الإيراني، وسارع الناس الى  

أنهى دوي الانفجار حديث بائع الملابس المستعملة، فقرات حفلته البائسة وشديدة القسوة ثم تركني فريسة للسعات أنظار بعض السابلة وأصحاب المحال التجارية، وسار بخطى بطيئة صوب زقاق ضيق ينتهي على ما أظن عند سوق (اللنكه)، بينما اخترت، أنا العصفور المهان والمفلس، الهارب من شباكه، الاختباء في مقهى تقع على مقربة من موقع الفضيحة، وكانت غايتي الوحيدة وقتها هي الاحتماء بجدران تلك المقهى المتهالكة وما ستوفره لي من دفء شحيح ربما سيقلل جزءا من قشعريرة البرد التي داهمتني، والأهم أن يخفض، ولو بالتمني نزرا يسيرا من احمرار وجهي وعنقي وأذني، أعراض الايروتوفوبيا المقيتة التي شخصها لي أحد الأطباء في طفولتي، فحتى تلك اللحظة، كنت أخشى من نظرات الآخرين وعدم الإحساس بالأمان. إحساس مفزع بالاندهاش لكل شيء من حولي، وهو أمر زاد من شعوري بضيق في التنفس، وتصاعد عنيف في ضربات القلب، مصحوبة بآلام في الصدر، مع صعوبة بالغة في البلع، وقشعريرة تجتاح كل جسدي، مقرونة بارتعاش مفضوح في كل الأطراف، وكنت كلما حاولت المقاومة، كلما زاد ذلك الاحمرار اللعين. وزاد يقيني الآن بأنني مت في تلك اللحظة، أو كنت على وشك أن ألاقي حتفي حقا، لطالما كنت أخشى أن أموت، أخشى كعادتي المزمنة من شدق الموت المهول، بسبب إلقاء القبض عليّ وإعدامي رميا بالرصاص، أو بسبب انفجار قذيفة طائشة من قذائف القصف المدفعي الإيراني اليومي على مدينتي، كم كنت أخشى الموت فعلا، لكنني في تلك اللحظة بالضبط، كنت أخشاه أكثر من أي وقت مضى.

الخوف موت دائم، يا لتعاستي...

جلست في أقصى الزاوية البعيدة عن الباب تحاشيا لتدفقات البرد المتسللة من شقوق زجاج "المنور"، ورحت أنظر بنصف عين لكل ما تحمله جدران المقهى وزواياها من حولي، تفرست في وجوه الجالسين، وجها وجها، لأتأكد تماما من خلوها من أي زنبور سافل أو شرطي سري أو مندس جديد.

 شاهدت المذياع الأسود الكبير، والمرايا القديمة المؤطرة بخشب الزان المذهب، ورؤوس الغزلان الناطة من الجدران بقرونها المتفرعة والطويلة، والسماورات الفضية المعروضة في الواجهة مع الأوجاغ والصواني النحاسية والاستكانات والقوريات المصنوعة من الفرفوري والمحاطة بأشرطة الألمنيوم المقوسة. ثم أطلت النظر في وجوه الباعة والشحاذين وصباغي الأحذية والنشالين واللوطيين والعمال المصريين والمشردين المخمورين والكثير من الرواد القادمين والذاهبين، وأصغيت إلى قرقرة أركيلات الرواد التقليديين القدماء، وضجيج لاعبي الدومينو والطاولي وفحش شتائمهم، وكنت من حين لآخر أرقب (صبّار)، الروبورت الصامت الحزين، عامل المقهى العجوز ذو الشارب الهتلري والكاسكيته المتهرئة التي طالما أجادت بإتقان إخفاء صلعته القبيحة على مدى أعوام.

لا زنابير تلاحقني إذن، لا رجال أمن ولا تعقيبات ولا مندسين*، فقط شعور مزمن بالرعب المقرون كالعادة بالإذلال والمهانة ورائحة البول، لا بأس إذن، هذا هو أنا منذ ولدت.

