القائمة الرئسية

أحدث الكاتب

testar
testar

الماضي الكاتب نشط

جورجينا بهنام
جورجينا بهنام

الكاتب عشوائي

احمد عصفور ابواياد
احمد عصفور ابواياد

من نحن

about us

نقد ادبي/الخزرجي في (التعددية والحرية) يطرق أبواباً ملغومة

د. نضير الخزرجي
د. نضير الخزرجي
  د. نضير الخزرجي  

د. فؤاد إبراهيم*

 ابتداءً يمكن القول أن العلاقة بين مفهومي التعددية والحرية هي علاقة تماهي، وبالتالي لا يمكن تصور أحدهما دون وجود الآخر، وحين نتحدث عن التعددية لا يمكن أن تنشأ مثل هذه التعددية إلا في مناخ من الحرية، وبذلك فالحرية هي منتج للتعددية في كل مظاهر الحياة، إذ أنَّ التعددية والحرية متلازمان.

ولازال موضوع التعددية والحرية في المجال البحثي، وبخاصة المجال الإسلامي، إشكاليا في ظل سيطرة  فكرة الواحدية ومفهوم الفرقة الناجية، وعليه يأتي هذا البحث لمعالجة إشكالية قائمة، فهل يمكن القبول بالتعددية والحرية بوصفهما واقعا شرعيا وممارسة مشروعة وخصوصا في المجال العقدي، وحرية الإعتقاد مثالاً في تفسيرها المضطرد وليس الجدلي الخاص؟، فالكلام سيطول حين الحديث عن حرية الإعتقاد بوصفها الموضوع الأكثر جدلاً في أي مجال بحثي في داخل المجال الإسلامي أو أي مجال ديني عموما، من هنا فإن الباحث العراقي الدكتور نضير الخزرجي في كتابه "التعددية والحرية في المنظور الإسلامي" اختار التعددية السياسية محطاً ومختبراً لجدل التعددية والحرية في الإسلام، وقد يكون ذلك من باب السلامة في مجال البحث داخل الدائرة الإسلامية، والسؤال العريض: ماذا عن باقي أشكال التعددية الأخرى الفكرية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها؟

لاشك أن هناك جدلاً واسعاً وثرياً حول التعددية السياسية ارتبط من فترة مبكرة بعلاقة التعددية الحزبية مثلاُ بالنظام المرجعي الشيعي، ربما قد نلتقي هنا في نقطة جدل كبرى في داخل المجال البحثي الشيعي، وهناك إشكالية بين المرجعيات الدينية في النجف الأشرف حول علاقة الحزب بالمرجعية الدينية، وفي هذا المجال كتب السيد حسن الشيرازي كتاب (كلمة الإسلام) أبان عن ثلاثة خطوط داخل المجال الشيعي بخصوص علاقة المرجع بالعمل الحزبي وهي:

- علاقة تماهي، أي ارتباط الحزب السياسي بالمرجعية وخضوعه لإشرافها وانتهى ذلك إلى ما يعرف بظهور ولاية الفقيه المطلقة.

- علاقة ربما متوازية وليست متماهية بين الحزب والمرجعية والتي جسّدها حزب الدعوة الإسلامية في العراق على أساس حماية المرجعية من أي أخطار محدقة بها من قبل النظام السياسي آنذاك، وعلى هذا الأساس نشأ هذا الحزب.

- الخط الثالث ويمثل حركة العلماء التي لا ترتبط بأي عمل حزبي، كالتي حصل في إيران وهو أن يكون المرجع هو الذي يقود الجماهير إلى الثورة والتغيير وبالتالي جسدها نموذجا في إيران السيد روح الله الخميني.

على أي حال هذا البحث مازال صالحاً لمزيد من النقاش والبحث والتناظر.