لكنني عدت وقرأت للمرة الألف شعار صاحب المقهى الظريف: "لا دين ولا بعدين ولا هسه إصّار"، وبعد أن كدت أشعر بالدفء، أو لأكن صادقا ببعض من وهم الأمان فقط، أطلق صبّار فجأة صفّارة الإنذار المدوية الأولى محذرا رواد المقهى والباعة وأصحاب البسطات والمشردين والمارة: "إجه خاليييي"، كان يطلقها عادة حالما يلمح  في أقصى السوق، ومن خلل زحمة رؤوس السابلة المتشابكة زنبورين من أفراد الانضباط العسكري قادمين باتجاه المقهى، وكان يتغنى بجملته التحذيرية المخيفة تلك من داخل كفه اليمنى بعد أن يكورها بخفة ويلصقها بفمه.

هالني كالعادة ما حصل من عملية إخلاء خاطفة وشاملة وانسيابية لخلق الله، هروب سريع ومفاجئ من داخل وخارج المقهى، أفراد وجماعات تتنافس قبالة فتحة في جدار المقهى الخلفي، حصول تدافع وتراشق في الألفاظ، مقرونا بهمهمات وأصوات متقطعة، حالة بائسة من الارتباك والخوف والتوتر، اضطررت على إثرها، مثلما اضطر غيري إلى الزحف باتجاه مخزن حطب الأركيلات النتن، الواقع خلف مرحاض ممتلئ بطفح المياه الثقيلة على مدى العام.

شعب، ثلثه افراريه، وثلث وقود للحرب، والباقي أمراض مزمنة!...

 هناك، عادة، تبقى الرؤوس تتشابك مع الأيادي والأحذية والنعل، لتصنع أبشع لوحة اختباء بين الأنقاض والنفايات والروائح النتنة لما يقرب من نصف ساعة أو أكثر، صمت ثقيل وموجع، تفضحه الأنفاس اللاهثة، وتمتمة بعض الأدعية، وأصوات ضربات القلوب الوجلة، حتى يعلن صبّار انتهاء خطر المداهمة بإطلاق صفّارة ثانية تطمينية هذه المرّة:"احترگ أبو خاليييي"، داعيا فيها جحافل "الافراريّه" المختبئة، من رواد المقهى وغيرهم للعودة إلى أماكنهم وإتمام دسوت الدومينو والطاولي وتدخين الأركيلة، ومزاولة البيع.

لاعبت أحد رواد المقهى الشطرنج بعزيمة مدهشة وهزمته في خمس دسوت متتالية، فحصلت على دينارين ونصف الدينار في غضون ساعتين، وكانت تلك انفراجة غير متوقعة مهدت لي وضعا مقبولا بغياب "صباح" طيلة ذلك النهار الشتوي الغائم، وهو غياب مكرر طالما ألفته من مخلوق غامض، لولاه ما احتفظت ببؤس فقاعات حياتي طيلة أعوام هروبي من الجيش، ولما تمكنت من ترميم أية نكسة أو أخفاقة مفاجئة بدون نوافذه المشعة التي غالبا ما كان يشرعها لأمثالي من دونما ثمن.

كان شهما بالفطرة...

لكن المبلغ المالي الذي فزت به  كان كافيا لشراء قمصلة مستعملة، وعلبة سكائر، علاوة على تناول لفة فلافل، ثم المبيت كالعادة في خرابه، أو ضيفا ثقيلا غير مرغوب فيه داخل شقة أو بيت أحد المبتلين بي، أما في أحسن أحوالي فسأتطفل بجرأة ثمالتي، إن وجدت، على أحد المتفضلين ممن أعرفهم، لأقاسمه عفونة قفص في فندق رخيص وقضاء ليلة بائسة معه، حتى يعلن أول خيط مضبّب من الفجر ضياع يوم آخر من أيام هروبي وتشردي وإفلاسي، أراوغ بعده في نهارات أخرى متشابهة في قسوتها وإذلالها، باستثناء ذلك النهار الغريب الذي لم تتوقف مفاجآته المتلاحقة وهي تمهد لوقوع ما هو أخطر وأشد حرجا من عثور بائع الملابس المستعملة على سترته المسروقة، أو مداهمة الزنابير للمقهى، ففي لحظة حمراء فاصلة من دقائق ما قبل العصر، قدم ثلاثة أشخاص إلى المقهى وجلسوا خلفي على التخت الملاصق للتخت الذي كنت أشغله مع جليس آخر ولاذوا لبضع دقائق بالصمت. عرفت بصعوبة أحدهم، رغم أنه كان يلف رأسه بكوفية حمراء لم تظهر منه سوى نظارته السوداء السميكة التي أكاد أحفظ كل ندبة فيها ووقت حصولها حتى الآن. انه صباح، نعم صباح دون شك، بضخامة جسده وطول قامته ورأسه الكبير. ولكن قبل أن أفكر في سبب قدومه إلى البصرة، أو حتى في أمر الشخصين الغريبين ولغز مرافقتهما له، شعرت بحافة نظارته تلامس خدي الأيسر، ثم تناهت إلى أذني أهم وأشهر همساته هيجانا مذ هرستنا سنوات ذلك الرعب على مدى أكثر من عقد: غدا، أيها البلوشي الطيب، ستلتحق بالأنصار في كردستان، يا... حلو!.

أخيرا بتّ حلوا بنظره، أنا البلوشي الأسمر!...  

    

                                                                              2   

حصل كل ذلك قبل ما يزيد على ثلاثة عقود، في صفحة نهار شتوي ما تزال عصية على النسيان، بل أن وقائع ذلك اليوم التي ما زالت تحتفظ بغرابتها ظلت حتى هذه اللحظة تدلل حتما على تدخل كوني لافت في مجريات حمراء متلاحقة امتدت حتى ساعة متأخرة من الليل وأصابتني بالغثيان، ربما لأن روايتي الكونية التي طالما أزعجت فصولها الكثير من أصدقائي صنعت لعوالمها في ذلك اليوم فصلا غامضا جديدا سيصفه صباح وآخرون بالسفسطة، وسأبقى بنظرهم أتمرغ في هذياني الممل حتى أغدو مجنونا بالفعل، لكن الرواية الكونية مضت قدما في ذلك النهار الوحشي، فالقمر، أمير الفراشات الضالة لم يغب رغم تلبد السماء بالغيوم، وكان أقرب للأرض من أي وقت مضى، كان يضللني، تماما كالشمس، هالة الضوء الكبرى، كانت تشاكسني بقسوة إرادتها من خلف الغيوم، حتى الكواكب، صغيرها وكبيرها، ظلت بدورانها الساحر تتحكم في حوادث الكون، وبذلك النهار المدهش، المنفلت بغرابة من نهارات القصف الإيراني، وبكل ما كان يدور في مقهى صبّار، وفي داخلي.

كل شيء حصل لي في ذلك اليوم كان يحدث كما لو أنه كان مسيّرا بتأثير قوى خارجية كونية، مازالت تشكل لغزا من تلك الألغاز المحيرة والمربكة التي طالما ذكرتني بالشيخ معروف، بعينيه الكحيلتين، وبضفائر شعره الطويلة المخضبة بالحناء، وبتلك الزيارة الخاطفة والوحيدة التي حثني عليها حفيده عبدالجليل، حالما شاهدني ألوّح له بخنفساة عثرت عليها في شق في جدار.

قال لي هامسا: إذا أرسلتها إلى جدي الشيخ سيمنحك عشرة فلوس.

-         عشرة فلوس!؟، لماذا!؟

لم يجب، ظل صامتا، ما زال صمته للآن يحيرني، لكنني صدّقته ببلاهة، دفعت الباب الخشبي دون أن أطرقه، ومررت على أم عبدالجليل وشقيقاته في باحة البيت، لوّحت لهن بالخنفساة، لكنّ وجوههن ظلت جامدة، ولذن بالصمت، صمت غزير، غير مألوف، مازال لغزا أيضا، ما أكثر ألغاز طفولتي!؟.

طرقت باب غرفة الشيخ مرة، مرتين، ثم ببراءة صبي فتحت الباب ببطء فشاهدت الشيخ حانيا رأسه قبالة مصحف كبير موضوع على حمالة خشبية،  كان يرتّل القرآن بصوت خفيض، وحالما لمحني صمت قليلا، ثم أشار إلي بالجلوس إلى جانبه، ومن تلك اللحظة دبّ بي الرعب.

زحف الشيخ بحركة مخيفة نحو رف صغير وتناول قارورة كبيرة وفتح غطائها، ثم مد كفه وأخذ الخنفساة من بين إصبعيّ ورماها في مسحوق أبيض داخل القارورة، إلى جانب أكثر من ثلاث خنافس كانت تتحرك ببطء بين حبات المسحوق.