الباحث عن الحقيقة

وفي سياق قراءتنا لكتاب (التعددية والحرية في المنظور الإسلامي) انتقل للحديث عن المؤلف الدكتور الخزرجي، إذ تربطني بالكاتب علاقة قديمة وعلاقة صداقة قديمة جداً حيث ارتبطنا بمشروع عمل إعلامي مشترك يعود إلى أكثر من ربع قرن، ولاحظت قدرته الفائقة جداً والفريدة في حقيقة الأمر في مجال البحث، ويمكن أن أقول بقدر كبير من الثقة بل بقناعة تامة بأن الدكتور نضير الخزرجي بالنسبة لي اكتسب صفة الباحث بحق، والباحث في نظري هو من يسعى للبحث عن المعرفة والبحث عن الحقيقة، الحقيقة التامة وليست الناقصة، فهو حيث يبحث لا يكتفي بمجرد أن يحصل على معلومة فقط لتثبيت نتيجة معينة، وإنما يلاحق الحقيقة في كل أبعادها وجذورها من أجل تقديمها تقديما علمياً صحيحاً وعميقاً، وبالتالي حينما يتحدث عن مفهوم معين لا يكتفي فقط بالتعريف الفقهي واللغوي وإنما يتابع هذا المفهوم أو ذاك في مجاله المعرفي والسياسي والفقهي، وبالتالي هو يقدم صورة شاملة عن أي عمل بحثي يقوم به، وهذا ما يجعلني أحترم جداً أي مسعى بحثي يقوم به الدكتور نضير الخزرجي لاحترامه لنفسه ولأدائه العلمي، وهو في الوقت ذاته يحترم أيضا قدرة القارئ على التمييز بين ما هو عمل بحثي أكاديمي ومعرفي وبين ما هو عمل صحفي وإعلامي رغم أنه اشتغل في المجال الإعلامي كثيراً، ولكنه حافظ على صفته كباحث وكأكاديمي.

مفاهيم ملغومة

وبالنسبة للكتاب وفصوله، يمكن القول بقدر تام من الثقة والقناعة أنَّ الكتاب عكس شخصية الباحث نفسه، ففي الفصل الأول من الباب الثاني في ستة فصول، تحدث عن جذور الإختلاف والتعددية في التاريخ الإنساني عموماً، وهذا المبحث التمهيدي ضروري جداً لبيان كيف أن مفهوم التعددية كان أصيلاً في تاريخ البشرية، وحينما ينتقل فيما بعد للحديث عن التعددية في المجال الإسلامي يربطه بأصالة الإنسان نفسه باعتباره أنه في الأصل خُلق في أجواء التعددية والحرية، وقد جاء الإسلامي منسجماً مع الطبيعة التعددية في البشرية.

انتقل الباحث فيما بعد للحديث عن التعددية المذهبية في المجال الإسلامي، وهذا جميل جداً رغم أننا ما زلنا نواجه هذه الإشكالية دائما، فالتعدد المذهبي هو واقع ولكننا ما زلنا نرفض الإقرار والإذعان له والقبول بمشروعيته في المجال الإسلامي، ضمن حالة الإقصاء والتنابذ المتبادل بين المذاهب، فنحن عملياً نتعايش مع التعددية المذهبية ولكن نرفض الإقرار بها وبمشروعيتها، ونرفض الإقرار رسمياً بحق الآخر في الإنتماء والإختلاف.

ويناقش الدكتور الخزرجي المفاهيم المتعارضة والمتشابكة مع مفهوم التعددية مثل الوحدة والإختلاف والتنوع، بل ومفاعيلها الإيجابية وثمرة التعدد، التعدد والإبداع، وترابط الإبداع بالتعددية، علاقة التعددية بالتطور في المجتمع، والتنمية والنمو والمعارف الإنسانية ونموها في ظل التعددية، أعتقد إنه أمر طبيعي وملح حين قراءتنا لمثل هذه الأفكار.

هناك صور عرضها الكتاب عن التعددية في المجال الإسلامي، منها التعددية الإعتقادية، وينطلق الدكتور الخزرجي من فكرة ليس في الدين إكراه بناء على قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) سورة البقرة: 256، وضرب لذلك مثلاً وثيقة المدينة التي حصلت في عهد النبي محمد (ص) مع غير المسلمين القاطنين في المدينة المنورة، حيث تضمنت الوثيقة إقراراً ضمنياً في حق الأديان الأخرى في البقاء على ما هي عليه في اعتناقها الحر لمعتقداتها خارج الإطار الإسلامي، والرسول (ص) أقرَّ هذه الحق للأديان الأخرى طالما أنها لا تتبنى العداء ولا ترفع السلاح بوجه المسلمين، وربما هي أول وثيقة تقر بحق الآخر في الإعتقاد الديني خارج الإطار الإسلامي.

وهناك مفهوم طالما وودت أن يُثار في الكتابات الإسلامية، وبالفعل تناوله الدكتور الخزرجي، وهو مفهوم الوطن وتعايش الأديان، فنحن نواجه إشكالية كبيرة وليس فقط في المجال النظري، وإنما اليوم أكثر الدول الإسلامي تعاني من هذه الإشكالية، إذ كيف يمكن أن نحل علاقة المذاهب بالدول؟ وما هي علاقة الأديان بالدول؟ وهل يمكن أن تشكل المواطنة الأساس المشترك بين أتباع الأديان التي يمكن أن تتحقق في ظله مبدأ المساواة والعدل والمشاركة والتمثيل العادل ضمن دولة وطنية تحترم الأديان وتحترم المذاهب ولا تلغي الآخر؟، وبالتالي فإن مبدأ المواطنة له أن يحيِّد دور الأديان في فرض التمايز خصوصا في دول قد تتبنى بعضها فكرة بناءاً على آية من القرآن الكريم تفسر تفسيراً خاطئاً، وهي قوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) سورة القلم: 35-36، حيث يفسر بعض المسلمين الذين يعتنقون اتجاها إسلاميا حسب وجهة نظرهم أنهم الإتجاه الإسلامي الأصيل النقي في مقابل المجرمين الذي يتبعون خطاً آخر هو الذي يكتسي الرداء الإسلامي ولكنه ليس إسلامياً.

ربما أن فكرة المواطنة، أو إعتماد مبدأ المواطنة للتعايش بين أصحاب المعتقدات المختلفة هو مبدأ يثار كثيراً في المناقشات داخل المجال العربي والإسلامي عموما، وخصوصا في مصر التي فيها الإشكالية قائمة حيث تم تداول شعار (مواطنون لا ذميون) عن الأقباط ومكانتهم داخل الدولة، وكتب بعض الإسلاميين هذه المباحث فيما يرتبط غير المسلمين بالدولة وحقوقهم السياسية والمدنية داخل دولة يشكل فيها المسلمون الغالبية، وفي تقديري أن فكرة الوطن وتعايش الأديان يعتبر مبحثاً في غاية الأهمية ويجب أن يتواصل لمزيد من التعميق ولمزيد من التأصيل.

الصورة الأخرى التي يعرضها الخزرجي هي التعددية الإجتهادية، وأعتقد أن الإجتهاد كمبتكر داخل المجال الإسلامي منذ وقت مبكر في تاريخ المسلمين ارتبط بتطور العقل وتطور فهم النص الديني،  وبالتالي كان الإختلاف في المباني والأصول والوسائل ومن ثم الأحكام، ولاحقاً ظهور المدارس الفقهية، فرض واقعاً تعددياً يجب أن يحظى بالأهمية وبالمشروعية داخل مجتمع المسلمين، وبالتالي هو صورة من الصور الأبرز في التعددية داخل المجال الإسلامي.

لقد لفت انتباهي من ضمن المباحث التي تعرض لها الخزرجي هو مصطلح التعددية المحمودة، وكأن هناك تعددية غير محمودة أو خبيثة بالإصطلاح الطبي، وربما تكون صحيحة بوجود تعددية غير محمودة إذا كانت تعددية تؤول إلى تدمير الذات الإنسانية وتؤدي إلى التناحر والقطيعة داخل المجال الإجتماعي، بينما التعددية المحمودة التي يومئ إليها الدكتور الخزرجي هي التعددية المثرية المنتجة التي تؤدي إلى رفع المجتمع وتنامي مهاراته.

تلازم التعددية والحرية

البحث الآخر الذي تعرض إليه الكتاب في الباب الثاني في سبعة فصول، هو موضوع الحرية، وهو من المواضيع الشائكة رغم أن مفهوم الحرية قد يُعرَّف تعريفاً بسيطاً، ولكنه من المفاهيم التي تدخل ضمن مجال الفلسفة، وله روافد معقدة جداً إذا أردنا أن نسير باتجاه آخر ما يمكن أن تصل إليه الحرية خصوصاً وأن هناك من يحاول أن يقدم تعريفات مرتبطة بالإتجاهات الأيديولوجية التي نشأت في داخل التاريخ البشري، خصوصا منذ عصور التنوير في أوروبا حيث كانت هناك حالة لإطلاق العنان لكل الغرائز والإتجاهات التي تحاول التحرر من كل قيد يمكن أن يُفرض عليها في مجال الفكر والإجتماع والإقتصاد والسياسة، وبالتالي قد تكون الحرية هي من المجالات الجدلية التي مازالت موضع نقاش بين المفكرين عموماً.

أضاء الدكتور الخزرجي إضاءة واسعة، وقدَّم قراءة متعددة الأبعاد لمفهوم الحرية على السواء بين مفكري المسلمين والمفكرين الغربيين، فقد تحدث عن أصالة الحرية وهذا شيء ضروري لأن الحرية بالفعل هي أصيلة في تاريخ البشر، وأن الناس وُلدوا أحراراً، وهم الذي يقررون بملء إرادتهم اتجاهاتهم الفكرية كما يقررون طريقة المعيشة والملبس والمأكل وغير ذلك.

تناول الباحث ضوابط الحرية، وهذا أمر طبيعي ومعه يُثار السؤال التالي: إلى أين يمكن أن تصل الحرية وإلى أين يجب أن تتوقف؟  فهناك حدود وضوابط لهذه الحرية وخصوصا في المجال الإسلامي، وربما في غير المجالات الدينية قد تكون الحرية مطلقة لا حدود لها في نظر الآخرين، ولكن بالنسبة للملتزمين بأديان معينة هناك بلا شك ضوابط معينة والتزامات محددة تفرض علينا من أجل حفظ النوع البشري أن نلتزم بضوابط معينة في مجال الحرية.

تناول الباحث في عنوان مستقل اتجاهات ومراتب الحق والحرية، وعلاقة الحق بالحرية، وما إذا كان بالإمكان تحول الحق إلى الحرية، وما هو المقدم منهما على الآخر رتبة الحق أم الحرية، والتشابك الذي يربط بين المفهومين؟ وانتهى إلى تقدم الحرية رتبة على الحق.

كما تناول موضوعة الحرية ومعاني العبودية ودلالاتها، وبالطبع حين الحديث عن العبودية يجب أن نستحضر البعد الديني دائما، فالإنسان حر ولكنه في مكان ما قد يكون عبداً، ولكنه عبدٌ لله، وفي المجال الإنساني تعتبر حالة الرق البشري نقيضة لطبيعة الإنسان ونقيضة لحريته، وتتقاطع مع أصالة البشرية في الحرية، وبالتالي هناك حدود معينة ربما تكون خارج طار الطبيعة البشرية، فليس هناك تناقض بين الحرية والعبودية على مستوى علاقة المخلوق بالخالق، ولكن على مستوى الخلق هو الأساس بحيث لا تكون هناك علاقة تشابك بين الخلق، ولا يستعبد أحدٌ أحدا.

وتناول المؤلف علاقة العلم بالعبودية، فالعلم يحرر الإنسان، وللإمام علي نص راق يقول: (قيمة كل امرء ما يحسنه)، وكأن هذه القيمة هي قيمة الإنسان في حريته، كما إن العلم يحرره ليس من الجهل فحسب بل على مستوى الممارسة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية وغيرها، وبلاشك أن العلم هو مفتاح حرية الإنسان، كما أن الحرية والإستبداد على طرفي نقيض خصوصاً في المجال السياسي، وهو ما ناقشه الباحث في عنوان مستقل.

والخلاصة التي ختم بها الدكتور نضير الخزرجي كتابه، هو أن القول بالتعددية يؤول حتماً إلى القول بالحرية وأصالتها، وأن التعددية والتنوع يحكمان بحرية المرء بفعل أي شيء لا يخالف الشرع أو القانون أو العرف العام.

أعتقد أن هذه خاتمة متوقعة، وخاتمة علمية لا غبار عليها، ولاسيما في مجال بحث التعددية والحرية، واعتقد أن الكاتب كان موفقاً، ولذلك ما جاء بعده من بحث حول (العمل الحزبي في المنظور الإسلامي) والذي نال به الشهادة العليا (دكتوراه فلسفة) عام 2008م، كان نتيجة طبيعة لنجاح كتاب (التعددية والحرية في المنظور الإسلامي) الذي صدر عام 2011م عن بيت العلم للنابهين (لبنان) ومكتبة دار علوم القرآن (العراق) في 400 صفحة من القطع الوزيري.


د. نضير الخزرجي


* باحث وأستاذ جامعي من السعودية مقيم في لندن


 

2012-09-25 - عدد القراءات #305 - تعليق #0 - النقد الأدبي

WRITE_COMMENT_HERE

فراديس العراق - مؤسسة ثقافية اعلامية مستقلة
مدير الموقع - ثائرة شمعون البازي