 كم كان بودي أن أسأله وقتها عن سر اهتمامه بتلك الخنافس، أو أبدي له استغرابي على الأقل، وربما سخريتي من شراء خنفساة بعشرة فلوس، لكنني كنت أرتجف من هول كل ما أراه، وكان حلمي هو الفوز بتلك القطعة النقدية التي كانت تعادل مصروفي اليومي، ثم الهروب من تلك الغرفة العبقة برائحة المسك والكافور ودخان الشموع المحاطة بالمصحف والأبخرة المتدفقة بغزارة من قطع البخور الكبيرة.

أغلق الشيخ غطاء القارورة بإحكام، ولكن بحركة دائرية بطيئة للغاية، وأعادها ببطء أيضا إلى الرف، ثم رمقني بنظرة جعلتني أرتعد من الخوف، قبل أن يدس كفه داخل ثيابه ليخرج ملفوف ورقي مصنوع بمهارة، التقط منه عشرة فلوس ومنحها لي، لكنه لم يحتفظ بصمته المهيب والمفزع، تدفقت الكلمات الغريبة من فمه مثل فقاعات متتالية انفجرت جميعها في رأسي، كان يردد بصوت متهدج، وكأنه يجيب على أسئلة خفية وسريعة انهالت على مسامعه: "أنت والسماء واحد، أنا وأنت والكون كلنا واحد، المشتري: العينان، عطارد: الأذنان، الزهرة: المنخران والثديان، زحل: السبيلان، الشمس: الفم، القمر: السرَّة، العالم: السموات السبع والأرضيين، وما بينهما من الخلائق أجمعين. كل هذا هو إنسان واحد كبير. جسم واحد بجميع أفلاكه وأطباق سمواته وأركان أمهاته ومولداته. له نفساً واحدة سارية كسريان نفس الإنسان الواحد في جميع أجزاء جسده، هذا ما أوحِي به إلى النبي إدريس، هذا ما أوحِي به إلى النبي إدريس، هذا ما أوحي به إلى.....".

الآن، أغمض عيني وأهمس:" حقا أيها الشيخ الجليل، صدقت. هذا ما توصلت إليه من داخل ظلمة التابوت، خلوتي السرية القديمة في وحدتي العسكرية، المكان المخيف الضيق الذي طالما سكنته لوحدي، الرحم الجديد الأرحب، الأرحب، الأرحب...، وتلك هي الآن أوجه الحياة الباطنية في روايتي الكونية وما يرافقها من تفاعلات مع حركة الكون. لم يحدث أي تحوُّل عابر في حياتي، أو حياة بني البشر، وكل ما حصل عبر قرون وما كان يحصل داخل مقهى صبّار في ذلك اليوم اللافت، الخالي من دوي القصف الإيراني هو نغمة من نغمات سيمفونية الكون، كلمات في سطور حوار ثابت منذ البدء بين حياتي وذاك المحيط البعيد المتشكل من الشمس والقمر والكواكب والتوابع".

أنا من هنا، من هناك، من كل ما يدور من حولي.

لكنني من أنا الآن؟

إنني لست سوى"افرار"، كنت وما زلت، هارب من أداء الخدمة العسكرية اللعينة وحروبها وويلاتها، مشرّد ومفلس ومصاب بالايروتوفوبيا، وهذه كلها علل تناغي ما يطابقها في هذا الكون الرحب، اللا متناهي، وأي علة تصيبني أو تصيب غيري إنما تعبِّر عن اختلال ما هناك، ثمة ترابط لا مرئي بين اعتلالي وبين الكواكب المتناغمة كونيّا، إنها ذات التماثلات العجيبة بين الإنسان والكون، تلك التي أشار إليها الشيخ معروف وتلاها على مسامعي داخل غرفته المسكونة وأنا ابن العشرة أعوام، عشر ملفات بؤس.

 كل سنة منها فاقت مآسي القرن العشرين".

 

  

عبدالكريم العبيدي

 


 

2012-10-13 - عدد القراءات #229538 - تعليق #1 - روافد ادبية

WRITE_COMMENT_HERE

محمد عباس

رواية رائعة جدا

2015-07-03 19:33:05

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي